|
قدم لنا موقع مجلة "واشنطن كوارتيرلي" تلخيصا مقتضبا عن ثلاثة كتب مهمة.. عكست -في مجملها- حالة من المراجعة للفكر الأمريكي بصدد مواجهة الإرهاب، سواء من ناحية رفض فكرة "الحرب الاستباقية" أو من ناحية رفض فكرة الاقتصار على "القوة الصلبة"...
مجلة "واشنطن كوارتيرلي" Washington Quarterlyدورية متخصصة في العلاقات الدولية، وبالتحديد في تحليل التغيرات الإستراتيجية العالمية، وما يتبعها من سياسات عامة. تهتم المجلة بموضوعات بعينها: الدور الأمريكي في العالم، القوى الكبرى المتصاعدة، الدفاع الصاروخي وأسلحة الدمار الشامل، الاقترابات العالمية للحد من ظاهرة الإرهاب، قضايا إقليمية وبؤر ساخنة، إملاءات التغيرات العالمية على السياسات العامة للدول، وأخيرًا مواقف الكونجرس الأمريكي.
الكتاب المشاركون في هذه المجلة ينتمون إلى دول مختلفة وأجناس متعددة؛ وهو ما يتيح فرصة جيدة لتعدد الآراء ووجهات النظر. صناع السياسة -بشقيها التشريعي والتنفيذي- وأعضاء المؤسسات والمجتمعات الأكاديمية والإعلامية يشهدون جميعًا بجدية المجلة في طرحها وعرضها لفكر عميق ومستقل حول التحديات العالمية: سياسيا وأمنيا. لديها مشتركون في أكثر من 50 دولة في العالم، يتم طباعتها من قبل "مركز الدراسات الدولية والإستراتيجية" CSIS؛ وهو المركز المعروف -عبر أربعة عقود- بعمله الدءوب المستمر في إخراج قادة متميزين، ملمين بالرؤى الإستراتيجية العميقة، ومجهزين بالحلول الخلاقة للأزمات العالمية الراهنة.
أهمية الـ CSIS
تنطلق أهمية هذا المركز من أربع نقاط: أولا أنه يغطي جميع "ألوان الطيف" للتحديات الجديدة التي تشكل خطرًا على الأمنين القومي والدولي. ثانيا أنه يمتلك فريقا بحثيا متميزا ذا خبرة متميزة (190 باحثا) في أهم البؤر الساخنة بالعالم، وفي أهم المناطق الجغرافية. ثالثا أنه يهتم أساسا بتطوير أساليب وفنون جديدة في الإدارة الحكومية، ومن ثم تبنيه -وهي النقطة الرابعة- لبرامج تركز على التنمية في مجالات التكنولوجيا، والسياسة العامة، والتجارة الدولية، والطاقة.
وبالرغم من وقوع مقره الأصلي في واشنطن؛ فإن لديه "ساحة الهادي للـCSIS" المتمركزة في جزيرة "هونولولو" الآسيوية. وتتعامل هذه "الساحة" مع شبكة من المؤسسات البحثية (تتعدى الـ30 مؤسسة) تلتف جميعها حول منطقة المحيط الهادي. كما تحتوي هذه "الساحة" على برامج ذات صلة بالقضايا السياسية والأمنية والاقتصادية.
من أهم الشخصيات في هذا المركز "جون جاي هامير" John J. Hamre رئيس المركز الذي كان نائبا سابقا لوزير الدفاع، وكذلك "سام نان" Sam Nunn وهو رئيس مجلس الأمناء الذي كان نائبا سابقا في مجلس الشيوخ الأمريكي. وأخيرًا "رالف كوسسا" Ralph Cossa رئيس "ساحة الهادي للـCSIS"، وعضو مجلس المركز في نفس الوقت.
وتبعًا لأهمية هذه المجلة، وتبعًا لأهمية المركز الذي يتولى نشرها.. فقد رأينا أنه سيكون من الأهمية بمكان عرض ملخص للكتب الجديدة التي تنشر عنها المجلة، والتي يتولى المركز إصدارها وطباعتها. فهي بالتأكيد ستكون ذات أهمية كبيرة للقارئ العربي، من خلال إمداده برؤية معاصرة ومقتضبة عن تطور الفكر في ظل مجريات القضايا العالمية.
كتاب "إعادة تشكيل الدول المارقة"
اسمه بالإنجليزية Reshaping Rogue States، قام بتحريره كل من "ألكسندر تي. جاي. لينون" و"كاميل آيس"، هدفه يتمثل في تحسين رؤية القراء الغربيين حول الدول الثلاث (إيران، العراق، كوريا الشمالية) التي كان الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش قد أطلق عليها مسمى "محور الشر" في يناير 2002. الكتاب يدعو إلى إعادة فهم هذه الدول، كما يدعو إلى إعادة فهم السياسات الراهنة التي يُبغى من ورائها مكافحة التهديدات التي تمثلها تلك الدول على الأمن الغربي. فهو يقدم تحليلا شاملا حول سياستي "الحرب الاستباقية" و"تغيير الحكومات"، مثيرا الجدل حول الظروف التي يتم تطبيق هاتين السياستين من خلالهما، ومثيرا الجدل أيضا حول تبرير هاتين السياستين تحت مظلة القانون الدولي. ومن ثم ينصح الإستراتيجيون المرموقون -من خلال الكتاب- بطرح سياسات بديلة عن "الحرب الاستباقية" و"عن تغيير الحكومات"، مثل سياسة "الأمن الجماعي" أو "منع الانتشار النووي".
إن الكتاب يتعرض لنقطة مهمة؛ وهي أن الوضع حاليا (في عام 2004) لم يعد مثلما كان عليه في عام 2002؛ فالدول الثلاث (محور الشر) صارت أكثر تحديا للولايات المتحدة، والولايات المتحدة صارت أكثر حيرة في التعامل مع تلك التحديات. ومن ثم يطرح الكتاب فكرة موازنة الولايات المتحدة لتلك التحديات، متسائلا: كيف يمكن للولايات المتحدة أن تحدث توازنا مع كوريا الشمالية من خلال المفاوضات متعددة الأطراف؟ كيف يمكن لها أن تحدث توازنا مع إيران التي تتغير والتي تنادي بالتغير في السياسة الأمريكية؟ كيف يمكن لها أن تحدث توازنا مع العراق الذي صار ساحة واسعة لعمليات التمرد وعدم الاستقرار؟
كتاب "معركة القلوب والعقول"
اسمه بالإنجليزية The Battle for Hearts and Minds: Using Soft Power to Undermine Terrorist Networks، قام بتحريره "ألكسندر تي. جاي. لينون"؛ وهو كتاب يكشف عن الوسائل الأخرى -غير العسكرية والاستخباراتية والقانونية- لقمع الشبكات الإرهابية، واقتلاعها من أصولها. ومن ثم فهو يوصي الإدارة الأمريكية باتباع الوسائل "الناعمة"، وإدراجها من ضمن إستراتيجية شاملة لمحاربة الإرهاب.
هذا الكتاب يناقش محدودية القوة العسكرية، ويرى البديل في "القوة الناعمة" -التي كان "جوزيف إس. ناي"Joseph S. Nye (الخبير بالعلاقات الدولية عميد "كلية كندي المختصة بشئون الدولة" بجامعة "هارفارد") هو أول من أطلقها- ذاكرًا أهم ما ستجنيه الإدارة الأمريكية من خلال هذه القوة؛ وهو تحسين صورة الولايات المتحدة -الغرب- أمام العالم. ويُركز الكتاب على ثلاث بؤر: 1- فشل نظرية "الدولة القومية" في محاربة الإرهاب. 2- الدبلوماسية الشعبية. 3- المعونات الخارجية.
في البؤرة الأولى يطرح الكتاب المسألة التالية: كيف ستكون ملامح "ما بعد الحرب على الإرهاب" في ظل الانهيار التاريخي الذي شهدته -وما زالت تشهده- الدولة القومية؟ وفي البؤرة الثانية يتحدث الكتاب حول مدى إمكانية تحسين الإدارة الأمريكية لصورتها بالخارج، مثيرًا لجدل حول نقطة التغيير: هل ينبغي للسياسات الأمريكية أن تتغير أم الطريقة التي تُفهم بها؟ ولا ينسى الكتاب -في هذا السياق- أن ينوه عن العامل التكنولوجي الذي بات مهدِّدًا ومعرقِلا للصورة "التحسينية" التي تريد الولايات المتحدة إبرازها وتسويقها للعالم.
وأخيرًا في البؤرة الثالثة يربط الكتاب بين قضيتي الفقر والإرهاب، متناولا النهج الجديد الذي اتبعته الإدارة الأمريكية، والذي يتمثل في تكثيف المساعدات الخارجية بالبقاع الفقيرة. وعن هذا الكتاب يقول "جوزيف ناي": "إن أمريكا بحاجة إلى قوتنا الصلبة العسكرية كما هي بحاجة إلى قوتنا الرخوة- قوة الجذب لا قوة القهر. وهذا الكتاب يعتبر ساحة ممتازة لبدء اكتشاف حقيقة القوتين".
كتاب "ماذا يريد العالم من أمريكا؟"
قال عنه "جون أيكينبوري" و"بيتر إف. كروج" -وهما أستاذان للعلاقات الدولية في جامعة "جورج تاون"-: "إنه كتاب يحتوي على تحليلات عميقة تعكس بوضوح تحول المشاعر العالمية تجاه القوة الأمريكية والهدف الأمريكي". وقال عنه "جوسف إس. ناي": "استطاع هذا الكتاب أن يحشد مجموعة مثيرة من الإجابات حول السؤال التالي: كيف ننظر في أعين الآخرين؟ وهو سؤال بات في غاية الأهمية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر".
إن كتاب What Does the World Want from America? International Perspectives on U.S. Foreign Policy -الذي حرره أيضًا "ألكسندر تي. جاي. لينون"- يستجوب 12 كاتبًا من مختلف دول العالم: الصين، اليابان، سنغافورة، جنوب إفريقيا، الهند، إيران، إسرائيل، فرنسا، روسيا، ألمانيا، الاتحاد الأوربي، البرازيل. كلهم تمت مساءلتهم حول ما يتوقعونه من الولايات المتحدة بالنسبة لبلادهم.
كان السؤال المطروح كالتالي: "في ظل عالم أمثل.. ما هو الدور الأمريكي الذي تأملون في رؤيته في داخل بلادكم وفي داخل منطقتكم؟". ومن الجدير بالذكر أن يعبر الُكتاب الاثنا عشر عن المناهج المثالية المختلفة التي إذا اتبعتها الولايات المتحدة صارت أكثر وأعظم نفعا للعالم. وقد قام أربعة محللين أمريكيين بالتعليق على الإجابات، منوهين -في النهاية- عن مدى أهمية آراء الآخرين بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية، ومن ثم ضرورة إدماجها في عملية صنع السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة بعد أحداث سبتمبر المرعبة.
خلاصة الأمر: يعد هذا الكتاب "ماذا يريد العالم من أمريكا؟" هو لبنة أولى في الحديث عن دور جاد للولايات المتحدة، وعن كيفية استخدام قوتها لما فيه الخير للدول الأخرى.
نقطتان مهمتان
يتبين لنا من التلخيص المقتضب -الذي قدمه لنا موقع مجلة "واشنطن كوارتيرلي" عن الكتب الثلاث- نقطتان في غاية الأهمية:
الأولى أنه هناك حالة من المراجعة للفكر الأمريكي بصدد مواجهة الإرهاب، سواء من ناحية رفض فكرة "الحرب الاستباقية" أو من ناحية رفض فكرة الاقتصار على "القوة الصلبة".
الثانية أنه ما زال حتى هذه اللحظة يُنظر إلى الولايات المتحدة على كونها القائدة التي ستأخذ بيد العالم إلى النجاة وإلى بر الأمان كما ظهر في كتاب "ماذا يريد العالم من أمريكا؟" الذي لاحظنا -من خلاله- التعرض إلى كُتاب من شتى الأجناس دون الجنس العربي؛ وهو أمر جدير بالانتباه.
اقرأ أيضًا:
باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
|