|
| د. محمد السيد سعيد
|
أغرقت الصحافة العربية والدولية نفسها في وحل الطنطنة الفارغة عن صدمة فوز حماس بالانتخابات البرلمانية الفلسطينية. جوهر الصدمة المزعومة هو أن حماس لا تعترف بإسرائيل ولا تريد التفاوض معها، وتعتبر أن المقاومة هي الأسلوب الوحيد لتحرير الأرض المحتلة. ولمجرد أن هذا البرنامج مرفوض من جانب الولايات المتحدة وأوربا الغربية، صارت حماس فجأة هي المشكلة، وتناست الصحافة العربية والدولية أن المشكلة هي الاحتلال وما يرتبط به من عنف وإرهاب دولة وتوسع استعماري وانتهاك الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني.
ولم تسأل الصحافة العربية والدولية نفسها: إذا كانت المشكلة هي حماس، فماذا قدمت إسرائيل والولايات المتحدة للرئيس أبو مازن ولحركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية؟ فأبو مازن يعترف بإسرائيل ويريد التفاوض معها وآراؤه المعتدلة معروفة ومذاعة، ومع ذلك فلم تتفاوض معه إسرائيل، ولم تقدم له الولايات المتحدة شيئا لمساعدته على كسب الانتخابات البرلمانية.
ولهذا يعتقد كثيرون بأن وسائل الإعلام تقدم تصويرا مشوها وتفسيرا معكوسا لفوز حماس ولمضاعفات هذا الفوز. فلم تكن هناك عملية تفاوضية جادة تعد الشعب الفلسطيني برؤية الضوء بنهاية النفق، ثم جاء فوز حماس لكي يقطع الطريق على حل أو تسوية دبلوماسية وسياسية، فالحقيقة هي العكس تماما.
فوز حماس ليس المشكلة
فركود وجمود دبلوماسية التسوية السياسية تام وشامل، ولم تعد هناك أية لعبة في المدينة -كما يقولون في أمريكا- يمكنها أن تشغل الشعب الفلسطيني، ناهيك عن أن تشعل حماسه لتسوية سياسية تفي ولو ببعض حقوقه.
بل تراجع الرئيس الأمريكي عن التزامه بدولة فلسطينية بالرغم أنه لم يكن يستطيع الوفاء بهذا الالتزام لأنه سيغادر حتما البيت الأبيض بداية عام 2009 وقبل أن يأتي الميعاد الذي حدده لنشأة هذه الدولة. وبالرغم من أن الدولة التي التزم بها تبدو تجريدية تماما حيث إنها بدون حدود وأرض محددة، وبدون سيادة كاملة، ردد الرئيس الأمريكي صدى الحكمة الإسرائيلية المثيرة التي تقول بأنه ليست هناك مواعيد مقدسة.
وكذلك يعلم الجميع أن الأمريكيين لم تكن لديهم أية خطط لوضع القضية الفلسطينية على أجندة تحركاتهم في المنطقة هذا العام، أو حتى في الأمد المنظور. وكل ما يقولونه هو إنهم يساندون المقاربة الشارونية للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي القائمة على الحل من جانب واحد، بل لا يتوقع أحد جديدا في هذه الصيغة حيث إن إيهود أولمرت المتوقع فوزه في الانتخابات الإسرائيلية القادمة هو صاحب براءة اختراع هذه المقاربة وليس شارون.
وعلى هذا، فكيف يمكن اعتبار حماس هي المشكلة؟ صحيح أن حماس قالت ولا تزال تقول بأن المقاومة هي الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، ولكن أحدا لم يعرض عليها حلا ما مقبولا فلسطينيا، ثم وقعت له صدمة رفض حماس. وصحيح أن حماس تقول إنها لا تعترف بإسرائيل، ولكن غالبية الساسة الإسرائيليين يقولون إن ليس لديهم شريك، ولا ينظرون حتى لأبو مازن كشريك تفاوضي. والمؤكد أيضا أن حماس لن تعترض على انسحاب إسرائيل من أي جزء من الأرض المحتلة! ففيم إذن هذه الطنطنة السخيفة عن صدمة حماس؟ ولماذا لم يشعر أحد بالصدمة عندما فرض الإسرائيليون سياسة الحل من جانب واحد، وهي لا تختلف في الجوهر عن موقف حماس؟.
مقاربات أربع أمام حماس
إن تدقيق الواقع يقودنا إلى نظرية بديلة لتفسير فوز حماس، فوفقا للأستاذ صبحي الغندور مدير مركز الحوار العربي في واشنطن، فإن إدارة بوش كانت تريد فوز حماس بالانتخابات الفلسطينية. وتفسر هذه النظرية رفض واشنطن لتأجيل الانتخابات لستة أشهر كما كانت تدعو مصر، حتى تمنح أبو مازن الوقت الكافي لإعادة تنظيم المجتمع السياسي الفلسطيني وللسيطرة على التصدعات الأمنية، التي نتجت عن الصراعات الداخلية في حركة فتح وأسهمت في خسارتها للانتخابات، وكذلك تفسر هذه الرغبة أن واشنطن لم تضغط للإفراج عن أهم كوادر حركة فتح في السجون الإسرائيلية التي كان يمكنها كسب انتخابات الدوائر، كما تفسر هذه الرغبة عدم تقديم أي شيء لأبو مازن على مستوى الحل السياسي.
أما لماذا كانت تريد واشنطن فوز حماس، فيقول صبحي الغندور: "إن هذا الفوز يتيح لواشنطن أحد مكسبين: أن تعترف حماس بإسرائيل بتأثير الضغوط الأوربية والعربية دون أن يكون ذلك مقابل أي شيء، أو أن تعزو أمريكا فشلها أو عدم رغبتها في القيام بتحرك دبلوماسي فعال لجمود حماس، ورفضها القيام بهذا الاعتراف".
وإذا صدق هذا التفسير يجب أن نعيد تعريف المشكلة، فليس لدى حماس أية مصلحة في الاعتراف بإسرائيل مجانا ودون مجرد وعد بحل القضية الفلسطينية حلا عادلا، ولكن رفض حماس للتفاوض مع إسرائيل يمثل ذريعة لتحميلها فشل الدبلوماسية الأوربية والأمريكية في إنتاج أي حل مقبول فلسطينيا وعربيا. فإذا شاءت حماس أن تحل هذه المفارقة، فأمامها أربع مقاربات متميزة نظريا، وإن كانت أيضا متكاملة عمليا.
أول هذه الحلول، أن تكتفي حماس بأغلبيتها البرلمانية وأن تدفع نحو تشكيل حكومة من شخصيات عامة مقبولة دوليا وفلسطينيا، وأن تترك مساحة مناورة واسعة لأبو مازن لاستكشاف حل تفاوضي مع إسرائيل والولايات المتحدة. ويمتاز هذا الحل بأنه يمنح حماس حق الاعتراض أو النقض دون أن يحرم الشعب الفلسطيني من المعونات الأوربية والدولية، كما يحرم إسرائيل وأمريكا من فرصة تحميل حماس المسئولية عن استمرار تجميد المفاوضات أو غياب حل دبلوماسي.
وثاني هذه الحلول، أن تدخل حماس تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية دون أن تقدم بالضرورة تنازلات خاصة بها، مكتفية بما قدمته المنظمة من اعتراف واتفاقات مع إسرائيل منذ عام 1988. وفي هذه الحالة سيتعين على حماس أن تقبل بمجلس وزراء لا تقوده بالضرورة، وإن كانت تستطيع المشاركة فيه.ويمتاز هذا الحل بأنه يوفر لحماس مكافأة كبيرة لفوزها بالانتخابات دون أن يجبرها على تقديم تنازلات تصدر من لدنها وقد تؤدي إلى خسارتها لوحدتها أو شعبيتها.
أما ثالث هذه الحلول، فهو أن تقوم حماس بالفعل بتغيير برنامجها ولكن على نحو يعيد تصدير المشكلة لإسرائيل والولايات المتحدة. فمثلا تستطيع حماس أن تقول إنها ستكون على استعداد للاعتراف بإسرائيل لو أن هذه الدولة قامت بالاعتراف بمسئوليتها عن مأساة الشعب الفلسطيني خاصة مأساة اللاجئين، وإذا قامت إسرائيل بالاعتراف بالحقوق القانونية والسياسية للشعب الفلسطيني، وعلى رأسها حق العودة، كما تستطيع حماس أن تعيد صياغة هذا البرنامج بتأييد حل للصراع يكون مماثلا في الطبيعة والنتائج لحل الصراع بين الأقلية البيضاء والأغلبية السوداء في جنوب إفريقيا، وهو الحل الذي أنهى نظام العزل العنصري في هذا البلد، وحظي بتأييد ودعم أمريكا وأوربا والمجتمع الدولي كله. ويمتاز هذا الحل بأنه لا يمثل تنازلا جوهريا عما تقول به حماس، وأنه يجبر النظام الدولي على تقديم تفسير لحقيقة أنه أيد حلا ديمقراطيا لمشكلة جنوب إفريقيا، بينما يؤيد حلا عنصريا لمشكلة الصراع العربي- الإسرائيلي.
وأخيرا، فإن حماس يمكنها أن تقوم بتشكيل مجلس الوزراء الفلسطيني، سواء قامت أو لم تقم بتعديل برنامجها السياسي، ولكن تترك للرئيس الفلسطيني صلاحية التفاوض من أجل حل المشكلة الفلسطينية، ثم تقوم بتقدير هذا الحل إن تم التوصل إليه في الوقت المناسب. ويمتاز هذا الحل بأنه لا يقطع الطريق بالضرورة على المفاوضات من أجل حل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، ولكن يجب في هذه الحالة أن تدعو حماس الشعب الفلسطيني والشعوب العربية لتحمل تبعات وقف المساعدات الأوربية والأمريكية كجزء من تبعات النضال من أجل حل عادل ودائم لهذا الصراع.
نائب مدير مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام.
*مقال نشر بجريدة الأهرام يوم 6/2/2006.
|