English

 

السبت. يوليو. 1, 2000

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » رواق الأفكار

 
أهم الأخبار  

المسلمون والديمقراطية الأمريكية: مع أم ضد؟

مقتدر خان

ترجمة وتحرير - شيرين حامد فهمي

Image
في هذه المقالة يتعرض الكاتب إلى الرد على بعض المسلمين الأمريكيين الذين يتبنون فكرة الانعزالية عن المجتمع الأمريكي، ومن ثَم عدم المشاركة في السياسات المحلية الأمريكية. ويرى الكاتب أن الحجج التي يسوقها هؤلاء إنما تنبع من عدم الإحاطة الكافية بطبيعة السياسة الأمريكية؛ بالإضافة إلى الأفكار غير المدروسة وغير المبنية على أسس سليمة.

وأول هذه الحجج تقول: إن إيمان المسلمين بالله سبحانه وتعالى على أنه المشرع الأعلى لا يتفق إطلاقًا مع اتباعهم للقيادات الغربية، سواء كانت هذه القيادات سياسية أم دينية. بمعنى آخر، يرى مؤيدو الانعزالية أن الإسلام يحرم على الناس شغل وظيفة التشريع أو أخذ دور المشرع؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الوحيد الذي يمنح القانون ويعطي الشرع. ومن ثَم، فهم يؤمنون بأن الديمقراطية ليست إلا تحقيقًا لسيادة الإنسان (أو سيادة عقله) وتطويع القوانين –سواء كانت أخلاقية، اقتصادية، أو سياسية- لصالحه ولصالح راحته، بحيث تكون في النهاية غير خاضعة لله سبحانه وتعالى؛ ولذا فهم يؤمنون بأن المشاركة في العملية السياسية الأمريكية بمثابة تأكيد السيادة الإنسانية بدلاً من السيادة الإلهية؛ وهذا طبعًا غير مقبول.

الديمقراطية مع الإسلام وليست ضده

هذه الحجة –للأسف- مبنية على فهم خاطئ للعملية الديمقراطية؛ تلك العملية التي تعني أساسًا إفساح المجال لكل المواطنين لكي يشاركوا في الحكم وفي اتخاذ القرار. إن الديمقراطية هي الدرع الواقي من أزمة احتكار السلطة ووقوعها في أيدي حفنة صغيرة من الناس. تلك الحفنة التي تشرع القوانين المساعدة في تحقيق مصالحها على المستوى الفردي وعلى المستوى الجماعي. تلك الحفنة التي تستخدم الدولة كأداة للسيطرة على الجماهير وعلى الشعب في سبيل تحقيق المصالح المرجوة؛ ولذا فإن من أٌولى وظائف الديمقراطية  تمكين هؤلاء الذين تم تهميشهم ومن ثَم منحهم صوتًا لتحديد مصائرهم.

إن الديمقراطية هي تطبيق مبدأ تحديد المصير ووضعه عمليًّا في حيز التنفيذ. وإذا قررت الشعوب أن تعيش بمبادئ الإسلام، فلن تكون الديمقراطية عائقًا أبدًا، بل ستكون مساعدًا ومسهلاً.

الديمقراطيات لها أشكال متعددة

الديمقراطية لها أشكال متعددة. ففي بريطانيا مثلاً، حدث تحول تدريجي من الدولة الدينية (theological state) إلى الدولة العلمانية (secular state). وظلت بريطانيا على ديمقراطيتها في خلال هذا التحول. وفي عالمنا الإسلامي، قام مولانا أبو الأعلى المودودي  وآية الله الخميني بتطوير محدود للمشروع الديمقراطي.

فنظرية الخوميني "للدولة" قائمة على مبدأ "ولاية الفقيه" حيث يحكم العلماء المتدينون العادلون باسم الإسلام. وهم مكلفون وملزمون بممارسة الشريعة الإسلامية طبقًا لاحتياجات الجمهورية الإسلامية. ويرى الخوميني أن الديمقراطية ستعمل على إبعاد العلماء غير العادلين وغير المؤتمنين.

أما نظرية المودودي "للدولة"، فهي قائمة على مبدأ الديمقراطية الدينية (theodemocracy) أي بمعنى حكومة إسلامية ديمقراطية. وهي ديمقراطية ليست قائمة على أية أفكار نخبوية؛ إنما هي قائمة على تفعيل مبدأ الشورى. فالمجلس التشريعي المنتخب يستقي القوانين الإسلامية من القرآن والسنة؛ ثم يشرف على تنفيذها. وتقوم الانتخابات الديمقراطية حينئذ بالإسهام في توفير الشرعية.

إن نظرية "الديمقراطية الدينية" التي تبناها المودودي تعتمد أساسًا على مبدأ الشورى التمثيلية (representative shura). وهذا يلزم الأعضاء المنتخبين في مجلس الشورى الإسلامي بالسير طبقًا للقواعد الشرعية. أما إذا شذوا عنها فستكون النتيجة ضياع مراكزهم في الانتخابات القادمة.

الخلافة الإسلامية

إن مفهوم الخلافة الإسلامية يضع التوكيل السياسي في يد الأمة؛ بمعنى أن يكون الخليفة وكيلاً عنها في إدارة شئونها، فإذا ما ثبت عدم كفاءة الخليفة في تلك المهمة سحبت منه الأمة هذا التوكيل. إن الأمة تمثل مركز السيادة الحقيقي المكلف باختيار، وتعيين أو انتخاب الخليفة الذي سيعمل بعد ذلك كوكيل من وكلاء الله على الأرض.

ويجب أن ننوه هنا على الفارق بين مفهوم الخليفة من ناحية ومفهوم الخلافة من ناحية أخرى. فالخليفة، كما أشرنا من قبل، هو وكيل الأمة. أما مفهوم الخلافة فهو ينطوي على معنى أكبر: وهو جعل الله سبحانه وتعالى الإنسان –كل إنسان من الأمة الإسلامية- خليفة له على الأرض. أي أن كل عضو من هذه الأمة –سواء كان رجلاً أم امرأة- هو خليفة الله على الأرض، ومن ثم فهو مكلف من الله سبحانه وتعالى بتطبيق دينه وإعلاء كلمته.

البيعة والديمقراطية

حسب المعطيات الموجودة لدينا، تصير الديمقراطية هي أسهل الطرق لخوض عملية انتخاب الخليفة. فعدد المسلمين قد وصل حاليًا إلى أكثر من 1.3 بليون نسمة؛ هذا بالإضافة إلى أن المجتمع صار أكثر تعقيدًا؛ ولذا فإنه من الصعب جدًّا إيجاد أي طريق لانتخاب الخليفة إلا من خلال الديمقراطية.

والذين يتمسكون بنظام البيعة في الإسلام يحصرون أنفسهم في مصطلح معين، وينسون –على الوجه الآخر- الظروف التي كانت قائمة في عصر الخلافة حيث كانت البيعة تمارس من قبل بضعة آلاف مواطن. ونظرًا لأعداد المسلمين الضخمة التي نراها اليوم، فإن قول "نعم" أو "لا" –سواء من خلال الوسيلة الورقية أو عبر الإنترنت- سيخدم -بلا شك- نظام البيعة… الأمر باختصار، أنه إذا ألقينا نظرة إلى الخطوات الديمقراطية فسنجدها لا تتعارض مع الإسلام.

الغرب أخذ نظرياته من الإسلام

لقد قمت بعمل دراسة واسعة على مفهوم السيادة (sovereignty) في الإسلام من ناحية، وفي النظرية السياسية الغربية من الناحية الأخرى. وكانت نتيجة هذه الدراسة أنني اكتشفت أن الكثير من مبادئ السيادة التي يتبناها الغرب لا تعارض الإسلام، بل على العكس تنبع مباشرة من الإسلام.

فأوائل الباحثين النظريين في أوروبا احتكوا احتكاكًا مباشرًا مع مفهوم السيادة في الإسلام. فجون بودين Jean Bodin وجان جاك روسو Jean Jaques Rousseau من أشهر الباحثين الذين نظروا نظرية السيادة الحديثة؛ وقد استعانوا في ذلك بمفاهيم السيادة المطلقة والسيادة الشعبية التي يتبناها الإسلام. وقد قام روسو بعمل دراسة مكثفة عن فترة حكم الرسول (عليه الصلاة والسلام) في المدينة؛ لينهل ويستقي منها الأفكار المتعلقة بمفهوم السيادة؛ ولذا نجد أن الإسلام قد ألقى بظلاله –بدون شك- على النظرية الديمقراطية.

الديمقراطية الأمريكية وديمقراطية المودودي

إذا ما ألقينا النظر إلى الديمقراطية الأمريكية، فسنجد أن نموذج تلك الديمقراطية يشبه إلى حد كبير الديمقراطية الدينية التي يتبناها المودودي كما أشرنا من قبل. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، توجد الشورى التمثيلية (الكونجرس) التي تستقي قوانينها من الدستور الأمريكي. وتسعى هذه الشورى التمثيلية إلى تشريع القوانين التي لا تعارض –على الأقل- الدستور الأمريكي. وبينما نجد المشرعين المسلمين –في ظل الديمقراطية المسلمة- يسعون إلى حماية القرآن والسنة وتطبيق ما فيهما من تشريعات وأحكام، نجد المشرعين الأمريكيين يسعون إلى حفظ دستورهم وتطبيق ما فيه من بنود وقوانين.

والناقدون للديمقراطية الأمريكية دائمًا ما يلصقونها بالكفر أو بأكثر من ذلك؛ وهم للأسف يطلقون أحكامهم دون تحليل مسبق. وإذا قاموا بتحليل أو بآخر، فإنه يخرج هشًّا ضعيفًا؛ ولذا فقد يستلزم علينا تركيز مناقشاتنا المستقبلية –بطريقة مباشرة- على محتوى الدستور الأمريكي، ومن ثَم التعرف على بنوده، وإدراك ما إذا كانت هذه البنود متوافقة مع المبادئ الإسلامية أم غير متوافقة معها. فإن إدانة الدستور الأمريكي على الدوام يمكن أن تلحق الضرر الشديد بالأمريكيين المسلمين.

نحن في حاجة إلى مرونة

يا ترى، ماذا سيكون رد فعلنا إذا قام بعض الناس غير المسلمين بقراءة كتاب عن الإسلام ثم انصرفوا عنه ورفضوه رفضًا قاطعًا؟ ألن نسارع باتهامهم بالسطحية؟ ألن نصفهم بالتحيز وعدم التعقل في رفضهم للإسلام؟ إذًا، فلنعطى غيرنا نفس مقدار الفضول وحب الاستطلاع الذي نريده. ولنعطى أنفسنا الفرصة لكي ندرس –على الأقل- موقف الآخر برقة ولطف وحذق ومهارة من قبل أن نصدر الأحكام. فالأحكام السريعة غير المبنية على معلومات دقيقة ليست إلا مؤشرًا عن الجهل وعدم التسامح.

وهذا –بدون أدنى شك- سيباعد بين الناس والمسلمين والإسلام… إني أريد أن أوجه هنا سؤالاً للقراء: ما الذي ترونه ضد الإسلام أو ضد الله في مثل هذا الدستور؟ وما هو الشيء غير الإسلامي أو غير الإلهي في هذا الدستور؟

الدستور الأمريكي لا يناقض الإسلام

إن من ضمن نصوص الدستور الأمريكي ما يلي: "نحن شعب الولايات المتحدة الأمريكية –من أجل تشكيل اتحاد أكثر قوة وصلابة- نقيم العدل، نحافظ على الهدوء المحلي، نقوم على توفير الدفاع العام، نُرقي من الخدمات الاجتماعية، ونحمي حرياتنا وممتلكاتنا: [من أجل كل ذلك] نقيم ذلك الدستور للولايات المتحدة الأمريكية".

إني أود أن أعرف ما الذي يمكن أن ترفضه أي دولة إسلامية من هذا الدستور؟ وما الذي يمكن أن ترغب عنه وترفض إعطاءه لشعبها؟ هل الإسلام يسعى إلى حرمان المسلمين مما ينص عليه الدستور الأمريكي من العدل، والاستقرار، والخدمات الخيرية، والحرية والترف؟ (بالطبع لا).

هذا الدستور –طبعًا- لا يُعَرِّف نفسه على كونه إسلاميًّا. (وكيف له أن يفعل ذلك؟) إنما مفهوم ذلك الدستور يتعرض للإسلام، وإن لم يتعرض للمسلمين. فهو خالٍ من المسلمين ولكنه ليس خاليًا من الإسلام. إنه يحتوي على الكثير من القيم الإسلامية؛ أما ما هو غير إسلامي فسأتركه لمن يريد أن ينقده.

ولدينا طريقتان في فهم الإسلام: إما أن نفهم الإسلام وندركه عمليًّا، أو أن نفهم الإسلام في حيز الرموز والإعلام أو الملصقات. ومن الظاهر أن المسلمين أكثر شغفًا بظواهر الإسلام المرئية الخارجة عن شغفهم بالإسلام كمؤسسة وكتطبيق للقيم والمثل الإسلامية. وهذا طبعًا لا يعني أن كل شيء في أمريكا إسلامي: بالطبع، لا. إن أمريكا بعيدة كل البعد عن المجتمع الإسلامي المثالي، وكذلك بعيدة كل البعد عن الدستور الذي تتعهد بتنفيذه. ولكن، على الأقل فإن أمريكا تعرف أهدافها جيدًا أكثر من معظم المجتمعات المسلمة مثل دولة صدام، أو دولة القذافي، أو دولة الأسد (التي صارت الآن دولة بشار).

أنا لا أريد أن أحرج القراء باستعراض بقية القائمة. ولكنى أرغب التنويه إلى أن هذه الدولة [الأمريكية] –بفضل مبادئها- تعامل المسلمين أحسن من معظم البلاد المسلمة. وإذا كنت غير موافق على ذلك، فاجمع حقائبك واذهب الآن إلى المكان الذي تريده والذي تعتقد أنك ستصير فيه أكثر إحساسًا بالسعادة والأمن والحرية في تطبيق الإسلام. إنه واجبك الإسلامي، والامتناع عن فعل ذلك سيكون نفاقًا. 

 المقالة نزلت بموقع الـ iviews.com في 27 يونيو 2000 ، الكاتب يشغل حاليًا المحرر الإداري للجريدة الأمريكية للعلوم الإسلامية الاجتماعية، ويرأس مجلس رابطة الباحثين الاجتماعيين المسلمين.

* اقرأ الرد على المقالة:

الإسلام ليس نسخة من الديمقراطية       

بقلم/شيرين فهمى

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات