English

 

الاثنين. مايو. 1, 2000

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » رواق الأفكار

 
أهم الأخبار  

"لبنان" ليس الانتصار الأول للعرب!

نوال السباعي

Image
اضطرت إسرائيل أخيرًا أن تُنْهي وجودها العسكري في الجنوب اللبناني، بعد اثنين وعشرين عامًا من الاحتلال، وذلك بسبب إصرار "حزب الله" ومِنْ ورائه فئات كثيرة من أبناء الشعب اللبناني، على استمرار الكفاح والصمود وتقديم التضحيات، والصبر والرباط والمرابطة.

انحسار الحلم الصهيوني

وعلى مَسْمع ومرأى من العالم ولَّت فلول الصهاينة، هاربة، وتمزقت كتائب الخيانة شَذر مَذَر! وحُمِلَت إسرائيل حملاً على تنفيذ قرار الأمم المتحدة رقم 425، الصادر عام 1978م، والذي جاء متأخرًا ربع قرن تقريبًا، لا لِيَنْسف استراتيجية "الأشرطة الأمنية" للكيان الدخيل فحسب، ولكن ليُدمِّر تمامًا الحلم اليهودي الذي طالما شكل هاجسًا مرعبًا للعرب في زمن التشتت والتشرذم. أما بعد انتصار الكفاح اللبناني، بهذه الصورة المشرِّفة، فلقد أمسى اليهود غير واثقين من قدرة جيشهم الجرَّار على الاحتفاظ بدولتهم ضمن الحدود الفلسطينية نفسها، فضلاً عن توسيع هذه الحدود – كما يحلمون – من الفرات إلى النيل!

لقد وجدت الدولة الصهيونية نفسها بين ثورة بركانَيْن مزلزلَيْن، أحدهما الجهاد المسلح لحزب الله في الجنوب اللبناني، والآخر ثورة الشارع الفلسطيني، وولادة بوادر انتفاضة جديدة لعبت دورًا حازمًا في الضغط النفسي على إسرائيل وتطويقها داخليًّا وخارجيًّا، نفسيًّا وعسكريًّا.

إن هذا الانتصار على الأرض يعتبر أحد الانتصارات الكبرى التي استطاع العرب تحقيقها خلال نصف قرن من صراعهم مع التحالف "الغربي – الصهيوني"، المتمثل في الكيان الإسرائيلي المصطنع المغروس في صدورنا، ولكنه ودون أدنى مجال للشك ليس الانتصار الأول للعرب، كما قال زعيم مجاهدي الجنوب اللبناني الشيخ "حسن نصر الله"!..

انتصار أكتوبر 1973

فلا يمكن أن نُلْغي انتصار "حرب أكتوبر" في زحمة فرحتنا بهذا النصر الجديد، كما أنه من غير المقبول أن نجهض في الذاكرة العربية تلك المعركة الهائلة التي دخلها جند مصر مع العدو، وإن ما يؤخذ على الرئيس السادات من سياسات جرت الأمة فيما بعد إلى الدخول في متاهة الاستسلام، لا يقلل من شأن "حرب أكتوبر"، ولا يُلغي البطولات المذهلة للمقاتلين المصري والسوري، ومِن ورائهما كثيرون من المقاتلين العرب، الذين توافدوا على جبهات القتال أثناء حرب الاستنزاف وقبل أن تغلق هذه في وجوه المجاهدين، وبعد أن تَمَّ نزع المظلة الإسلامية عن القضية، ثم بدء العمل على ترسيبها في ذلك المستنقع العربي، تمهيدًا لما جاء بعد ذلك من حصرها في إطار ما اصطلح على تسميته رغم أنوفنا "بالشرق الأوسط"، ومن ثَمَّ جعلها قضية خاصة بالفلسطينيين وحدهم، قصرًا على خيارات حركة فتح ضمن منظمة التحرير الفلسطينية!

معركة التطبيع

كما إنه من المؤسف أن ننسى ولو للحظة واحدة، الانتصار الأكبر الذي استطاعت أن تحققه الأمة بصمودها العجيب في وجه الهجمة التطبيعية المتوحشة، وأمام ذلك الزخم الإعلامي الذي دخل كل نادٍ وبيت وعقل، في أكبر وأخطر محاولة تشهدها أمة لتسميم التفكير العام لأبنائها، وغسل الذاكرة الجماعية للأجيال.

ولقد استطاع برنامج تلفزيوني واحد هو "الاتجاه المعاكس"، أن يثبت خلال أقل من ساعتين، وفي بث مباشر، أن الأمة العربية ماتزال مستعصية على القبول بمنطق الأمر الواقع، وأن المغاربة كالتونسيين، كالمصريين، كالسوريين، كالكويتيين، كالسعوديين، كالأريتريين كالسودانيين كالفلسطينيين.. كلهم يرفضون التطبيع مع القتلة، وينبذون عملية السلام التي انقلبت إلى نزعٍ استسلامي يُؤذن بموت أولئك الخانعين الذين خُيِّل إليهم أن الذئب يمكن أن يمنح الحَمَل جغرافية من الأمن والازدهار، مقابل حرق تاريخٍ من البطش والاعتداء والخسة.

لقد انتصرت الأمة في معركتها ضد التطبيع والتي كانت أخطر عليها من كل المعارك الفاشلة التي خاضتها مع إسرائيل وخسرتها تحت وطأة خيانة الأمانات، وتقهقر العزائم.

الانتفاضة الفلسطينية

إذا ذكرنا "أكتوبر"، و"مناهضة التطبيع"، كانتصارات لا ينبغي أن تنساها هذه الأمة.. فيجب أن نذكر الانتصار على الذات الذي حققه الفلسطينيون في انتفاضتهم التي استمرت خمسة أعوام من الشهادة على فضيحة الطبقة السياسية أو المثقفة التي كانت تهيمن في هذه الأمة.

لا ينبغي أن تنسينا تنازلات السياسيين من زعمائنا المكتئبين أو المخدوعين، دماء الشهداء وحجم التضحيات، ولا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أن السبب الرئيس الذي دفع هؤلاء السياسيين والمثقفين إلى الانبطاح أمام التفتت الإسرائيلي، إنما هو فقدانهم الثقة بقدرة شعوبهم على تغيير التاريخ بعدما جربوا استكانتها للظلم والذل والقهر.. لقد قطع هؤلاء حبل الثقة فيما بينهم وبين الشعوب، وظنوا في أنفسهم القدرة على الخلاص من القضية الساخنة، بالاستخفاف بكرامة هذه الشعوب وبقدرتها على الصبر.

الحفاظ على الوحدة الوطنية

لقد كان انتصار حزب الله على نفسه عقب الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، أكبر من انتصاره على أرض المعركة، فلقد أجهض، من خلال فكر سياسي ثاقب، أمل العدو في حدوث اقتتال طائفي داخلي لبناني يشغل اللبنانيين عن استساغة طعم النصر، وهذه هي المرة الثانية التي تؤكد فيها شعوبنا قدرتها على الانضباط، فلقد كانت الاستراتيجية الإسرائيلية من قبل تعتمد على مذبحة فلسطينية فلسطينية، تُنهي مشكلة الكيان اليهودي مع الانتفاضة، إلا أن الفلسطينيين أثبتوا أنهم ذووا قامات سياسية عالية، وبصائر نافذة، أسقطت في يد "الكيان اليهودي"، وجعلت من الانتفاضة الأولى والثانية سلاحًا فتَّاكًا لِدَكِّ قواعد هذا الوجود الغريب القائم في أرضنا، يحاول تدمير حاضرنا وتاريخنا، إلا أنه لا يمتلك القدرة على صنع المستقبل، فهذا .. بيد الله وحده، ثم بيد الجنود المؤمنين به، المستعدين لبَذْل النفوس في سبيل تحرير القدس الشريف، الذي كان وسيبقى - رمزًا من رموز وحدة وصمود هذه الأمة التي أنجبت رجال الجنوب اللبناني، أبطال النصر الذي دخل قلوبنا كشعاع نور في لجج الظلمات، فذكَّرَنا بالطريق إلى الأقصى، الأقصى الذي لن يكتمل نصر - مهما كان كبيرًا أو صادقًا أو غاليًا - قبل تحريره واستنقاذه مما يراد به وبهذه الأمة.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات