|
بون- في التعامل مع السياسات الغربية - انطلاقا من منظور قضية كقضية فلسطين أو قضية العراق أو حتى قضية التخلف والتقدم - لا يصلح ولا يفيد السعي للحصول على ما يوصف بمواقف "معتدلة أو حيادية أو نزيهة " أو ما شابه من هذه النعوت. فالمواقف تظهر لنا بوضوح أنّها " جائرة ومنحازة وعدائية " إلى غير ذلك من النعوت التي تصف تلك السياسة الغربية المرفوضة بمنظور قضايانا ومقاييس تقويمنا للمواقف السياسية. ولنعلم جيداً أنّ هذا الرفض مستمر ومتكرّر منذ زمن طويل ، وأنّ السياسة الغربية مستمرّة أيضا على ما كانت عليه منذ زمن طويل؛ ربّما اختلفت في هذا وذاك من الأشكال والقوالب ، ولكن لم يختلف المضمون والجوهر .
تابع في هذا المقال:
التمنيات لا تبدّل وجهة القرار الغربي
من أسباب الإخفاق في سعينا لتبديل مضامين القرار السياسي الغربي تجاه قضايانا ، الوقوع في أخطاء ترتبط بالهدف ، حتى أصبحت السياسات الغربية "المرجوّة " مرجّوةً غالبا بأسلوب نسج الأوهام. ومن الأمثلة على التمنيات المرتبطة بذلك:
1- احتمال تأثير مشاهد مأساوية للتضحيات الكبرى -كما في الانتفاضة الفلسطينية أو قصف القرى الشيشانية مثلاً - على صناعة القرار السياسي في دولة غربية وصانعيه ..
2- الاعتقاد بإمكانية أن تتحوّل الجاليات والأقليات والمتجنّسون من المسلمين في بلد غربي - كالولايات المتحدة الأمريكية - إلى وحدة متجانسة تمارس ضغوطا سياسية أو مالية .. بينما إذا نظرنا إلى الواقع فسنجد أن البلدان الإسلامية - ذات العلاقة بالقضايا المعنية - تتجنّب ممارسة الضغوط أو المواجهة ، ولا تحقق "وحدة متجانسة". وقد يكون بعضها مع السياسة الأمريكية ضد بعضها الآخر في القضية المعنية بتمنّي الضغوط ؛ هذا علاوة على حاجة تلك الجاليات والأقليات والمتجنّسون إلى الدعم في قضايا كثيرة ، وهذا ما لا يجدونه من جانب البلدان الإسلامية ..
3- الحديث المتكرر عن جولات حوار ، وحملات إعلامية وغير إعلامية ، لتحويل وجهة سير الإعلام والرأي العام الغربي في اتجاه الضغوط على السياسات الرسمية لصالح ما نراه مواقف قويمة تجاه قضايانا ، أو من أجل إيجاد "ثورة" في الرأي العام الغربي ضدّ السياسات الرسمية ، شبيهة بما يُستشهد به من نماذج ، لا سيما عن فترة الحرب الأمريكية في فييتنام ..
ونستطيع القول: إن جميع ما ذُكر في هذه الأمثلة وما يشابهه يمكن أن يكون من قبيل "نشاطات " إضافية ، تجب ممارستها على هامش صناعة الحدث، وقد تساهم –جزئيا فقط- في التأثير على الأجواء العامّة لصياغة القرار؛ ولكنّها لا يمكن أن تصبح – في المستقبل المنظور على الأقل – عنصراً فاعلاً من عناصر صياغة القرار .
ثم إنّ العامل المشترك الكامن وراء تلك التمنيات - كما تذكرها الأمثلة - هو " التأثير على صناعة القرار الغربي من داخل تركيبة المجتمع والبنية السياسية في دوله "، علماً بأنّ هذه التركيبة وتلك البنية هي التي تُفرز حاليا مواقف مرفوضة. ويعني ذلك أن التمنيات تتطلع إلى وقوع حدث معين في وقت قصير ، وهو من قبيل التحوّلات الاجتماعية والسياسية الجذرية، التي يدور محورها حول طبيعة تكوين الفرد الغربي ، وطريقة تفكيره ، ونوعية ثقافته ومستوى معرفته بمعلومات أساسية عن قضايا خارج حدود بلده ، ثم مدى مواكبته للحدث ، والأولويات التي يعطيها في تفاعله معها ، فضلا عن غلبة الفكر أو العاطفة أو المصلحة المادية المحضة على تكوين نظرته وموقفه .. كما يشمل ذلك الهدف واقعيا إحداثَ تحوّل في طبيعة تكوين الشبكات المالية والاجتماعية والفكرية الكامنة من وراء الشبكات الإعلامية وشبكات صناعة الفكر وإنتاج الثقافة والتأثير على الرأي العام في الغرب .
باختصار، إنّه من العبث أو التضليل لفت الأنظار عن ضرورة صناعة القرار الفعّال داخل حدود بلادنا إلى ما هو خارج تلك الحدود ، لا سيّما وأنّ المطلوب هناك أقرب إلى "مهمّة أجيال " . ونحن لا نستهين بضرورة التحرّك على محاور تلك المهمة ، ولا ندعو إلى التخلّي عن أدائها ؛ ولكن يكفي وضعها في موضعها كعوامل مساعدة في إطار المساعي المتكاملة لتحقيق أهداف واضحة ، دون الربط بين ما لا يمكن الوصول إليه من خلالها إلاّ بعد فترة زمنية طويلة ، وبين ما نريده الآن من " قرار " يؤثّر على تطورات تجري ، وسياسات تنفذ .
"حسابات باردة" لصناعة القرار
ومن أسباب الإخفاق في سعينا لتبديل مضامين القرار السياسي الغربي تجاه قضايانا ، الوقوع في أخطاء ترتبط بالانطلاق من معطيات وهمية لتحقيق هدف هو في الأصل هدف سليم.
من ذلك مثلا أنّنا - مقابل الإلحاح في المطالبة بمواقف نزيهة وعادلة وحيادية - نجد الساسة الغربيين لا يكادون يستخدمون هذه الكلمات في وصف مضمون قراراتهم ومواقفهم تجاه قضايانا وبلادنا. وعند التأمّل في استخدامها في بعض التصريحات والمؤتمرات الصحفية والبيانات الرسمية ، نجد سريعا أن ذلك الاستخدام لا يخرج عن حدود تأمين " الإخراج المناسب " للقرار الذي سبق اتخاذه وفق معايير أخرى . ولا يأتي هذا الإخراج اعتباطا ، بل نتيجة إدراك صاحب القرار الغربي ، أنّها هي الأوصاف الموضوعة في مقدّمة ما يدور عنه الحديث في البلدان المعنية بذلك القرار. وبالتالي يستخدمها الغربيون لتسويق القرار، ولو كان مضمونه لا يبيح وصفه بها. فأصبحت النزاهة كلمة ، والحياد كلمة .. دون مضامين .
سبب آخر يرتبط بالسبب الأول، حيث يظهر من خلال كثرة استخدام هذه الأوصاف في بلادنا؛ الرغبة في أن تستجيب صناعة القرار الغربي – في مثل قضايا فلسطين والشاشان وكشمير - إلى تأثير عوامل معروفة ومُغيّبة ، مثل " الضمير العالمي" و" القيم الأخلاقية " و" ثوابت الشرعية الدولية " و " حقوق الإنسان " .
بعيدا عن تلك النعوت وتلك المعايير إذن ، وبمنظور السياسة الواقعية ومعايير حساباتها الباردة ، نرى أنّ صناعة القرار في دولة غربية أو مجموعة دولية غربية ، قائمة على عدد من المحاور المتداخلة مع بعضها والمتفاوتة التأثير على حسب القضية المطروحة والظروف الآنية لها ، ومن تلك المحاور :
1- هل ينسجم القرار مع موازين السياسة الداخلية ، بين الأحزاب ، وبين الناخبين والمسؤولين، وغير ذلك .. أو لا ينسجم. وهنا يمكن التأثير بعد فترة من الزمن ، إذا بدأ الآن السعي لذلك بصورة جادة ومتواصلة .
2- هل يخدم القرار " حصيلة " تقاطع المصالح المالية والاقتصادية للدولة المعنية ، داخليا وخارجيا .. أو لا يخدم ، وهنا يمكن التأثير عند مواضع تقاطع تلك المصالح ، التي يمرّ معظمها في بلادنا ، ولا سيما في ميادين الاستثمار ، والخبراء ، والتجارة ، والمعاملات النقدية، والمواد الخام والطاقة ..
3- هل يمكن أن يترتب على القرار ونتائجه الإيجابية المطلوبة في العلاقات مع الجهات المعنية به ، إضرار أكبر في العلاقات مع جهات أخرى من الدول أو المجموعات الدولية .. أو لا يترتب ، وهذا ما لا يتحقق التأثير عليه إلاّ بمقدار ما يسبقه من تخطيط مدروس وتتوفر له من معلومات دقيقة.
تكفي نظرة هادئة على هذه الأمثلة للتأكيد أنّ القرار الغربي - سيّان هل يتعلّق بقضية حقوق إنسانية تُنتهك ، أو قضية عدالة تاريخية لا تخفى على أحد حقائقها ، أو ما شابه ذلك ، أم لم يتعلّق - إنّما هو حصيلة تفاعل جملة من العوامل الداخلية والخارجية .
إن التأثير على السياسات الغربية في قضايانا لا يتم عن طريق بيانات أو مواقف " تكشف " انحيازا أو تلوّح بازدواجية أو تعبّر عن غضب ، بل يتمّ التأثير عليها بأساليب التأثير العملية ، أي في ميادين المعاملات المالية والاسـتثمارية والاقتصادية والتجارية. ونحن نعلم أنّنا أصبحنا نطلق أشـدّ البيانات والمواقف والاحتجاجات .. جنبا إلى جنب مع مشاركتنا بأنفسنا في العمل على بقاء تلك " الميادين " للتأثير الحقيقي ، كما هي ساحة مفتوحة للتأثير من طرف واحد في غير صالح قضايانا! 
بين ثوابت الصناعة ومتغيّرات الصياغة
أمر آخر يحتاج إليه صانع القرار في قضايا بلادنا العربية والإسلامية في التعامل مع صانع القرار في البلدان الغربية، وهو الفارق –الشاسع أحيانا- بين مضمون القرار وصياغته التطبيقية . والمضمون هو الأهمّ بطبيعة الحال؛ فلو كان ينطوي مثلا على مقاطعة بلد عربي ، فإن صياغة ذلك تقوم عبر تعليلات تعني بالشرعية الدولية تارة، وتتحدّث عن مصالح دول كبرى أو عن مصالح دول إقليمية تارة، وتختار عبارات عدائية للبلد أو للنظام القائم فيه وزعم التقرّب إلى الشعب تارة .. جميع ذلك لا يغيّر أنّ المقاطعة مقاطعة ، وأنّ لها آثارا على الحكم والشعب والسياسة والاقتصاد وسائر ما يرتبط بالتقدّم والتخلّف .. فالمضمون هو العنصر الحاسم بطبيعة الحال ، أمّا الصياغة فتوضع من أجل إخراج القرار حسب المعطيات ذات التأثير من المنطقة المعنية به ، والقضية التي يعالجها. فمقاطعة العراق مثلا، يمكن أن تتضمّن تعليلات مرضية لإيران ، لو كانت إيران على علاقة جيدة مع صانعي قرار المقاطعة ؛ وقد تتضمّن تحذيرا مزدوجا من " مخاطر إيران مع العراق" على " جيرانهما " على صعيد التسلّح كما حدث في فترة حرب الخليج الثانية؛ و"مخاطر " إيران فقط .. كما حدث في فترة حرب الخليج الأولى.
وهذا الإخراج – بهدف تحقيق الغرض المطلوب على صعيد "تسويق القرار " فحسب – يحرص غالبا على اختيار جزء أو أجزاء من القرار أو الموقف؛ فيتم التركيز عليها في التصريحات والمؤتمرات الصحفية وما شابه ذلك ، مع تغييب أجزاء أخرى قد تكون هي الحاسمة وهي الأهم .
ويغني التفصيل في هذا الجانب ، عن التفصيل في جوانب أخرى ، للوصول إلى عدد من الاعتبارات الأساسية التي ينبغي وضعها في الحسبان في عملية تقويم القرار الغربي ومحاولة التأثير على صناعته ، وفي مقدّمتها :
-
لا يكفي النظر في المعلن رسميا ، ولا الاهتمام بالعوامل الظاهرية والآنية المؤقتة المؤثرة على القرار ، دون أن يقترن بالنظر في عوامل أهمّ ، غير معلنة بصورة مباشرة أو لا يظهر مفعولها في نطاق مجرى الأحداث الآني ..
-
لا تنفصل السياسة الوطنية أو القومية لأي دولة غربية -خاصة في الحقبة التاريخية الراهنة - عن حقيقة كونها في الوقت نفسه جزءا من مجمل السياسة الأوروبية ، أو السياسة الأطلسية ، أو السياسة الغربية " الجماعية المشتركة "، أو على أكثر من مستوى من هذه المستويات معا. فلا غنى عن الرؤية الشمولية مع الرؤية القطرية للقرار ..
-
يقوم كل قرار غربي ، تنبثق عنه إجراءات وخطوات ومواقف وقرارات جزئية، على عنصرين:
العنصر الأول : ثوابت التوجّهات السياسية العامة .
والعنصر الثاني : الظروف الآنية ذات العلاقة بموضوع القرار.
-
المقصود بثوابت التوجّهات السياسية الوطنية أو القومية ضمن الإطار الغربي الأوسع: هو مضمون العناصر الفعلية ذات التأثير على امتداد حقبة زمنية تاريخية معيّنة ، سواء تردّد ذكرها أم لم يتردّد عند اتخاذ قرار ما أو تعليله ؛ مثل عنصر الصراع بين الشرق والغرب أثناء الحرب الباردة ، وليس المقصود بتلك الثوابت بعض الجوانب التفصيلية التي يأتي ذكرها على حسب المناسبات .
-
هذه الثوابت في التوجهات السياسية هي العناصر ذات التأثير الأكبر والأعمق على صناعة القرار من حيث مضمونه ، بغض النظر عن مواقف التعبير عنه ، والتي يمكن أن تتبدّل وتتغير شكليا على حسب الظروف والمعطيات الآنية ..
-
إن الموقف السياسي المعلن في قضية ما ، مثل موقف دولة كألمانيا من أحداث جارية في الساحة الفلسطينية ، هو حصيلة التقدير الذاتي ، الوطني أو القومي ، المطلوب من هذا الموقف وفق المعايير:
-
ثوابت التوجّهات السياسية التي تصنع العمود الفقري للمفعول المطلوب من الموقف بحيث لا يصطدم معها ولا يتجاوزها ..
-
الظروف والمعطيات الآنية التي تعطي الموقف " شكل إخراجه "المناسب .. بهدف أن يقع التأثير المطلوب منه فعلا؛ فإن تعارض الشكل بمعنى الصياغة والإخراج مع الثوابت ، كانت " التضحية " على حساب الشكل بقدر الضرورة، وليس على حساب المضمون .. 
"المصالح" أنواع ودرجات
في هذا الإطار العام لرؤية عوامل صناعة القرار الغربي وصياغته ، يمكن أن نضع تعبير " المصالح " الذي شاع استخدامه بأسلوب التعليل أحيانا ، وبغرض التبرير أحيانا ، وذلك بما يخدم السياسات الغربية نفسها ، أي تلك التي يُحكم عليها بالازدواجية والانحياز وغير ذلك من أوصاف .
وأساليب التعليل والتبرير ، هي التي تجعل استخدام تعبير " المصالح " لا يراعي - عمدا أو غفلة - عنصرين أساسيين في تقويم المصالح المعنية وتقويم تأثيرها؛ وبالتالي قابلية إدراجها كعنصر في صناعة الحدث والقرار ، وهما : الاختلاف النوعي لتلك المصالح ..، واختلاف العنصر الزمني في تقدير استمراريتها ..
أ- الاختلاف النوعي للمصالح:
إنّ مصالح أي دولة غربية متعدّدة متنوّعة؛ ولا تمثل المصالح المادية والمالية والاقتصادية سوى الجانب الأبرز للعيان منها ، وهي تشمل فيما تشمل ما يوصف بالمصالح الأمنية مثلا. ولم يعد غائبا عن الأنظار في هذه الأثناء وجود مصالح أبعد مدى يمكن وصفها بالمصالح "الحضارية " ، وهذه هي الحاضنة للمصالح الغربية الأخرى عموما .
وإذا كانت المصالح المادية والأمنية لا تحتاج إلى كبير عناء لإدراكها، فإن الأبعد مدى من هذه " المصالح " هو ذلك النوع الذي نسمّيه المصالح " الحضارية " في صناعة القرار الغربي؛ وقد بدأ يظهر تأثيره على اتخاذ القرار في إطار السياسة الواقعية ومعطيات الظروف الآنية فيها ، وليس في نطاق " القرارات الاستراتيجية البعيدة المدى " فحسب .
وقد ظهر بعض ملامح هذا الجانب للعيان من خلال ما طُرح عقب سقوط الشيوعية؛ فحمل عناوين معروفة مثل صراع الحضارات ، ونهاية التاريخ ، وعناوين أخرى أقل وضوحا مثل "البديل الديمقراطي الوحيد عالميا " ، ناهيك عن شعارات غوغائية وتحريضية من قبيل "الإسلام هو العدوّ البديل " . والأهم من الطرح النظري هو التأكيد أنّ جميع ذلك دون استثناء قد عبّر عن نفسه وما يزال يعبّر في شكل إجراءات عملية ..
-
بدءا بتعديل صياغة المهام العسكرية والأمنية ..
-
مرورا بتشكيل فرق التدخل السريع ..
-
وانتهاء بما يعنيه توظيف العولمة لتحقيق الهيمنة في مختلف الميادين الاستثمارية والعلمية والتقنية وغيرها ..
من هذه الصور التطبيقية للمصالح " الحضارية " ما ترك آثاره داخل نطاق الغرب غير المتجانس إلاّ في تعامله الخارجي مع سواه. وقد عبّر عن نفسه في مواقف عملية ، كالموقف الفرنسي ثقافيا ضدّ هجمة العولمة الثقافية الأمريكية . على أنّ هذا التمايز لا يحول دون التقاء الحصيلة في بوتقة واحدة ، تمثل الأرضية الحضارية "الغربية " المشتركة التي يراد لها ، بأساليب العولمة وغيرها ، أن تكون هي الأرضية الحضارية " البشرية " المشتركة . ورغم كثرة الحديث عن حقوق إنسانية ، وحريات ديمقراطية ، وما شابه ذلك ، فلن يكون بعد انتشار النموذج الغربي على هذا النحو - إذا انتشر - ما يضير ذلك النموذج بسبب وجود مهيمن ومقهور ، وتابع ومتبوع ، ومستفيد ومتضرّر. فغاية النموذج الغربي ومقاصده الكبرى تعتبر وجود تلك الفوارق من " المتطلبات الحضارية ". فلا يخفى مثلاً، كيف يجري تعليل البطالة بأنّها من حتميات التقدّم الصناعي والثورة التقنية ، أو تعليل انتشار الجريمة بصورة مشابهة ، وعدم طرح ذلك للنقاش أصلا ، حيث أنه من " بديهيات النموذج الحضاري الغربي " .
إنّ استيعاب موقع الأرضية الحضارية الغربية - كعنصر أساسي يجمع المصالح الغربية الأخرى عموما - شرط أولّي لاستيعاب مفعول " المصالح " المادية والأمنية وسواها من المصالح ذات التأثير المرئي مباشرة ، والمعلن رسميا في كثير من الأحيان؛ كما أنّه شرط أولى لتقدير أسباب الموقف الغربي السلبي أو المعادي لقضايا غلبت على نظرتنا إليها معايير العدالة ، والشرعية ، والإنسانية ، وما إلى ذلك .
ب- الاختلاف الزمني للمصالح:
ينبغي التمييز بين المصالح من ناحية "الثبات والتقلّب". فإذا صحّ استيعاب نوعية المصالح المؤثّرة فعلا على صناعة القرار ، وجب البحث عن السبيل الأفضل للتعامل معه:
-
تقدير ما مدى ثبات تلك المصالح ، وبالتالي تقدير صعوبة إلغاء القرار المنبثق عنها أو تعديله ..
-
أو ما مدى تقلّب تلك المصالح وفق الظروف الآنية والعوامل الخارجية ، وبالتالي ترجيح إمكانية التأثير السريع عليها ..
وفي الحالتين، لا غنى عن تحديد ما ينبغي صنعه في مرحلة صياغة القرار؛ فهذا هو الأصل في التعامل الدولي ، إضافة إلى المساعي الهادفة لدفع أصحاب القرار إلى إعادة النظر فيه إذا صدر فعلا ، ممّا يتطلّب عادة جهدا أكبر ولا يضمن نتيجة إيجابية إلا نادرا .
ومن الجدير بالذكر أنّ المصالح الثابتة المشار إليها لا تتبدّل بسهولة ، بل إنّ منها ما لا يتبدّل إلاّ نتيجة وقوع هزّة سياسية أو تحوّل تاريخي كحجم الانهيار الشيوعي في الشرق مثلا . وهنا لا يُسـتغرب على هذا الصعيد –كمثال توضيحي- أن مجموعات دولية كحلف شمال الأطلسي ، ودولا رئيسية مثل ألمانيا وفرنسا والاتحاد الروسي ، قد حرّكت بعد ذلك التحوّل التاريخي إلى صياغة جديدة لأبعاد "أهدافها الاستراتيجية"، وذلك من المنطلق الوطني أو القومي. وبعض ذلك ما يشتهر عادة تحت عنوان "الكتاب الأبيض" باسم وزارات الدفاع ، أو المنطلق الجماعي ، وهو ما اتخذ في حلف شمال الأطلسي مثل وصف "إعادة صياغة المهام"، وفي نطاق الاتحاد الأوروبي عنوان "التميّز الأمني" .
وإذا كانت صناعة القرار الغربي مقيّدة بخطوط حمراء من صنع الثوابت السياسية ، فإن مجال الحركة الباقي ليس بسيطا ولا محدودا حيث أنه المجال الخاضع للمتغيّرات باستمرار. ومن ذلك عوامل متغيّرة داخلية، يمكن التأثير عليها من داخل المجتمع الغربي ، وعوامل أخرى تصنعها التطوّرات والأحداث والمواقف خارج الحدود ، وهي المرتكز الأول الذي يجب اعتماده للتأثير على صناعة القرار الغربي. 
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|