English

 

الثلاثاء. أغسطس. 7, 2001

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » رواق الأفكار

 
أهم الأخبار  

بعد دخول إسلاميين أحزاب المعارضة العلمانية

إسلاميو تونس بين الازدواجية والانصهار!

خالد الطراولي

Image
باريس-لقد استقبلنا مبادرة انبعاث حزب معارض جديد في تونس بكل ترحاب وأمل في مستقبل تعددي مشرق. ونحن إذ نبارك هذا المولود - من منطلقات المواطنة وحقوقها التي لا تقبل التجزئة ولا المزايدة في التجمع والتعبير والتحزب والتعدد - فإنني أودُّ أن أعرج على مسألة أحسست بخطورتها وأهميتها على المسار التعدّدي في تونس، وعلى وحدة وإشعاع المشروع الإسلامي، وبقائه بديلاً سياسيًّا وحضاريًّا للبلاد التونسية، ورقمًا فعالاً ونشطًا لتكريس التعدُّد السياسي والتنوع الفكري والأيديولوجي، داخل ديمقراطية البناء والتداول.

فقد تبين لي - وأنا أتصفح القائمة الأولى المنشورة للمنتمين للحزب الجديد "المؤتمر من أجل الجمهورية" - وجود تنوع أيديولوجي ومرجعيات مختلفة، وحتى متنافرة بين أصحابها، وخاصة وجود أكثر من خمسة أعضاء ذوي ميول وأطروحات إسلامية محسوبين على التيار الإسلامي. وهذا جعلني أتساءل عن السبب والغاية من وراء هذا المسعى، فهل هذا نذير للتفسخ والاستقالة وبداية النهاية للمشروع الإسلامي السياسي؟ أم هو فلتة عابرة لمجموعة آثرت العمل السياسي خارج الإطار الإسلامي لعدم توافر هذا الفضاء لديها؟ أم هو تكتيك يمثِّل نافذة لتقريب الطرح الإسلامي - ولو باقتضاب - لدى الرأي العام وأطراف المجتمع المدني؟

إشكاليات خطيرة

إن ما وقع من انخراط للإسلاميين داخل أطر أحزاب المعارضة غير الإسلامية يملي الملاحظات التالية:

1) تشتُّت الطاقات الإسلامية وخلوصها اليائس إلى نتيجة مرعبة، وهي أن المشروع الإسلامي - بعزوفه عن البُعْد السياسي في طرحه (تكتيكيًّا أو إستراتيجيًّا) - أصبح عنصرًا غير فاعل، في غيبة مبهمة جعلت أفراده يبحثون عن ممارسة هذا البُعْد الإنساني والوطني في التعبير عنه من خلال تجمعات سياسية منافسة.

وهي خيبة لمستها من خلال حديث مباشر مع بعضهم، وعَجْز المشروع الإسلامي عن أن يستوعب قدراتهم المتفجرة، وهو ما يزيد قوائم الطاقات المعطلة والغائبة والمغيبة والمهمَّشة والواقفة على الأعراف التي يحفل بها المشروع الإسلامي.

وهذه المشكلة إن صحَّت، فإن خطورتها تبدو كبيرة على تماسك المشروع ووحدته، وقوة طرحه، وجدية تمكُّنه وتمكينه، خاصة إذا علمنا أن هذه الطاقات رفيعة المستوى وذات تخصصات هامة وضرورية لحياة المشروع.

2) إنّ ما وقع في حزب "المؤتمر من أجل الجمهورية" من دخول هذه المجموعة الإسلامية إليه، لا يبدو أمرًا محدودًا وشاذًّا، بل يُعتقد أنه حالة عامة أصابت الجسم الإسلامي التونسي، وأصبحت تنخر أطرافه، وتحدث نزيفًا داخليًّا خطيرًا، خاصة بعد التحاق مجموعة بـ "الحزب التقدمي الديمقراطي".

وهذا الاستنزاف إن تواصل فهو يمثل تهديدًا مباشرًا لوجود مشروع إسلامي متعدد الأبعاد، وضرب لمبدئية تواجد الديني والدنيوي في الطرح الإسلامي، فهل يصبح المشروع الإسلامي دعويًّا ثقافيًّا، ويصبح الإسلام مجرد دعوة فردية ليس لها أي همّ سياسي وحضاري لبلادها؟

3) وحتى إن سلّمنا بتكتيك هذه المواقف – لأنه كما يدعي بعضهم أن الإسلام السياسي لن يُترك مرتاح البال، وأن أطرافًا داخلية وخارجية لن تسمح له أبدًا بالتمكين – فإن من الشهامة والرصانة التعامل بصدق ووضوح مع شعبنا في تونس، ومع مؤسسات المجتمع المدني من معارضة وغيرها، وأن الغاية لم ولن تبرِّر الوسيلة في ثوابتنا، وأن تاريخ الأمة وحاضرها لم يشهدا مثل هذه الاجتهادات، حتى التجربة الإسلامية في تركيا لم تتبنَّ هذا الطرح، رغم الضغط العلماني والتعسف العسكري.

4) إن ما حدث من انخراط للإسلاميين في صفوف المعارضة العلمانية، يؤكد في الحقيقة غلبة تصوّر داخل المشروع الإسلامي تبنَّته منذ مدة بعض الأطراف، أشهرها ما طرحه الأستاذ "صالح كركر" في كتابه "الحركة الإسلامية وإشكالية النهضة"، أو على صفحات جريدة الحياة اللندنية، والذي يتبنّى فيه - حسب فهمنا - استقالة السياسي من منظور حزبي، والدعوة إلى دخول الإسلاميين إلى الأحزاب "العلمانية"، والمشاركة في أنشطتها.

وهذا المسعى يؤكد على أن المشروع الإسلامي قد دخل في نفق مظلم ليس له نهاية، سوى رمي المنديل بعد حين، ومغادرة الحلبة غير مأسوف عليه، وأن ما عجزت عنه عمليات الاستئصال والتشتيت والتركيع قابل للحدوث؛ لتغييب المشروع الإسلامي على الساحة التونسية كمشروع حضاري بديل ومتكامل.

5) إن علمانية الحزب الجديد لا تخفى، وهي حقه المشروع في التعبير وفي تبنِّي ما يشاء. لكن كيف يُعقل للإسلاميين التواجد في هذا التنظيم دون المساس بمرجعيتهم؟ كيف لهم أن يجيبوا عن التعارض الحاصل لا محالة بين ثوابتهم ومبادئهم – التي لا أشك في إيمانهم بها – ومرجعيتهم الدينية، وما سيطرحه الحزب الجديد من برامج وأطروحات تنبع من مرجعيته الفكرية والأيديولوجية؟ مثال ذلك: المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة – هل المواريث مغيّبة عن هذا الحديث؟ - ومثل التعارض القائم بين اقتصاد ربوي محسوم عند أغلبية الأطراف، وآخر منشود عند طرف وحيد وقائم على مسلك استهلاكي وإنتاجي واستثماري غير ربوي، ومن خلاف بين تحريم الخمور في البلاد وقبوله كحق ثابت تتمثل فيه حرية الفرد في الاستهلاك والشرب والملبس... إلخ.

6) هل طُرحت شرعية الولاء إلى طرف يحمل مرجعية مخالفة؟ هل ما وقع يدخل في فضاء اجتهادي يحمل الخطأ والصواب؟ أم فضاء عقائدي لا يتحمل إلا الحلال والحرام؟

أنا عاجز عن الإجابة؛ لأني لا أملك أدواتها، لكنها تملي التوقف عليها ومناشدة أصحابها تبيان ممارستهم، ولأهل الاختصاص الإدلاء بمعارفهم بعيدًا عن الوصاية والتكفير والتجهيل ومحاكم التفتيش!.

7) كيف يمكن للإسلاميين التواجد في حزبين اثنين؟ أم إنهم سيعلنون استقالتهم من الحركة الأم؟ ويصبحون بالتالي في الضفة المقابلة منافسين لمشروع إسلامي له تصوراته ومرجعيته، ولعلهم مناهضون له في أطروحاته، ويدافعون عن مسلك آخر يطرحه حزبهم، ولا بد من تبنِّيه؛ لأنه رأي المؤسسة ورأي الأغلبية. هل سيعيشون ازدواجية الولاء والمرجعية والذات، أم إنهم سينصهرون قلبًا وقالبًا داخل إطارهم الجديد؟

8) إن دخول الإسلاميين إلى أحزاب المعارضة يبدو مربحًا لهذه الأخيرة، فهي ورقة مثمرة تمثل اعترافًا منها بأهمية الطرح الإسلامي، وتجاوب شعبنا في تونس معه، وإحساسها ببوادر عودة مبكرة للشارع، وخاصة الشباب منه إلى الإسلام الفطري؛ متمثلاً خاصة في ظاهرتي ارتداء الحجاب وارتياد المساجد، رغم التعتيم والاستئصال الذي صال وجال طيلة أكثر من عقد.

الشارع التونسي يفضِّل النسخة على الأصل

ولقد فهمت أحزاب المعارضة المعادلة وفقهت قواعدها، وعلمت أن نجاحها المستقبلي مبنيّ على اكتساب ودّ هذا الزخم الجماهيري للظاهرة الإسلامية، بالتلويح من هنا وهناك ببعض المفاهيم والشعارات الإسلامية، مثل: الحديث عن الهوية العربية الإسلامية للبلاد، أو الرجوع إلى بعض سير الصالحين وروَّاد الأمة، مثلما فعله الدكتور المرزوقي منذ أيام في حديثه عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه). فهل تفضل الجماهير النسخ المطروحة وتتجنب الأصل؟ هذا إذا كان هذا الأصل موجودًا وواعيًا بدوره، وبصلاحية طرحه وفلاح سعيه.

إن هذا المُعطَى الجماهيري - الذي تنبهت إليه المعارضة في تونس وسعت إلى توظيفه - يبدو أن الحركة الإسلامية، بكل مشاربها وباختلاف رؤاها، قد غفلت عنه أو استضعفته وهمَّشته. وهو يمثل في الحقيقة اهتزاز الثقة في النفس، ومحدودية البدائل والأطروحات، المؤدية عاجلاً أو آجلاً إلى تخلِّي أعضائها والانسياب نحو المجهول؛ بحثًا عن الفعل والتأثير والممارسة، ولو كان على حساب تاريخها!


خالد الطراولي أستاذ بمعهد الدراسات الإسلامية

 

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات