|
يؤشر السلوك السياسي لحركة "فتح"، وبالأدق قيادات فتح، لجهة ما يتصل بالعملية الانتخابية إلى العديد من الدلالات المقلقة والمخاطر المحدقة التي يسندها الواقع المعيش.
يشهد على ذلك حالة الانفلات الأمني غير المسبوق والذي بلغ ذروته في اليوم الأخير من عام 2005 تحت رعاية السلطة الوطنية ومراكز القوى المتصارعة داخل "فتح"، ويؤكدها أيضا المواقف السياسية المعلنة وغير المعلنة من قبل المتنفذين الفتحاويين كتلك الضغوط التي تمارس على الرئيس أبو مازن لإصدار مرسوم رئاسي بتأجيل الانتخابات التشريعية القادمة، ناهيك عن تعويم موعد انعقاد المؤتمر العام السادس لحركة فتح من قبل، واتخاذ قرار غريب بتأجيل موعد انعقاده إلى ما بعد الانتخابات التشريعية، واعتماد "البرايمرز" بدلا منه رغم خطورة خطوة كهذه على البنية التنظيمية لحركة لم تعتد الانتخابات الداخلية.
أولى هذه الدلالات أن خصوصية الحالة السياسية الفلسطينية التي تعاني وطأة سياسة استعمارية استيطانية عنصرية لم تحصنها من الإصابة بالعلل والأمراض ذاتها التي أصابت مثيلاتها العربية إلى حد سيادة منطق "الزعرنة العسكرية" الذي يتسيد الآن الساحة الفلسطينية بهدف خلق ظروف ضاغطة لتأجيل الاستحقاق الانتخابي القريب.
وثانيها أن الوطن ومصالحه لم يعد أولا أو حاضرا في القمة والصدارة، وأن شبح حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وهاجس فوزها خلط الأوراق والحسابات الفتحاوية بحيث بدت خدمة القضية والشعب الفلسطيني وكأنها اختزلت في سياقات تنظيمية فصائلية ضيقة، بل إن الانتخابات تحولت في عرف المتنفذين الفتحاويين إلى قضية شخصية لإثبات أهليتهم من عدمها ليخوضوا الانتخابات على أساس: نكون أو لا نكون!.. ما يعني في التحليل الأخير أن قيادات "فتح" ومن ثم قيادات السلطة ليست مؤهلة بعد لاستيعاب أبعاد ومضامين الحراك الديمقراطي الفلسطيني أو الاعتراف بحقيقة التحولات على الخارطة السياسية الداخلية.
وثالثها أن حال السيطرة والاستئثار الفتحاوي بالامتيازات وتفرده بالمصالح، قد تحول لمركب نفسي أساسي لدى الكثير من قيادات "فتح"؛ ما يجعل أمر تنحيتهم عن التفرد بالزمام، والاضطرار للشراكة مع غيرهم بالغ الصعوبة، ودونه كثير من العقبات والإشكاليات.
أزمة ممتدة
لم يكن إيقاع الاستنفار الأمني المتبادل بين فريقي الصراع في جوف حركة فتح مفاجئا بل له تراكماته العميقة التي تعود إلى لحظة الخروج من لبنان عام 1983. فقد تعززت الروح المركزية للحركة، ليصطدم نهج المركز القيادي المثقل باعتبارات الإنابة الثورية والمحاصصة بنهج القاعدة الشعبية التي ترغب في الاحتكام للقواعد الديمقراطية عقب مرحلة انتقال المركز القيادي إلى أرض الوطن لحظة نشأة السلطة الوطنية عام 1993.
ما أفرزه صراع النهجين أفضى إلى تنازع حاد بشأن الإدارة القيادية ووسائل الحكم. فأصحاب النهج الثاني طالبوا قبيل انتخابات عام 1996 على استحياء بتطبيق مبادئ الديمقراطية داخل الحركة ومنها إجراء "البرايمرز"، لكن الفريق الآخر أدار الانتخابات بمفرده، ربما نظرا لوجود عرفات الذي كان إطارا مرجعيا للحركة. بيد أن الإفرازات السلبية لتجربة السلطة الفلسطينية وغياب عرفات قد كشفت عن ضعف عميق لهيكلية الحركة وانضباطها التنظيمي، سيما أن قيادات الحرس القديم لم تعمل على إحداث نوع من الحراك الطبيعي داخل الحركة واكتفت بالتمترس حول مصالحها الشخصية وانتهجت سياسة ترحيل الأزمات أملا في إطالة أمد بقائها واستفرادها بمقدرات الواقع الفتحاوي.
وأمام هذا الواقع، إضافة إلى إصرار الشباب الفتحاوي على اتباع نهج ديمقراطي، لم تجد "مركزية فتح" مفرًّا من الإقرار بمبدأ "البرايمرز" كحل وسط لمطلب "قاعدة" فتح بعقد المؤتمر العام السادس للحركة، رغم أن الحركة لم تعتد الاحتكام إلى الانتخابات وما تقرره القواعد التنظيمية.
البرايمرز.. الخطأ المركب
فكرة الانتخابات التمهيدية "البرايمرز" تراجعت عنها أحزاب تاريخية في ديمقراطيات باتت مستقرة. ذلك أنها لم تعد تحدث إلا بعد الاكتتاب لحركة سياسية أو عند حدوث هزة عنيفة للنظام الحزبي أو العمل الديمقراطي قد تعرضه للخطر، واستبدلت بذلك العودة إلى مؤتمر الحزب أو هيئات أخرى موسعة. والبرايمرز في حالة "فتح" التي هي حركة تحرر وطني تتيح الفرصة لطمس حدود الحركة واختلاطها بالعشيرة على المستوى المحلي حيث يلجأ كل مرشح إلى تجييش ما يستطيع من مكتتبين منتسبين موسميين للحركة، لا علاقة لهم بنهجها وخطها العام لكي يقوى نفوذه داخلها.
البرايمرز في حالة فتح كانت خطأ مركبا ومجازفة غير مأمونة العواقب، فرغم أنها خيار ديمقراطي في النهاية، فإن هذه الانتخابات تمت في ظل حياة تنظيمية داخلية مشلولة منذ 11 عاما. ولم يكن من المعقول أن تتجاوز "فتح" البديهيات وتحرق المراحل، وتقفز إلى القمة فجأة دون مقدمات، أو مراحل تمهيدية تراعي التدرج، وجسر الفجوات الهائلة التي حفرتها أخطاء ومثالب الماضي، دون مراعاة واقع الحركة وتعقيداتها وصراعاتها المحتدمة وأزماتها المتنوعة، ما بين أزمة بنيوية، وأزمة الهوية والدور، وأزمة صراع الأجيال.
من ثم أدى اللجوء إلى خيارات حاسمة في مفاصل تاريخية أساسية، دون ترتيبات إصلاحية جوهرية، إلى تغذية نوازع الانتقام والإقصاء، وإلى مزيد من الانقسام والتشرذم. فالانتخابات سهلت اختراق الحركة بمشاركة آلاف لا يحملون عضويتها وليسوا من أبنائها في ضوء الافتقار إلى ترتيبات فنية رصينة تتضمن معايير دقيقة لغربلة عضويات العناصر والأفراد، ورفض أبناء الحركة أن يتساوى في الاقتراع المنتسب الجديد مع المخضرم. ومن ثم كان العنف والشغب والانقلاب على صندوق الاقتراع هو سيد الموقف، حتى إن انتخابات البرايمرز لم تكتمل في كل الدوائر.
وبدلا من أن تشكل البرايمرز رافعة للحركة ولملمة لصفوفها، فإنها جسدت أمراضا مزمنة للحركة على مدار عقدين، زادت وطأة بالبحث عن المصالح الشخصية وسيادة عقلية الارتزاق والقفز بأشخاص لا يصلحون أعضاء بالمجلس التشريعي، بل إن خلافات "الفتحاويين" ظهرت أمام الشارع الفلسطيني بأنها صراع على الأدوار والمكاسب وليس حول "رؤى سياسية" أو مشاريع إستراتيجية أو حتى تكتيكية لإنهاء الاحتلال، أو حتى لإصلاح الوضع داخل فتح أو السلطة؛ ما يعني ضعف موقف في مواجهة صعود حماس الملحوظ.
مأزق الحركة قد تضاعف أيضا مع تبعثر النهج النضالي وعدم طرح صياغة إستراتيجية نضالية ضد إسرائيل في انتخاباتها الداخلية، وهذا سير عكس المزاج الشعبي الفلسطيني العام الذي أكدت اتجاهات التصويت لديه في المحطات الانتخابية السابقة أن "الشرعية النضالية" ما زالت سيدة الموقف حتى على حساب ما يمكن تسميته بـ"الشرعية المهنية والأكاديمية". وربما كان هذا أمرا طبيعيا لشعب لا يزال يعيش حالة نضال وتحرر وطني ضد الاحتلال.
تكتيك التأجيل ومنطق ترحيل الأزمة
في ضوء تلك الظروف الدقيقة التي أحاطت بالبرايمرز وما تمخضت عنه من نتائج وحقائق مهمة، أصبح في شبه المؤكد أن "فتح" التي كانت منذ العام 1969 هي الحزب القائد، ثم أصبحت منذ العام 1994 الحزب القائد والحاكم، لن تكون كذلك بعد الانتخابات التشريعية القادمة 2006. ستكون ولا شك حزبا مهما لكن ليس بالضرورة الحاكم أو القائد، مهما حاولت عكس ذلك من انتهاج تكتيكات انتخابية تتمثل في توحيد لائحتيها في الانتخابات التشريعية؛ فالأزمة لن تحل لكنها ستؤجل لما بعد الانتخابات.
والمثير في المشهد الفتحاوي أن يكون تأجيل الانتخابات التشريعية هدفا للمتنفذين بالحركة وتكتيكا آخر لتأجيل الأزمة. غريب أن يكون هذا هدفا مشتركا لإسرائيل، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوربي، وكذلك لأطراف إقليمية عربية خاصة الأردن ومصر، لا تخفي تعاطفها مع فتح والسلطة، ناهيك عن المتنفذين من فتح الذين انعدمت أمامهم الخيارات بالاستمرار، سواء في القوائم أو الدوائر الانتخابية بعد الاتفاق الأخير على إخراج كل أعضاء اللجنة المركزية، والوزراء، وأعضاء المجلس الثوري، والمجلس التشريعي، من قائمة فتح.
وحيث إنه ليس بمقدور أحد من هذه الأطراف أن يتحمل وزر تعطيل أو منع إجراء الانتخابات، بما فيها إسرائيل -من خلال مسألة القدس التي ما زالت عالقة رسميا وهي غير ذلك على الصعيد الميداني- وحيث أيضا لا يمكن للرئيس أبو مازن أن يتحمل مسئولية استصدار المرسوم الرئاسي بذلك ما لم تجمع القوى المتنافسة على الطلب منه ذلك صراحة، وليس فقط بعض الأوساط الرسمية أو بعض الشخصيات في فتح مهما كانت مؤثرة، فإن "عدم ضمانة" إجراء الانتخابات على الصعيد الميداني، بدا خيارا مفضلا لدى كل هذه الأطراف، وبشكل أكثر إلحاحا لدى بعض مراكز القوى داخل فتح، ومن ثم تم الإيعاز بـ"زعرنة" و"بلطجية" السلطة لتأكيد حالة الفوضى والفلتان، بما يعني عمليا الذهاب إلى مغامرة غير مضمونة النتائج والعواقب.
فما يجري الآن في غزة من قطع للطرق وإغلاقها، وإطلاق للرصاص وترويع المواطنين، وحرق الإطارات المطاطية في الشوارع، واقتحام المقرات الانتخابية، والمؤسسات الوطنية، والتهديد جهارًا نهارًا أمام الفضائيات بمنع الانتخابات إن لم تؤجل، ثم اختلاق حوادث مشينة من عمليات اختطاف للمتضامنين مع الشعب الفلسطيني من كل أنحاء العالم، باتت تنافس مثيلاتها في العراق وأفغانستان، ليس هذا انفلاتا أمنيا وفقط، كما يحلو البعض أن يسميه، وليس بعمل عبثي هدفه "العنف والتخريب"، وإنما انفلات أمني رسمي، وبأمر من أعلى المستويات بهدف إعلان حالة من "الطوارئ" في المناطق الفلسطينية، ومن ثم إيجاد المبررات لتأجيل الانتخابات.
والشاهد أن حالة الفوضى والغليان الأمني لم تبدأ في صفوف الفصائل الإسلامية والقومية المعارضة، وإنما في حركة فتح "الحزب الحاكم" وبالتحديد بعد انفجار صراع الأجنحة داخلها. وتكمن معضلة "فتح" اليوم في تحطم بنيتها التنظيمية من خلال توزيعها على "القبائل الأمنية" والمركزية داخل الحركة، بحيث بات لكل مسئول متنفذ مجموعة من العسكريين الذين يفرضون رأيهم تارة على الشارع العام، وأخرى على التنظيم، وثالثة على السلطة نفسها، وأصبح لهؤلاء المتنفذين إقطاعيات ومصادر دخل كبيرة ينفقونها على ميليشياتهم الخاصة متى وكيفما يريدون، فإذا لم يدرج اسم أحد هؤلاء المتنفذين على قوائم الانتخابات؛ فهو جاهز لأن يطلق "زعرانة" العسكريين، كي تمارس دورها في إرباك الشارع الفلسطيني وتعطيل المرافق العامة.
كذلك فإن أجهزة السلطة الأمنية هي المسئول الأول عن هذه الظاهرة واستفحالها؛ فهي التي أسست فرق الموت، وهي التي اخترقت القانون عندما تسترت على عمليات اغتيال كثيرة وقعت ولم يتم التحقيق فيها حتى الآن، وطالت شخصيات عامة مثل "هشام مكي" رئيس الإذاعة والتليفزيون، وخليل الزين أحد مستشاري الرئيس عرفات، وآخرين من أمثال اللواء موسى عرفات، بل إن حالة الفوضى هذه اتخذت شكلا رسميا صريحا بواقعة إغلاق معبر رفح مؤخرا من قبل الشرطة الفلسطينية (بلغوا حوالي 100 فرد) احتجاجا على مقتل زميل لهم في مشكلة خارج المعبر، وطرد بعثة المراقبة الأوربية.
إن أي مقارنة بسيطة بين نهج الاستئساد والحزم المبالغ فيه أحيانا من قبل السلطة الفلسطينية ووزير داخليتها "نصر يوسف" في مواجهة مقاتلي كتائب عز الدين القسام عقب خروج القوات الإسرائيلية من غزة مباشرة، وبين حالة الضعف وعدم الحضور والعجز من قبل السلطة ذاتها تجاه ما يجري الآن في غزة، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن قيادة السلطة و"مركزية فتح" ليس لديها النية أو الإرادة أو الرغبة في ترتيب الأوضاع الداخلية وتوفير الضمانة الميدانية لإجراء الانتخابات؛ لأنها ليست بمستوى تضحيات الشعب الفلسطيني؛ لذلك لا يمكن أن تقبل تلك القيادة بثقافة الديمقراطية أو تعزيزها.
خلاصة القول إذن، وعلى عكس ما توحي به عملية بدء الحملة الانتخابية في الأراضي الفلسطينية، فإن وقائع الأيام الأخيرة تعزز من احتمالات تعليق تلك الانتخابات إلى أجل غير مسمى، خاصة بعد أن بدأت عمليات التمهيد لذلك على لسان رئيس السلطة "أبو مازن" الذي صرح يوم 2 يناير 2006 -بعد يوم واحد من اجتماع مركزية فتح- أنه سيرجئ الانتخابات إذا منعت إسرائيل ناخبي القدس الشرقية من التصويت، أو تدهورت الحالة الأمنية.
ولا شك أن عدم إجراء الانتخابات في موعدها، خصوصا لأسباب فلسطينية من شأنه أن يقوض ما تبقى من شرعية ومصداقية السلطة وحزبها الحاكم "فتح"، وقد يعرضهما للانهيار والتشظي، ويجر الساحة الفلسطينية نحو فتنة داخلية وربما كارثة وطنية.
باحث متخصص في الشئون الفلسطينية.
|