English

 

الاثنين. ديسمبر. 11, 2006

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية العراقية

 
أهم الأخبار  

تقرير بيكر/ هاملتون.. وثيقة لإدانة بوش

خليل العناني

لي هاملتون يمينا جيمس بيكر يسارًا
لي هاملتون يمينا جيمس بيكر يسارًا
لم يقدم تقرير بيكر- هاملتون الصادر قبل أيام عن "مجموعة دراسة العراق" التي شُكلت قبل 9 أشهر والذي يختص بمعالجة الوضع في العراق، حلاًّ سحريًّا للأزمة العراقية، ولم يكن لأحد أن يتوقع عكس ذلك، وهو ما اعترف به القائمون على إعداد التقرير أنفسهم، وذلك على الرغم من الضجة الكبيرة التي أثارتها مداولات المجموعة طيلة الشهور القليلة الماضية. بيد أن ذلك لا ينفي الجدية التي تعاطى بها التقرير مع حقيقة المأزق الأمريكي في العراق، وسبل الخروج التي يمكن اللجوء إليها، إذا ما رغبت الإدارة الأمريكية في ذلك.

رؤية جريئة و"جديدة"

يعكس الحجم الكبير للتقرير (160 صفحة) مدى الاهتمام بتشخيص الوضع الراهن في العراق من مختلف زواياه، الداخلية والإقليمية والدولية، ومحاولة إبراز مدى التشابك الذي يربط بين هذه الزوايا مع بعضها البعض. ولعل أقل ما قد يقال عنه أنه يقدم تشخيصًا دقيقًا لأبعاد المأزق الأمريكي في العراق، فيما يعتبره البعض بمثابة "إعلان واقعي" عن ضرورة تغيير المسار الراهن، من أجل الخروج من هذا المأزق. في حين تتسم أفكار التقرير بالكثير من "الجرأة" التي غابت عن السياسة الخارجية الأمريكية طيلة مرحلة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.

خمس نقاط رئيسية تكشف مدى الجدية التي تعاطى بها التقرير مع الحال العراقية، أولها توجيه نقد لاذع للإستراتيجية التي تتبعها الإدارة الحالية في العراق، وقد بدت مقدمة التقرير كما لو كانت موجهة بشكل شخصي للرئيس الأمريكي جورج بوش والتي تؤكد على فشل سياسته التي اتبعها في العراق طيلة السنوات الثلاث الماضية، وأفضت إلى حال الفوضى وعدم الاستقرار التي يعيشها العراق الآن. وثانيها، التأكيد على عدم وجود حل "سحري" أو ضمانات مؤكدة لإمكانية نجاح الولايات المتحدة في العراق، بيد أن هذا لا ينفي إمكانية البحث عن مخرج "معقول" من هذا الوضع المعقد من خلال مجموعة من التوصيات التي ربما لا تروق للإدارة الأمريكية. وثالثها، الإصرار على ربط الملف العراقي بغيره من الملفات الملتهبة على الساحة العربية وفي مقدمتها الصراع العربي- الإسرائيلي. ورابعها، الإسهاب والتفصيل في العديد من القضايا التي كان يتم التعاطي معها باستخفاف من قبل مثل دمج البعثيين في الحياة السياسية، والحوار مع مختلف فصائل المقاومة العراقية، وإعادة الاعتبار للحكومة المركزية في العراق. وخامسها، طرح جميع الحلول على المائدة، وكسر التابوهات "الأيديولوجية" التي وضعها المحافظون الجدد في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر على السياسة الخارجية الأمريكية، وفي مقدمتها حتمية الحوار والتعاون مع إيران وسوريا.

إصلاح ما أفسده "بريمر"

دون الاستغراق في تناول توصيات اللجنة والتي بلغت 79 بندًا، يمكن القول بأن "روح التقرير" هيمن عليها استهداف معالجة السياسات الأمريكية الخاطئة التي جرت في العراق طيلة الأعوام الثلاثة الماضية، خصوصًا مع تولي بول بريمر مهامه في العراق كمخطط ومنفذ للسياسة الأمريكية. فمن بين 79 بندًا تنفيذيا، فإن ما يقرب من 35 بندًا تختص بإصلاح الأوضاع الخاطئة التي أحدثتها إستراتيجية بول بريمر في إدارة العراق، وأوصلته إلى الحال المأساوية الراهنة.

فمن جهة أولى يشير التقرير إلى ضرورة مراجعة الدستور العراقي من أجل تحقيق المصالحة الوطنية، "ويجب أن يتم ذلك في شكل عاجل". وهي الخطيئة العظمى التي أحدثها بول بريمر في العراق حين ضغط بقوة من أجل ترسيخ الفيدرالية كحل وحيد لإدارة العراق، وما أحدثه ذلك من "شرخ" كبير في العلاقة بين الطوائف العراقية.

ومن جهة ثانية يشترط التقرير ضرورة "إعادة البعثيين والقوميين العرب إلى الحياة الوطنية، مع "رموز" نظام صدام حسين، كضمانة لتحقيق المصالحة الوطنية المأمولة في العراق، فضلاً عن إتاحة مبادرات للعفو و"إيجاد سبل للتوفيق بين ألد الأعداء السابقين"، وذلك دون أي تدخل أمريكي لإعاقة هذه المبادرات أو إفشالها بالوسائل التشريعية والتنفيذية. وذلك في إشارة قوية على فشل سياسة "اجتثاث البعث" التي رآها بريمر وسيلة فعَّالة في الانتقام من النظام العراقي السابق، وذلك بإيعاز من بعض القيادات العراقية السابقة.

ومن جهة ثالثة، يطالب التقرير بضرورة تقاسم العائدات النفطية، وذلك من خلال الحكومة المركزية ووفق عدد السكان، وذلك في محاولة لتهدئة المخاوف السنية من عدم الحصول على حصتهم في نفط "بلادهم".

ومن جهة رابعة يشدد التقرير على ضرورة فتح حوار مع جميع أطراف المقاومة العراقية (باستثناء القاعدة بالطبع)، وذلك في إشارة قوية إلى الفشل في مواجهة حالة التمرد، ومحاولة تقليل خسائره بأي شكل.

ومن جهة أخيرة، يسعى التقرير إلى إيجاد حل "منطقي" لقضية كركوك وذلك من خلال آلية للتحكيم الدولي، وهي محاولة للتخلص من إستراتيجية "المحاصصة" الطائفية التي اتبعها بول بريمر في توزيع "الكعكة" النفطية على الفصائل العراقية، كل حسب وزنه السياسي والعددي.

العودة للجذور

ربما أفضل ما جاء به تقرير بيكر- هاملتون هو اللجوء إلى إستراتيجية "العودة للجذور"، وذلك فيما يخص معالجة الملف العراقي. وقد كان مفاجئًا للكثير أن يركز التقرير على الصراع العربي- الإسرائيلي باعتباره "الجذر الحقيقي" للأزمة الراهنة في الشرق الأوسط.

بالطبع جاء هذا التركيز كمحاولة لاختراق "البوابة السورية"، بوصفها الممر نحو تهدئة الوضع في العراق، بيد أنه لا ينفي مدى الجرأة التي تعاطى بها التقرير مع الملف الأزلي للمنطقة. والأكثر من ذلك أن تناول التقرير لملف الصراع العربي- الإسرائيلي لم يكن تقليديًّا، على نحو ما يجري عادة في مثل هذه الأحوال، ولكنه امتد كي يصل إلى المفاصل الحقيقية لهذا الصراع.

ولعل أفضل ما جاء به التقرير أنه لم يتعاطَ مع هذا الملف وفق أسلوب "القطعة" وإنما باعتباره "كتلة واحدة" لا تتجزأ، تتمثل حلقاتها الثلاث في فلسطين ولبنان وسوريا. وفي شأن الأولى حقق التقرير اختراقًا "غير مسبوق" بالعودة إلى أساسيات الحل التاريخي، اعتمادًا على مرجعية قراري مجلس الأمن 242 و338، ومبدأ الأرض مقابل السلام. ولعلها المرة الأولى منذ زمن بعيد أن يخرج تقرير أمريكي، بمثل هذه التوصية. فقد دأبت الخارجية الأمريكية، ومن يُمثلها، طيلة العقود الثلاثة الماضية، أن تتجاهل هذين القرارين، والقفز فوقهما عبر أدوات مختلفة مثل محادثات السلام (مدريد 1991)، أو عبر مبدأ "الأمن مقابل السلام"، أو مؤخرًا عبر "خريطة الطريق". كما يعيد التقرير طرح قضايا الحل النهائي إلى طاولة التفاوض، والخاصة بالحدود والمستوطنات والقدس وحق العودة ونهاية الصراع والتي ظن البعض أنها شيعت مع "خطاب الضمانات" الشهير الذي حصل عليه رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إريل شارون من الرئيس الأمريكي جورج بوش في إبريل 2004.

أما بالنسبة للثانية والثالثة، فكم كان مفاجئًا أن يعود الربط بين المسارين السوري واللبناني مجددًا في إطار أي عملية تفاوضية مع إسرائيل، بعد أن ظن كثيرون زوال مثل هذه اللغة، وانتفاءها من قاموس الدبلوماسية الأمريكية، خصوصًا بعد التوتر الشديد الذي شهدته، ولا تزال، العلاقات بين دمشق وبيروت على مدار العام ونصف العام الأخيرين. وتتمثل المفاجأة الأبرز في طرح التقرير لمسألة الجولان على طاولة التفاوض مجددًا، وهي التي تُعَدّ، وفق حسابات الأمريكيين والإسرائيليين، خارج سياق أي عملية تفاوضية مع سوريا.

تحديات لا مفر منها

لا يخرج تقرير بيكر- هاملتون عن كونه مجرد "توصيات"، لا تتسم بأية صفة إلزامية ممكنة للرئيس بوش وإدارته، وهو الذي رفض معظمها، وكذلك فعلت وزيرة خارجيته كونداليزا رايس. ويبدو أن ثمة تحديات لا مفر منها سوف تعطل فرص تطبيق توصيات هذا التقرير على أرض الواقع ليس أقلها ما يلي:

- البعد الذاتي الذي يتعاطى به الرئيس بوش مع توصيات التقرير، حيث يشير البعض إلى أن المستهدف من التقرير هو الرئيس بوش ذاته. ويبدو التقرير كما لو كان "صفعة" قوية لأفكار بوش وتوجهاته التي اتبعها في المنطقة طيلة السنوات الثلاث الماضية، ولن يكون سهلاً إقناعه بالتخلي عنها رغم فشله الذريع في تنفيذها.

- البعد الإقليمي، فعلى الرغم من الاهتمام الشديد الذي أولاه التقرير لمسألة الحوار مع إيران وسوريا، وذلك من خلال تدشين "آلية إقليمية" لتهدئة الوضع في العراق، فإنه لا توجد أية ضمانات حقيقية لنجاح مثل هذه الآلية في تحقيق أهدافها. ناهيك عن رفض الرئيس بوش ذاته التخلي عن نهج "الإقصاء" المتبع حاليًّا مع كل من سوريا وإيران وعدم اقتناعه بضرورة إشراكهما في أي آلية إقليمية. وهو الذي صرح عشية صدور التقرير بضرورة امتثال كلا البلدين للشروط الأمريكية قبل إشراكهما في أي عملية سياسية- تفاوضية تخص العراق. فلا "مفاوضات مباشرة مع إيران إلا إذا أوقفت تخصيب اليورانيوم، ولا محادثات مع سوريا إلا إذا أوقفت دعم الإرهاب" على حد تعبيره (الحياة 8-12-2006).

- البعد العراقي، ويتعلق بالرفض العلني لمختلف القوى العراقية لبعض توصيات التقرير؛ فعلى سبيل المثال يرفض الشيعة، خصوصًا تيار عبد العزيز الحكيم، أي دور إقليمي في العراق، ويرفض أي مؤتمر دولي لمناقشة الأوضاع هناك. في حين يرفض الأكراد أي حديث عن تقوية الحكومة المركزية على نحو ما أوصى به التقرير. في حين يرى السنة ألا مخرج من الوضع الراهن إلا بمؤتمر دولي على غرار ما نادى به الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان.

قد يرى البعض أن تقرير بيكر- هاملتون قد جاء متأخرًا، وكان له أن يصبح أكثر إفادة لو أنه صدر عشية سقوط بغداد، وحدد المنهج الأمريكي لإدارة العراق على نحو واقعي، بيد أنه سيظل "وثيقة" تاريخية يقاس بها مدى النجاح الأمريكي في تجاوز "الورطة" العراقية.


نائب مدير تحرير مجلة السياسة الدولية – الأهرام

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات