|
| أنتوني كوردسمان |
تشير المعاجم اللغوية إلى أن مصطلح "الحرب الأهلية" يصف "الحرب الدائرة بين جماعات متناحرة من مواطني نفس الدولة"، وهو ما ينطبق بوضوح على ما يدور الآن في العراق، حيث تكشف الأرقام الصادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية في هذا الصدد عن تفاقم أعمال العنف الطائفي على امتداد العام الماضي بمقدار يتراوح بين 10 و12 ضعفا.
وعلى الرغم من عدم توافر بيانات يمكن الوثوق بها فيما يخص القتلى والجرحى فإن الدراسة التي أصدرتها منظمة "لانست" تعد واحدة من الدراسات المثيرة والجديرة بالتنويه بها في هذا الشأن، وتقدر الدراسة عدد القتلى منذ الإطاحة بـ"صدام حسين" بما يقرب من 601.027 شخص، معظمهم سقطوا بنيران الأسلحة.
ويعد هذا أكبر تقدير لأعداد القتلى بالعراق، بيد أن نتائج الدراسة تنطوي على مشكلات خطيرة فيما يخص مدى مصداقيتها، حيث تختلف كلية مع حجم العنف الذي تصوره تقارير الحكومة العراقية والمراسلون المتواجدون بمسرح الأحداث، لكن أهمية الدراسة تنبع من أنها ترسم صورة صراع بدأ يتخذ شكل حرب أهلية محتدمة منذ يونيو عام 2005 ، على سبيل المثال جاءت بيانات معدلات القتل التي أوردتها الدراسة على النحو التالي:
- 2.6 حالة "قتل مفرط" بين كل ألف شخص في الفترة من مارس عام 2003 إلى إبريل عام 2004.
- 5.6 حالات بين كل ألف شخص في الفترة من مايو عام 2004 إلى مايو عام 2005.
- 14.2 حالة بين كل ألف شخص من يونيو عام 2005 إلى يونيو عام 2006.
على الجانب الآخر توجد تقديرات أدنى بكثير، مثل تقدير هيئة إحصاء قتلى العراق Iraq Body Count الذي يتراوح بين 44.000 و49.000، ومع أن الحكومة العراقية لم تصدر من جانبها تقديرات رسمية حديثة بهذا الخصوص، فإنه عند النظر إلى التقديرات الماضية من الممكن استنتاج أن إجمالي القتلى يتراوح بين 60.000 و80.000 شخص.
وبالنظر إلى أي من تلك التقديرات على خلفية أن أعداد الجرحى دائمًا ما تفوق القتلى، وأن مئات الآلاف من العراقيين يتعرضون للتشريد والنفي من بلادهم، فإن مجمل ضحايا ما يشهده العراق يرتفع إلى ما بين 2% وما يتجاوز 5% من إجمالي السكان، علاوة على ذلك تنتشر عمليات الاختطاف والابتزاز والتهديد في أنحاء كثيرة من البلاد وتستشري بشكل خاص في كل من بغداد وكركوك والبصرة (موطن 40% من السكان)، وهو ما يؤكد أن ما تدور رحاه داخل العراق في الوقت الحاضر هو حرب أهلية حقيقية.
توجهات أعمال العنف
اتسم العام 2006 بارتفاع مستمر وواضح في أعمال التمرد والعنف الطائفي، ورغم العمليات العسكرية التي جرى شنها بمختلف أنحاء البلاد اعترف التقرير الربع السنوي الصادر عن وزارة الدفاع الأمريكية حول تقييم استقرار وأمن العراق في أغسطس عام 2006 باستمرار تنامي متوسط عدد الهجمات الأسبوعية، وخلال الفترة بين مايو ومطلع سبتمبر عام 2006 ارتفع عدد الهجمات ضد قوات الائتلاف والمدنيين والبنية التحتية بنسبة 15%، وهو ما أسفر عن زيادة أعداد الضحايا العراقيين بنسبة 51% بالمقارنة بالربع السابق من العام، وأوضحت وزارة الدفاع الأمريكية أن 63% من تلك الهجمات استهدف قوات الائتلاف، ومع ذلك فإن المتمردين لم يسعوا نحو الاشتباك بشكل مباشر مع تلك القوات مفضلين الاعتماد على نيران الأسلحة الصغيرة والنيران غير المباشرة.
وحدد التقرير بغداد والأنبار باعتبارهما أكثر الأقاليم اشتعالا، حيث شهدا وقوع 55% من الهجمات، وأنهما -إلى جانب إقليمي صلاح الدين وديالة- تعرضا لـ81% من الهجمات التي وقعت خلال الفترة ما بين 20 مايو عام 2006 و6 أغسطس من نفس العام، يذكر أن هذه الأقاليم الأربعة تضم 37% من السكان، إلا أن هذه الحسابات تتجاهل حقيقة أن غالبية سكان تلك الأقاليم ينتمون إلى السنة، وهو ما يعد مؤشرا على سقوط البلاد في هوة الحرب الأهلية.
في واقع الأمر، إن البلاد تنزلق باتجاه حرب أهلية كبرى، وهو ما يتجلى في الأوضاع القائمة بمدينتي كركوك والبصرة وأقاليم نينوى وصلاح الدين وديالة، وكشف تقرير وزارة الدفاع الأمريكية عن أن 68% من سكان المنطقة الواقعة بين تكريت وبعقوبة و43% من أهالي منطقة كركوك ليس لديهم ثقة في قدرة الحكومة على تحسين الأوضاع بالعراق.
على الجانب الآخر، أشار تقرير صادر عن الأمم المتحدة في يونيو من العام الجاري إلى أن المعارضة المسلحة التي تزداد تعقيدًا ما تزال قادرة على الإبقاء على مستويات مرتفعة من أعمال العنف بمختلف أنحاء العراق، أما أكثر المناطق تأثرا فهي بغداد والبصرة وكركوك.
المستويات العامة للهجمات
ما تزال مستويات الهجوم تتبع نمطا فصليا بحيث تتنامى خلال فصلي الربيع والصيف، بينما تتضاءل في أثناء شهور الخريف والشتاء، ومع ذلك تزايدت أعمال العنف بصورة مستمرة، وتكشف الإحصاءات ازدياد أعمال العنف بنسبة 23% بين عامي 2004 و2005، وبلغت أعداد الهجمات ذروتها في يوليو عام 2006، وجاء إجمالي الهجمات ما بين يناير ويوليو من عام 2006 أعلى بنسبة 57% تقريبا عن نظيره لنفس الفترة خلال عام 2005، وشكل أفراد قوات الأمن الدولية والمدنيون العراقيون غالبية الضحايا رغم أنهم استهدفوا من جانب نسبة قليلة من الهجمات بيد أنه رغم استقرار معدل الضحايا في صفوف قوات الائتلاف تتنامى معدلات الضحايا المدنيين العراقيين باستمرار؛ فعلى سبيل المثال ارتفعت أعداد الضحايا العراقيين بصورة عامة بنسبة 51% عن الربع السابق من العام، علاوة على ذلك ازدادت نسبة الهجمات التي تستهدف المدنيين من 11% من مجمل الهجمات في إبريل عام 2006 إلى 15% في يونيو من نفس العام.
وأشار تقرير صادر عن الأمم المتحدة في سبتمبر إلى أن 3590 مدنيا لقوا حتفهم في العراق خلال يوليو 2006 و3009 أثناء أغسطس، وبذلك يبلغ إجمالي القتلى خلال الشهرين 6599، وهو ما يمثل ارتفاعا قياسيا، تجدر الإشارة إلى أن الشهرين السابقين شهدا مقتل 6000 مدني، وفيما يخص بغداد على وجه التحديد بلغت أعداد القتلى 2884 شخصا في يوليو و2222 آخرين في أغسطس، والاحتمال الأكبر أن يكون هذا الانخفاض نتاجا لتعزيز إجراءات الأمن.
من ناحية أخرى بلغت أعداد الجرحى المدنيين من العراقيين 3780 في يوليو و4309 خلال أغسطس، وهو ما يمثل ارتفاعا بنسبة 14%، من ناحيتها ادعت المؤسسة العسكرية الأمريكية في بداية الأمر أن إجراءات الأمن الجديدة أدت إلى انخفاض بالغ في أعداد القتلى المدنيين داخل بغداد في أثناء أغسطس، إلا أنها اعترفت في وقت لاحق أن الأرقام التي أصدرتها في هذا الشأن لم تتضمن ضحايا الهجمات الكبرى، وفي حال إذا أخذ أعداد هؤلاء الضحايا في الاعتبار، يتضح أن معدل تضاؤل أعداد القتلى المدنيين بالمدينة أقل بكثير عما سبق إعلانه، بل أوضح تقرير الأمم المتحدة عدم توافر إحصاء دقيق لأعداد الضحايا خارج العاصمة؛ نظرا لوجود مصاعب أمام عملية جمع المعلومات، وهو ما يثير المزيد من الشكوك حول حجم الانخفاض الحقيقي الذي شهده معدل سقوط الضحايا المدنيين.
عمليات التعذيب والاختطاف والاختفاء
ما زال التعذيب مستشريا بالبلاد، ليس فقط على يد فرق الموت، وإنما أيضا داخل مراكز الاحتجاز الرسمية، حيث تعرض بعض المعتقلين للضرب والصعق بالكهرباء وكسر العظام، وتظهر آثار التعذيب على الجثث التي يتم العثور عليها داخل بغداد التي غالبا ما تمثل ضحايا لفرق الموت، مثل آثار التعرض للكي بمادة حمضية وكسر العظام وفقء العين وتحطيم الأسنان.
ولم تقتصر التداعيات السلبية لتفاقم أعمال العنف على الصعيد الأمني، وإنما امتدت إلى الصعيدين السياسي والاقتصادي، على سبيل المثال اعترف تقرير قدمته وزارة الخارجية الأمريكية إلى الكونجرس في يوليو عام 2006 بأن الارتفاع الأخير في أعمال العنف أعاق جهود قوات الائتلاف للتعاون مع شركاء عراقيين، كما تسببت الانقسامات وأعمال العنف الطائفي في إحباط جهود الحكومة العراقية لتحقيق مصالحة على مستوى البلاد.
بل إن جرائم الاختطاف والتهديدات التي يتعرض لها العاملون بالسفارات جعلت بعض المسئولين العراقيين يشعرون بالتردد حيال الالتقاء بنظرائهم الأمريكيين، كما أعاق غياب الأمن الاتصال بين فرق إعادة الإعمار الإقليمية وزعماء الأقاليم، وهو ما أكدته الأمم المتحدة عندما أشارت إلى أن المشكلات الأمنية تقف حائلا أمام جهود إعادة الإعمار.
تفاقم أعمال العنف الطائفي
|
|
|
الجنرال جورج كاسي يسارا فشل أمني، والسفير زلماي خليل زاده يمينا فشل سياسي
|
|
تحولت حركة التمرد السني التي اتسم بها العام 2005 بصورة متزايدة إلى صراع بين الفرق السنية والشيعية خلال العام 2006، وتركزت معظم أعمال العنف حول السيطرة على العاصمة، وهو ما أسفر بطبيعة الحال عن وقوع الغالبية العظمى من الضحايا بها، وفي الوقت ذاته وقعت أعمال عنف بين الأكراد والعرب في جميع المناطق التي تجمع بينهما بالبلاد.
أما عواقب أعمال العنف فلم تقتصر على القتل والجرح، وإنما شملت كذلك التشريد، حيث تقدر الأمم المتحدة أن قرابة 150000 عراقي فروا من ديارهم بحلول نهاية يونيو عام 2006 لعدة أسباب على رأسها التهديدات المباشرة وغير المباشرة التي تعرضوا لها أو الهجمات التي استهدفت ذويهم، ونظرا لتنافس الأفراد المشردين داخل البلاد على قدر محدود من الخدمات، فإن ذلك يحمل في طياته إمكانية تفاقم المزيد من مشاعر الكراهية الطائفية، ومن ثم المزيد من التشريد.
وقد اعترفت وزارة الدفاع الأمريكية في تقريرها للكونجرس حول الاستقرار والأمن بالعراق في أغسطس بأن أعمال العنف تخيم بظلالها السوداء على مختلف جوانب جهود تحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار، كما اعترفت بتفاقم مستوى التوتر الطائفي، وهو ما انعكس على تنامي أعداد المشردين داخل البلاد، بينما تزداد أعمال العنف الانتقامية بين المتطرفين السنة والشيعة، خاصة تنظيم "القاعدة" وعناصر مارقة من "جيش المهدي"، مع ازدياد حدة التنافس على السيطرة على المناطق التي تختلط فيها العناصر والأعراق.
إن حالة العراق اليوم قد لخصها الجنرال كاسي خلال لقاء أجرته معه وكالة آسوشيتد برس في 21 سبتمبر عام 2006، عندما تحدث عن الطبيعة المتغيرة لحركة التمرد، قائلا: "لقد بدأنا نشهد تحول الصراع الدائر هنا من حركة تمرد ضدنا إلى صراع حول تقسيم السلطات السياسية والاقتصادية بين العراقيين".
محلل سياسي وإستراتيجي، وأستاذ بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن، ومحلل شئون الأمن القومي في شبكة ABC News.
*تقرير نشر على موقع "مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية" CSIS يوم 16 أكتوبر 2006. طالع أصل التقرير.
|