|
الصراع العربي الصهيوني صراع تلعب فيه الأيديولوجية والصور المجازية دورًا كبيرًا، وفلسطين بالنسبة لنا لها دلالات دينية كثيرة، وهي بلد يقع في منتصف العالم العربي، ومن يستولي عليه يقوم بتقسيم وطننا العربي إلى نصفين. وقد حوَّل الصهاينة فلسطين إلى إرتس يسرائيل (أرض إسرائيل) أو صهيون، وأعادوا تفسير تواريخ الجماعات اليهودية بحيث أصبحت تعبيرًا دائمًا عن الرغبة في العودة إلى المركز، أي فلسطين/ إرتس يسرائيل.
لهذا السبب نجد أن الصهاينة قد أحاطوا فلسطين بدخان كثيف من الأساطير (صدقَّه بعضنا)، فقد أشاروا إلى فلسطين باعتبارها أرضًا بلا شعب سيجمع الصهاينة فيه اليهود البؤساء المشردين في بقاع الأرض (شعب بلا أرض) وقد أشاروا إلى وطننا العربي باعتباره "الشرق الأوسط" ثم "المنطقة" وحسب، أي أن فلسطين مجرد أرض (يمكن للصهاينة شراؤها وإخلاء سكانها) والشرق العربي منطقة يمكن للجيوش الصهيونية أن تصول وتجول فيها دفاعًا عن "أمنها" و"حقوقها".
وقد تُرْجِمَت هذه الرؤية إلى عدة صور مجازية: فالدولة الصهيونية تارة "حائط في آسيا لحماية أوروبا" و"حصن منيع للحضارة الغربية في وجه الهمجية" (عبء الرجل الأبيض الصهيوني!)، وهي تارة أخرى "الحارس الغربي في المنطقة"، وفي لحظات الصدق تستخدم صورة "كلب الحراسة: رأسه في واشنطن وذيله في القدس"، أي أنه كلب حراسة لا عقل له، أو أن عقله في واشنطن، فهي التي تفكر، وهي التي تَمُدُّ الكلب بالحياة، أما ذيله التنفيذي فهو هنا في وسطنا في عالمنا العربي، وبالطبع هناك الصور المجازية الأكثر وضوحًا مثل "إسرائيل باعتبارها حاملة طائرات". وقد صاحب هذا مجموعة من الصور المجازية الأخرى مثل جيش إسرائيل باعتباره الذراع الطويلة التي تصل إلى أي مكان، والقوة الباطشة الأسطورية التي لا تُقْهَر، والصهيوني باعتباره المقاتل الشرس الذي لا يُهْزَم، والذي يدافع عن أرضه بشراسة. ويلاحظ أن كل الصور المجازية هنا تُسْقِط الآخر العربي باعتباره وجودًا يتحدى الوجود الصهيوني، وتُسقط عنصر الزمان والتاريخ باعتبارهما المجال الذي يُعَبِّر فيه هذا الآخر العربي عن نفسه.
إنكار الزمان
وإنكار الزمان هو إحدى سمات العقل الصهيوني الذي يُحَوِّل الزمان (حيث يتحرك الإنسان ويحقق الإنسان إنسانيته أو يجهضها وحيث يمارس حريته وإرادته) إلى مكان مُصْمَت. والزمان بالنسبة للعربي هو الحيِّز الذي يمكنه أن ينهض فيه ويحرر أرضه ونفسه. ولذا فالعقل الصهيوني يمقت الزمان ويُؤْثِر أن يتحرك في المكان، ومع نكسة عام 1967م تدعم هذا الاتجاه تمامًا، فأعلن الصهاينة أنهم وصلوا "للحدود" الآمنة، والحدود الدائمة، وأنهم سيمكثون هناك إلى أن يقوم العرب بالتسليم، وكان خط بارليف هو بلورة لهذا الموقف، وأيَّدَهم العالم الغربي في موقفهم هذا، فقد أحسوا أن الزمن قد قُتِل، وأن التاريخ العربي والصراع العربي الإسرائيلي قد وصلا إلى نهايتهما!.
ولكن يأتي الانتصار في جنوب لبنان؛ ليؤكد للعدو أننا لسنا أمواتًا، وأن تاريخنا لم يَنْتَهِ، وأن الحياة تدب في أرواحنا، وأن روح المقاومة تسري فينا، وأن إمكانية هزيمة الآلة العسكرية الاستخبارية الإسرائيلية (التي تساندها آلة الولايات المتحدة والغرب) إمكانية حقيقية.
أسطورة خلق الحقائق
ومن الأساطير الأساسية الأولى التي صدَّقَها الإسرائيليون والتي ورثوها من ترسانة الأفكار الإمبريالية الغربية، هي الإيمان بأن القوة قادرة على تحقيق أي شيء، فالعالم - في نهاية الأمر - يشبه الغابة، وقد ترجم هذا نفسه إلى ما سمَّاه موشيه ديان "خلق الحقائق"، أي أن تغتصب الأرض بالقوة وبمضي الوقت يصبح الاغتصاب حقيقة قائمة على الجميع الاعتراف بها والتعامل معها، هكذا فعلوا في فلسطين بأسرها، وفي مناطق أخرى من العالم العربي.
والتوسعية الصهيونية هي إحدى تبديات مفهوم العالم كغابة هذا، والقوة كآلية وحيدة لحسم الصراع؛ ولذا – مع وجود الآلة العسكرية الصهيونية لم يمتد الوطن "القومي" من النيل إلى الفرات (كما صرح الحاخام فيشمان عضو الوكالة اليهودية في أربعينيات القرن الماضي). وما بين أوري افنيري أن ما يحرك الصهاينة ليس الدافع العقائدي، وإنما موازين القوى وحسب؛ ولذا فالتوسع الصهيوني لم يتوقف ما دام هناك فراغ بسبب الغياب العربي، وقد تمدد الصهاينة وتوسعوا ليملأوا الفراغ في جنوب لبنان وليخلقوا حقائق صلبة جديدة فيه.
هكذا ظنوا، فحزب الله بَيَّن أنه لا يوجد فراغ في جنوب لبنان، وإنما يوجد جسد وروح ويوجد إرادة وعزيمة ورغبة في الاستشهاد في سبيل الله والوطن؛ ولذا بدلاً من التوسعية الصهيونية، هانحن نرى الانكماشية الصهيونية، والانسحاب المذل. وبدلاً من أمريكا الممسكة بكل أوراق اللعبة، قالت إحدى الصحف الإسرائيلية (مستخدمة نفس الصورة المجازية) لقد كسب حزب الله كل الأوراق".
أسطورتا ماسادا ويهودي البروتوكولات
ولا شك في أن الانكماشية الصهيونية ستترك جرحًا غائرًا في الوجدان الصهيوني المتمترس حول المكان والذي صدق أكذوبة أنه قوة لا تُقْهَر. وقد ترجم هذا الوهم الإسرائيلي نفسه إلى أسطورة ماسادا. و"ماسادا" كلمة أرامية تعني "القلعة"، وكانت توجد بها حامية رومانية هاجمها بعض المتمردين اليهود عام 66 ميلادية إبَّان التمرد اليهودي ضد الإمبراطورية الرومانية، واستولوا عليها بدلاً من الاستسلام والوقوع أسرى في أيدي الرومان آثر اليهود ممارسة انتحار جماعي، وقد ثبت كذب هذه "القصة"، ومع هذا تقوم أجهزة الإعلام الإسرائيلي بمحاصرة العقلية الإسرائيلية واليهودية بأسطورة ماسادا، ففي كل عام يقيم بعض أسلحة الجيش الإسرائيلي احتفالات ترديد يمين الولاء على قمة القلعة ويقسمون في نهايته بأن ماسادا لن تقسط ثانية.
وقد أضفنا نحن من عندنا أسطورة يهودي البروتوكولات، وهو شيطان قادر على تحريك العالم بأسره، وزرع الفساد في ربوعه وإسقاط الحكومات وتوجيهها حسبما يريد، والسيطرة على الإعلام وحركة رؤوس الأموال، ولنلاحظ أنه إذا كان اليهودي بهذه القوة فلا يوجد ما نفعله سوى الاستسلام، أو الفرار؛ لأن الحرب ضد مثل هذا الشيطان هو من قبيل الانتحار! فكل من البروتوكولات (المعادية لليهود) وماسادا (الصهيونية) يتفقان في عدم جدوى الجهاد وضرورة الاستسلام.
ولكن الشواهد حولنا تبين أن الأمر جَدُّ مختلف، وأننا آثرنا الهزيمة بدلاً من الجهاد. ولنأخذ أسطورة ماسادا التي يراد منا تصديقها. لم يقف التاريخ عام 1967م بل استمر، فطوَّر الإنسان العربي نفسه وتحرك عام 1973م فتساقط خط بارليف، فهو لم يكن حائطًا منيعًا ضد التخلف الشرقي (كما ادعى هرتزل)، بل كان مليئًا بالثقوب مثل قطعة الجبن (كما قال ديان). ومن المعروف أن القوات الإسرائيلية التي حوصرت في خط بارليف عام 1973م، استسلمت بطريقة عملية ورشيدة للغاية على مسمع ومرأى الصليب الأحمر الدولي والتليفزيون المصري، وفي أحد هذه المواقع، سأل الجنود قيادتهم بتهكم إن كان المطلوب هو القتال حتى الموت لإقامة ماسادا ثانية، فأتاهم الرد بالاستسلام على أن يبتسموا أمام عدسات التليفزيون المصري.
وأثناء الانتفاضة لم يتحدث أحد عن ماسادا وإنما تحدثوا عن الطائرة المروحية، وما هي حكاية الطائرة المروحية هذه ؟ يقول شارون إنه إن لم يصمد الإسرائيليون فستأتي الطائرات المروحية وسيستقلها الإسرائيليون من على سطح السفارة الأمريكية كما حدث في حرب فيتنام عند انسحاب القوات الأمريكية. وقد كتب أحد الشعراء الإسرائيليين (حاييم حيفر) آنذاك قصيدة بعنوان سنرحل جميعًا إلى أمريكا. تبدأ القصيدة بالتصويت في الكنيست على الخروج الأخير؛ ولذا " فلنرحل إلى أمريكا الآن/ فلقد لَمْلَمْنا حقائبنا وأمانينا". ويتدافع الجميع دون نظام ("ولا تتزاحموا… لكلٍّ مكانه/ عفوًا لا تضغطوا هكذا")، لقد حَزَّمَت حكومتنا حقائب الرحيل لأمريكا، ويتصور رئيس الوزراء عملية الخروج السريع هذه وهو يجلس في مقعده في الطائرة "ويروق له المقام/ يعلن أن لا مكان للباقين" هنا، فلسان حاله وحال وزرائه هو "نحن ومن بعدنا الطوفان"، إن الصورة السائدة هنا عكس صورة البطل في ماسادا الذي يهلك مع رفاقه:
وبسرعة أخذت الطائرة… تطير
أما الدولة..
فقد هجرت..
وحيدة.. تركت.. إسرائيل
تركت بقية الشعب رغم "أننا جميعًا.. في الرحيل إليها.. راغبون".
بعيدًا عن ماسادا المتهالكة، بعيدًا عن صهيون التي اشتعلت فيها النيران، إلى الولايات المتحدة الوطن القومي الآمن وربما الحقيقي.
وقد انتحر عدد من الجنود الإسرائيليين في جنوب لبنان ولم يكن انتحارهم تعبيرًا عن الإصرار في الدفاع عن "أماكنهم"، وإنما كان احتجاجًا على حرب لا معنى لها من وجهة نظرهم، كما لوحظ تصاعد ظاهرة الفرار من الخدمة العسكرية، إن أسطورة ماسادا، شأنها شأن الأساطير الأخرى مثل المقاتل الصهيوني الشرس واليهودي الشيطان الذي يُسَيِّر العالم، هي مجرد أكاذيب تهدف إلى تنشيط الهمة الإسرائيلية وإشاعة عقلية الهزيمة العربية.
ورغم تقويض الأسطورة عدة مرات، ورغم عبور 1973م وانتفاضة الثمانينيات، إلا أن العدو بطبيعة تكوينه كعنصر استيطاني إحلالي دخيل لا يمكنه أن يتخلى عن إنكار للزمان والتاريخ؛ ولذا ظل متمترسًا في نظرية الأمن الإسرائيلي المُؤَسَّسَة على فكرة المكان؛ ولذا تقدمت الجيوش الإسرائيلية الغازية واحتلت جنوب لبنان وطوَّرت خط بارليف إلى الحزام الأمني وهو المكان الذي يقيمون فيه مع بعض العناصر العملية (كما فعل الأمريكيون في فيتنام). ولكنهم هاهم يفرون كما فعلوا من قبل، وعليهم أن يعيدوا النظر في نظرية الأمن الإسرائيلية المكانية، وفي أساطيرهم مثل أسطورة ماسادا وأرض بلا شعب والمنطقة الجغرافية اللاتاريخية والمقاتل الصهيوني الشرس... إلخ.
ما بعد الانسحاب
وعلينا نحن أن نستوعب درس الانتصار في جنوب لبنان، وأن ندرك أن الاستسلام المُذِلَّ ليس هو نهاية المطاف وليس حلاًّ للمشكلة على الإطلاق. فالإسرائيليون يتصورون أنهم بانسحابهم سيحققون عدة أشياء من بينها طرح صورة إيجابية عن أنفسهم باعتبارهم جماعة متحضرة تمتثل لقرارات هيئة الأمم المتحدة (بعد مرور 22 عامًا!)، ولكن الأهم من هذا لن يتخلَّى الصهاينة عن حلمهم بتقسيم المنطقة إلى دويلات إثنية وعرقية متناحرة، تصبح إسرائيل في وسطها بمثابة المركز والحكم والقائد. ولبنان في التصور الصهيوني هي الدولة المرشحة لذلك أكثر من غيرها؛ ولذا يتصور الصهاينة أنهم بانسحابهم يزرعون الفرقة وبذور الخلاف بين أبناء الشعب اللبناني.
وقد قال الجنرال الإسرائيلي شاؤول موفاز، حينما أخبره أحد الصحفيين الأمريكيين أن الأمر قد انتهى (نهاية التاريخ وسيادة المكان واللازمان مرة أخرى) "عمَّ تتحدث؟ انتهى؟ هذا وضع جديد ولنرى ماذا سيحدث ؟"، ونحن بوسعنا أن نقرر ماذا سيحدث فباب الاجتهاد والجهاد مفتوح لمن يريد أن يَلِجَه، كما أن وَحْلَ الاستكانة والهزيمة موجود لمن يريد أن يغوص فيه، والنصر من عند الله سبحانه وتعالى، ولكنه لا يُغَيِّر ما بقوم حتى يُغَيِّروا ما بأنفسهم، والله أعلم.
مفكر عربي متخصص في الشئون الإسرائيلية وأستاذ جامعي.
|