|
| مؤيدو حركة حماس يحتفلون بفوز الحركة الكبير فى الانتخابات التشريعية
|
مر عام بأكمله على قرار حماس بالانغماس في صلب النظام الفلسطيني بشقيه، منظمة التحرير والسلطة الوطنية. وصار هذا التوجه حقيقة مائلة، أبرز تجلياتها الجهوزية الفائقة لانتخابات المجلس التشريعي للسلطة ثم المشاركة القوية فيها وأخيرا فوزها بما يزيد عن 50% من مقاعد المجلس، بل دخولها على خط تشكيل الحكومة الفلسطينية المقبلة بعد أن قدمت الحكومة الحالية استقالتها وقول رئيس الوزراء أحمد قريع: إن على حماس تشكيل الحكومة الجديدة.
بين صدور القرار وفوز حماس واقعيا، لم ينقطع سيل التساؤلات عن مغزى هذه الخطوة، أسبابها وأهدافها القريبة والبعيدة، الباطنة والمعلنة، وتداعياتها على جوهر الحركة وخطابها الداخلي والخارجي، وكذا بالنسبة لطبيعة النظام الفلسطيني وتوجهاته على كافة الصعد ولا سيما إزاء آفاق الصراع مع إسرائيل، تفاوضا وتسوية سلمية أم ممانعة وديمومة للمقاومة المسلحة أم كليهما معا.
كأن خطوة حماس والحال كذلك ألقت بضعة أحجار حركت بها بالتزامن والتوازي أكثر من بركة طال العهد برتابتها وخمولها. حدث ذلك وما زالت أصداؤه تتوالى على صعد قوى النظام الفلسطيني المدنية والسياسية وفي طليعتها الحزب الحاكم "فتح"، وهو ما يصدق تماما بالنسبة للأطراف المعنية بأحوال ومآلات هذا النظام ومساراته وميوله وخياراته: إسرائيل والولايات المتحدة والدول العربية والأوربية على المستويين القومي والجماعي، والأطر الأوسع ذات الصلة بعملية التسوية كالرباعية الدولية.
والحق أن تدافع هؤلاء بحثا عن إجابات نهائية لأسئلة لا حصر لها تخص حماس، بل وعدم انتظار بعضهم لردودها وتطوعهم العاجل بعروض من لدنهم للإجابات التي يأملون في صدورها عنها، انتقل بحماس من سياق التأثير المحلي إلى مرتبة القوة المؤثرة إقليميا وربما أيضا عالميا. لا نقول ذلك من باب السخرية فقط؛ إذ إن كل شاردة وواردة وإشارة وبادرة ترشح عن قيادات حماس بخصوص قضية ما أو تساؤل، سرعان ما تمسي خبرا سيارا في اتجاهات الدنيا الأربعة. الأمر الذي تستتبعه تعليقات وشروح وأحيانا مواقف وتهديدات ووعيد بالضغوط بالقدر ذاته من الاهتمام والسرعة.
ارتباك أم مراوغة محسوبة؟
هذا التركيز المدهش على استكناه وتشوف ما يجول بأجندة حماس، ما ظهر منها وما خفي، وهي مشرفة على المشاركة الفاعلة في تدبر السياسة وصناعة القرار الفلسطيني، ربما كان سبب ارتباكها وعدم اتساق إجاباتها ومواقف قيادييها تجاه عدد من القضايا والاستفهامات. ويمكن تلمس هذا الوضع، عند استعراض هذه الإجابات والمواقف بمنهجية المقارنة والقياس بين التصريحات المنسوبة إلى رموز الحركة ومتحدثيها، ومن ذلك بلا حصر: ما يتعلق بحدود الاعتراف بإسرائيل، واحتمالات التفاوض معها بشكل مباشر أو عبر أطراف ثالثة، ومعنى دخول سلطة فلسطينية نشأت في الأصل عن اتفاق أوسلو وتوابعه مهما تذرعت حماس بغير ذلك. والكيفية التي يمكن بها التوفيق بين امتشاق السلاح واستخدامه في كنف سلطة لم تعد المقاومة العنيفة على أجندتها وتدعو إلى وحدة القرار ووحدة السلاح، فضلا عن مدى القبول بتشكيل حكومة السلطة بكل القيود والضغوط الملقاة على الحركة التي اكتسحت أغلبية نيابية تؤهلها لهذا الإجراء.
ويحق الاعتقاد في وجود عدم التناغم وفضفاضية إجابات حماس فيما يخص الكثير من هموم الداخل الفلسطيني وشواغله الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
نقول قد يكون طرق الجميع لأبواب حماس بإلحاح تحريا لمواقفها، ومعرفة الثابت منها والمتحول والقابل للثبات والتحول بالنسبة لعشرات القضايا الداخلية والخارجية، مدعاة لهذا الارتباك وربما التعارض والتلعثم، لكن هذا التفسير لا يكفي وحده لتفهم هذه الظاهرة.. أقله لأن حماس حركة ممأسسة بشكل ممتاز ولها مواثيقها وأطرها التشاورية التي لا بد أنها تحسبت لمثل هذه الأسئلة وأعدت عدتها للاشتباك مع أصحابها والتناظر المعمق حولها. وعليه، ينبغي النظر في تفسيرات أكثر اقترابا من حقل التدبر السياسي الواعي.
عملا بهذا المنظور، لماذا لا يصح النظر إلى أننا بصدد ارتباك ومراوغة مقصودين لهدف استيعاب ردود أفعال مباغتة المشاركة السياسية والتأمل في الخطوات التالية؟ ولماذا نستبعد أن حماس، كحركة تنطوي على قدر من البرجماتية التكتيكية، تنتظر التعرف على مقامها ومكانتها في المؤسسة التشريعية بشكل دقيق، لتحدد هذه الخطوات؟. وقد تكون حماس قد أعدت حديثها الحقيقي لكل حادث (أو موقع نيابي) وأرجأت الإفصاح عنه إلى مرحلة ما بعد الانتخابات. قبل ذلك وبعده، لم يفترض المعنيون الكثيرون بسياسات حماس أنه يتعين عليها كشف كل أوراقها ونياتها مسبقا. وهل من الحكمة السياسية في مناخ محيط شديد التعقيد، وربما التربص، كالذي تتحرك حماس في رحابه، أن تبادر تحت الإلحاح والضغط المكثف إلى إجابات وطرح مواقف يحتمل أن تقع في أسرها لاحقا، وتحجب عنها خصائص المناورة.
لقد سبق لحركة فتح أن فقدت بعض عناصر وميزات المساومة التفاوضية حين استهلت دروب التفاوض من سقوف منخفضة، فلِمَ لا نتصور أن حماس قد وعت هذه الموعظة؟ ولماذا لا نتصور أيضا أن المواقف والإجابات المرنة التي يلقيها بعض أوساط حماس ومسئوليها، تستبطن أو تتوخى تهدئة مخاوف الكثيرين من اقتحامها العاصف لقلب السياسة الفلسطينية، وهي الحركة المراد نبذها وطي صفحتها بأي شكل، لا سيما من جانب قوى دولية مهيبة ومؤثرة في مسار الصراع الإسرائيلي العربي؟. إن استشعار الحركة بأنها مستهدفة من هذه القوى، إلى جانب محازبيها وأنصار خياراتها على المستوى الإقليمي، ربما دفعها إلى العمل على تخفيف حدة هذا الاستهداف ومحاولة تبريد خواطر القائمين به أو حتى شق صفوفهم أو تحقيق اختراقات في بيئاتهم الداخلية.
من مؤشرات التحول
لا نعتقد عموما بأن حركة ذات مرجعية عقيدية دينية صلبة كحماس، يسهل عليها الانتقال الانقلابي إلى ماض شأنه زلزلة هذه المرجعية والانفلات غير المحسوب من قواعدها. ولن يكون يسيرا أن تبلغ برجماتية حماس طور التخلي عما دأبت على وصفه بالثوابت تجاه أهدافها ووسائلها النضالية. فذلك إن حدث، فسوف ينال من شعبيتها وصورتها في المخيال الفلسطيني بالذات. غير أن في سلوكيات هذه الحركة ما يشي بقدرتها على إتيان السياسة العملية بدون خسائر جسيمة في هذه الشعبية أو إبداء الابتعاد عن ثوابتها السياسية بفجاجة. ومن ذلك على سبيل النمذجة والتذكير:
* إغماد السلاح دون التخلي عن أنماط المقاومة المسلحة أو الانصياع لمبدأ نزع السلاح كليا، تحت شعار "التهدئة" ومنح فرصة لخيار التفاوض والمفاوضين.
* القبول شبه الواقعي بإسرائيل عبر التجاوب مع وطرح فكرة "الهدنة" طويلة الأجل. وكان مؤسس الحركة وزعيمها الراحل "أحمد ياسين" قد أعلن ذلك قبل زهاء عشر سنوات. فلا جديد فارقا بالنسبة لإعلان بعض قادة حماس راهنا إمكانية التفاوض مع إسرائيل عبر أطراف ثالثة. ولكن الحركة تميز هذا الموقف عن قضية الاعتراف القانوني بإسرائيل، ما يجنبها وصمة التخلي عن واحد من أغر ثوابتها!.
* الإفصاح عن التعاطي مع دولة فلسطينية مستقلة في حدود 1967، بدون التخلي عن حلم "دولة من النهر إلى البحر" وهو ما ينفي عنها جدلا صفة الإغراق في اللاممكن والمستحيل وعدم النظر إلى معطيات القضية الوطنية المنظورة راهنا.
* التعامل مع أبرز نتائج اتفاق أوسلو، بدخول السلطة الوطنية شريكا فاعلا، تحت شعار أن أوسلو باتت من الماضي! هذا مع أن الأرجح هو إدراك حماس أن فشل كثير من مطامح الاتفاق لا يعني زواله بالمطلق، وإلا فما هو السند القانوني لاستثناء الضفة وغزة والقدس بالانتخابات "التشريعية" من دون بقية قطاعات الشعب الفلسطيني؟!.
* عدم الإعلان عن رفض المبادرات العربية للتسوية مع إسرائيل، وكذا التواصل مع الدول العربية المعاهِدة لإسرائيل، ورفض الانجرار إلى مهاجمة أهداف إسرائيلية خارج فلسطين التاريخية. وفي ذلك ما يتعارض مع المفهوم الشائع عن دوجمائية حماس كحركة دينية مصمتة لا تتفهم قضية تقليل الأعداء وتحييد بعضهم وطمأنة دول المحيط الإقليمي إلى أنها ليست بوادر تعقيد حياتهم، وأنه رغم كون هذه المحيط امتدادا قوميا ودينيا لفلسطين المنشودة، فإنها تكتفي بدعمه السياسي وما تيسر له من إسناد لأهدافها الوطنية.
* يلحق بالمؤشر السابق أنه لا يعرف عن حماس تواصلها مع القوى الإسلامية الموصوفة بالغلو والتطرف والإرهاب، كطالبان وبن لادن وأتباعه ومن على شاكلتهما. وهذا يدرأ عنها تكثير الأعداء إقليميا ودوليا.
حيرة الخصوم وسقف التغيير
بمثل هذه الممارسات السياسية تبدو حماس بالنسبة للبعض ولا سيما للمتربصين بها، الطامعين في رأسها، محيرة بالفعل؛ فهي من الذكاء بحيث إنها تطرح مواقف تكتيكية مرنة يصعب رفضها في الوقت الذي تحتفظ لنفسها فيه بخطوط الرجعة الإستراتيجية. وهذا مظهر للحنكة السياسية والإبحار في أجواء عاصفة وبيئات ليست مواتية.
وتنطوي هذه المقاربة على قابلية حماس لمزيد من المرونة إذا ما حصلت على أثمان عالية، تعزز بها صدقتيها الوطنية أمام محازبيها وأنصارها، وداخل النظام الفلسطيني بصفة عامة. حماس بكلمات أخرى، ليست حركة متحجرة تسعى في الرحاب الفلسطينية والإسرائيلية والعربية والدولية مغمضة العين، منغلقة العقل تجاه ما يتفاعل حولها. وهي حتما ستطلب مقابلا مجزيا لكل خطوة تخطوها على مضمار ما يسمى بالمرونة السياسية. وإذا كان خصومها من التذاكي بحيث يسعون إلى إدراجها على مضمار المرونة وفقا لتكييفاتهم وبرامجهم، مرادفين هذا التوجه بقدر عظيم من الضغوط، بما في ذلك ابتزاز القطاعات الشعبية عبر التهديد بقطع العون الاقتصادي إذا ما استمر صعود هذه الحركة وسطوع نجمها في الفضاء السياسي الفلسطيني، إذا كان هؤلاء على هذا النحو، فإن حماس أذكى، فيما تقول الشواهد، من أن تنساق إلى مضمار ثبت يقينا أن ضرره أكبر من نفعه.
فهذه الحركة تبحر في النظام الفلسطيني وفي خاطرها تجربة فتح والسلطة الوطنية على مدار عقد ونصف، وذلك بالنسبة لمسار العلاقة مع إسرائيل ومناصريها وبالنسبة لأنماط التعامل مع ناس الضفة وغزة والقدس. غير أن هذه الحركة عليها توقع واستشراف احتمال تعرضها للبلل في أثناء هذه الرحلة. فممارسة السياسة خارج النظام غيرها من داخله وطبقا لكثير من قواعده وقوانينه وقيمه. ومع ذلك فإن بعض مخاوف خصوم حماس تتأتى من الاعتقاد بأن وصولها إلى مكانة معتبرة تشريعيا، ربما أطمعها في تغيير هذه القواعد والقوانين عوضا عن الانصياع لها والعمل بهديها!. فعندئذ يمسي الجميع بصدد نظام آخر غير الذي عهدوا تقاليده لأكثر من عشر سنوات. وهذا بنظرهم، وموضوعيا أيضا، سيكون بمثابة انقلاب دستوري فلسطيني بالغ الانعطاف والحساسية.
وتقديرنا أن هذا التخوف بالذات هو المسئول عن إعلان إسرائيل أنها لن تفاوض حكومة فلسطينية تشكلها أو تشارك فيها حماس. وتسعى إسرائيل إلى عولمة هذا الموقف كتهديد عام بما ينتظر التسوية الفلسطينية من جمود وغموض بعد أن أدركت أن الفلسطينيين سوف يساعدون هذه الحركة ويحملونها إلى مقام رفيع على المستويين التشريعي والتنفيذي.
ومع هذا لا مصلحة للفلسطينيين، شعبيا وحزبيا، في العمل على استبعاد حماس أو التصدي لإنجازها؛ فخطابها يشكل ظهيرا لهم على مضمارات التسوية السياسية والإصلاح الديمقراطي والتعبئة التنموية. وهو إجمالا خطاب عاقل يغرس أقدامه في أرض السياسة العملية ومقتضياتها الواقعية على الرغم من تحليق رأسه في أعالي الفضاء.
طالع:
كاتب ومحلل سياسي فلسطيني.
|