|
| غلاف كتاب مرشد تطبيقي لكسب الحرب على الإرهاب للكاتب آدم جارفينكل |
لم تعد الدبلوماسية الشعبية الأمريكية هي طوق النجاة لكسب القلوب والعقول المسلمة لأن هذه الدبلوماسية، وبعد ثلاث سنوات على بدء تطبيقها، لم تستطع إقناع العالم الإسلامي بالسياسات الأمريكية. ورغم يقين المحللين الأمريكيين في وجود ازدواج بمعايير السياسة الخارجية الأمريكية وما تتبعه من سياسات ظالمة تجاه العالم الإسلامي، فإنهم لا يكفون عن ابتداع تكتيك تلو الآخر يقدمونه للإدارة الأمريكية من أجل المساعدة في كيفية تفعيل الدبلوماسية العامة وإجهاض الإرهاب.
حول هذا المحور، تحدث "دانييل إل. بايمان" الباحث الأول بمركز سابان لسياسة الشرق الأوسط في مقاله "كيف نحارب الإرهاب"، المنشور في ربيع عام 2005 بمجلة "ناشيونال إنتريست" الأمريكية. وهو مقال يعرض فيه "بايمان" لكتابين أمريكيين، يخلصان إلى ضرورة إحداث تغييرات جسيمة بالدبلوماسية الشعبية الأمريكية حتى يُكتب لها النجاح في كسب القلوب والعقول المسلمة. والكتابان هما: "مرشد تطبيقي لكسب الحرب على الإرهاب" للمؤلف "آدم جارفينكل" الصادر في عام 2004، وكتاب "الظل المنحسر للنبي: صعود وسقوط الإسلام السياسي" للمؤلفين "راي تاكيا" و"نيكولاس كاي. جفوسديف" الصادر أيضا في نفس العام.
تناقض الرسائل
لا يختلف الليبراليون والمحافظون في الولايات المتحدة على أهمية الدبلوماسية الشعبية في دحض الإرهاب، وعلى كونها أرخص الوسائل لتحقيق أكبر المكاسب. لكن هذا الطموح الكبير -كما يشير "بايمان"- لا يقابله قدرات كبيرة. وهو ما أوضحه السفير "إدوارد بي. دجيريجيان" الذي اكتشف "بوار" الدبلوماسية الشعبية الأمريكية، وافتقادها لأي إستراتيجيات واضحة.
ويرى "جارفينكل" في كتابه "مرشد تطبيقي لكسب الحرب على الإرهاب" أن مشكلة الدبلوماسية الشعبية ليست جديدة، وإنما قديمة قدم الاحتلال في المنطقة الإسلامية حيث يقول "كل سلطة غير مسلمة اختارت أن تضع يدها على الشرق الأوسط واجهت مشكلة كسب القلوب والعقول المسلمة". وينصح "جارفينكل" بتدشين حملة متواصلة من إظهار الاحترام والتقدير للإسلام، مع تعبئة المسلمين "ذوي الأصول الإسلامية العريقة" حماة لتلك الحملة.
بيد أن هذه الحملة، من وجهة نظر جارفينكل، سيواجهها بعض العوائق أبرزها أن معظم العلماء المسلمين "ذوي الأصول الإسلامية العريقة" لا يؤيدون الولايات المتحدة، وخاصة العلماء المغضوب عليهم والمطرودين من بلدانهم، وأن الإدارة الأمريكية فشلت في إيجاد تناسق بين رسائلها الداخلية والخارجية.
ويعتبر الكاتب هذا التناقض بين الرسائل من الإشكاليات الكبرى في الدبلوماسية الشعبية الأمريكية. فمسئولو الإدارة الأمريكية يوجهون حديثهم للجمهور المسلم وكأنهم يحدثون الجمهور الأمريكي، وربما يتناسون ما تشهده سوق الإعلام من انفتاح شديد يسمح لكل كلمة بالانتقال. وهو ما كان يجب الحذر منه، فمثلا تم نقل ما قاله الزعيم الإنجيلي الأمريكي "فرانكلين جراهام" عن كون الإسلام دينا "غير أخلاقي" بسرعة البرق عبر الفضائيات، فكيف ستستطيع الإدارة الأمريكية، بعد ذلك، توصيل أي رسالة إيجابية عن الإسلام؟.
وتتجاوز مشكلة الدبلوماسية العامة، كما يشير "بايمان"، هذا التناقض لتنتقل إلى طبيعة السياسة الأمريكية ذاتها إذ يكفى القول إن هذه السياسة تقوم على مبدأين راسخين ومتلازمين هما تأييد إسرائيل، ودعم الحكومات المستبدة بالشرق الأوسط. وهي سياسات لا يمكن بيعها وتسويقها لشعوب العالم الإسلامي، مما يُحول أي دبلوماسية شعبية أمريكية إلى فشل ذريع.
انهزام الإسلام السياسي الراديكالي
في عام 1960، ظهر كتاب بعنوان "نهاية الأيديولوجية" للمؤلف "دانييل بيل"، الذي أعلن فيه انتصار الديمقراطية الليبرالية الغربية على الشيوعية. وبالطبع لم يؤخذ هذا الكتاب مأخذ الجد خاصة في ظل الظروف المواكبة التي كانت تعلن عكس ذلك (الصواريخ الكوبية والمستنقع الفيتنامي). إلا أنه بعد انهيار سور برلين في عام 1989، اكتشف المراقبون والمحللون أن الشيوعية لم تنهزم فقط لحظة انهيار السور، وإنما انهزمت قبله بعقود، كما كتب "بيل" في كتابه.
وعلى نفس المنوال، يكتب الآن "أوليفييه روا" و"جيل كيبيل" المتخصصان في الإسلام السياسي، إذ يرى "بايمان" أنهما يستخدمان حججا متشابهة كالتي استخدمها "بيل" في عام 1960. فهما يعتقدان أن الإسلام السياسي قد فقد صلابته الفكرية، مما كلل جهوده بالفشل أينما كان. وإذا كانت أحداث 11 سبتمبر 2001 تُسفه من تلك الحجة، كما يقول "بايمان"، فإن قراءة كتاب "الظل المنحسر للنبي: صعود وسقوط الإسلام السياسي الراديكالي" تؤيدها وتزيدها قوة.
ففي هذا الكتاب، يذهب مؤلفاه "راى تاكيا" و"جفوسديف"، اللذان قاما بدراسة الحركات الإسلامية في كل من إيران والجزائر ومصر والسودان وأفغانستان ويوغسلافيا السابقة، إلى أن الإسلاميين في هذه الدول، على الرغم من القوة التي اكتسبوها في بعض الأحيان، لم يثبتوا نجاحهم كحركات سياسية. وهو ما عبر عنه المؤلفان عبر المقولة التالية: "إن الرؤية تزداد وضوحا على الدوام بأن الإسلام السياسي الراديكالي لا يستطيع التمكن سلطويا من الدول الحديثة أو الدول المتحولة إلى طور الحداثة في قلب العالم الإسلامي، وأنه لا يستطيع إقامة نموذج بديل وفعال للحكم". واستدل المؤلفان في حجتهما على مثلين:
1 - فشل الإسلاميين في الجزائر:
ففي عام 1992، قام القادة العسكريون بالانقضاض على السلطة لمنع "جبهة الإنقاذ الإسلامية" من الوصول إلى السلطة عبر الانتخابات الشرعية، الأمر الذي أدى إلى مظاهرات جماهيرية واسعة داخل البلاد وخارجها للتنديد بالنظام العسكري. أما "الجماعة الإسلامية المسلحة"، فقد اتهمت جبهة الإنقاذ بالسذاجة وعدم الشرعية لكونها تتبع الآليات الديمقراطية الغربية. وكانت الخطوة التالية هي اتجاه "الجماعة الإسلامية المسلحة" إلى استخدام العنف، مستهدفة مسئولي النظام ومثقفيه، مما أحال الجزائر فيما بعد إلى مجزرة راح ضحيتها حوالي مائة ألف جزائري. وأفضى ذلك كله إلى خسارة "القضية الإسلامية" -كما يسميها المؤلفان- بل وقوف معظم الجزائريين خلف النظام الجزائري، على الرغم من فساده وبطشه، مفضلين إياه عن "الجماعة الإسلامية المسلحة".
2 - فشل الإسلاميين في إيران:
تمثل إيران حالة الدولة التي سطعت فيها الأيديولوجية الإسلامية ثم اندثرت بعد حين، فبدا عليها التراجع والانحسار كما نرى الآن. ففي عام 1979، كان ميلاد الأيديولوجية الإسلامية على يد "آية الله الخميني" الذي وصل إلى السلطة بفضل شعبيته و"كاريزميته"، لا بفضل ديمقراطيته وعدله. وحينما توفي عام 1989، جاء "آية الله خامئني" ليحل مكانه، ولم يكن ذلك انتصارا شرعيا بقدر ما كان انتصارا سياسيا لدعم نظام ولاية الفقيه. إلا أن الأيديولوجية الإسلامية لم تثبت طويلا؛ فسرعان ما أصابها التآكل والانهيار بفعل سوء الإدارة الاقتصادية وأهوال الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت قرابة عقد من الزمن، ولم تخلف وراءها إلا الخسائر والتضحيات. وأكبر دليل على انحسار تلك الأيديولوجية -كما يشير المؤلفان- هو فوز رجل مثل "محمد خاتمي" بالرئاسة في عام 1997، إذ اعتمد فوزه الساحق على ما دعا إليه من تعددية وخصوصية وسيادة للقانون؛ وهي أمور كلها تناقض النظام الإيراني بأيديولوجيته الإسلامية الخمينية. وعلى الرغم من عودة الفقهاء إلى مكانتهم مرة أخرى في عام 2004 -حينما فاز المحافظون- فإن هذه العودة لم تكن بناء على انتصار أيديولوجي وإنما بناء على انتصار سياسي. لقد باتت الثورة الإيرانية تشهد خواء حقيقيا؛ فالعلماء الإيرانيون أنفسهم – الجادون منهم – يعترفون الآن بأن نظام ولاية الفقيه قد أضر بالدولة، بل أضر بالإسلام ذاته. ويخلص المؤلفان إلى حقيقة مفادها أن الإسلام السياسي في إيران يحظى اليوم بشعبية ضئيلة جدا، مقارنة بما كان عليه من أربعة عقود ماضية، وأن الولايات المتحدة باتت تحظى بشعبية في إيران أكثر من الدول العربية التي تتحالف أنظمتها مع واشنطن.
فشل الإسلاميين.. الفرصة الكبرى
وطبقا لهاتين التجربتين، يشير بايمان إلى أن "كتاب انحسار ظل النبي" يعيدنا إلى فكرة سابقة ساقها "جراهام فوللر" عام 2003 في كتابه "مستقبل الإسلام السياسي" حينما يقول "لا شيء يمكن أن يُظهر الأسلمة في صورة غير جذابة أكثر من تجربة فاشلة في السلطة". ويستدعي "فوللر" النظام الإسلامي في السودان والنظام الطالباني في أفغانستان؛ فهما نظامان وصلا إلى السلطة باسم الإسلام، ليجدا نفسيهما في النهاية بعيدين كل البعد عن الإسلام.
بكلمات أخرى، ثمة بعض الكتابات الأمريكية تشير إلى أن التجارب التي وصل إليها الإسلاميون إلى السلطة في بعض الدول الإسلامية يمكنها أن تكون دليلا للإدارة الأمريكية للنيل من الحركة الإسلامية باعتبارها تجارب فاشلة تثبت خطأ مقولة الإسلام السياسي.
إن كتاب "انحسار ظل النبي" في رأى "بايمان"، هو نصيحة لإدارة "بوش" بحسن استغلال ذلك الفشل الذريع الذي مني به الإسلاميون "الراديكاليون"؛ فهو يعتبر أعظم فرصة أمريكية للتنكيل بهم وسط الجماهير المسلمة التي لا تؤيد العنف، ولا تؤيد الولايات المتحدة أيضا.
وبحسب الولايات المتحدة أن توجه دبلوماسيتها الشعبية نحو زرع مزيد من الكره الإسلامي ضد "بن لادن" وضد الإسلام السياسي بوجه عام. وتحقيق ذلك وحده يعتبر في حد ذاته إنجازا أمريكيا في الحرب على الإرهاب، كما يشير "بايمان" الذي يوضح الهدف في قوله: "إن الهدف الأساسي للولايات المتحدة ليس هو حب المسلمين لها، وإنما هو كرههم لعدوها. وهو أمر لا يتطلب بيع أمريكا كصديق للعالم المسلم، وإنما يتطلب ما هو أسهل من ذلك بكثير...إنه يتطلب الإشارة إلى السجلات السوداء للإسلاميين، سواء في داخل السلطة أو خارجها".
ويذهب "بايمان" إلى أن تفضيل العنف من قبل "الراديكاليين" ناتج في الأصل عن إدراكهم لمستوى شعبيتهم المتدني بين الجماهير المسلمة، ومن ثم تيقنهم من فشلهم سياسيا، وعدم قدرتهم على استخدام النظام السياسي للتغيير السلمي. والسؤال الذي يطرحه "بايمان" هنا: هل ترويج الولايات المتحدة للديمقراطية في الشرق الأوسط سيساهم في دعم أتباع "بن لادن" أم في دعم أتباع "توماس جيفرسون"؟.
يرد "بايمان" هنا عبر قراءته للكتاب الأخير "انحسار ظل النبي" الذي يفترض بأن دفع الإدارة الأمريكية للعملية الديمقراطية الشرق أوسطية سيفضي في النهاية إلى انتخابات شرعية سينتج عنها إخراج الأصوات الموالية لـ"بن لادن" من اللعبة السياسية، وإظهار الأصوات الإسلامية المعتدلة التي لن تكون بالضرورة مؤيدة لواشنطن، ولكن ستكون على الأقل سلمية و"مستنيرة". وحتى إذا وصل الإسلاميون السلميون إلى السلطة -كما يشير الكتاب- فإن وصولهم سيكون إيذانا بخسارة قضيتهم وفقدان مصداقيتهم؛ وذلك لعدم تمكنهم سياسيا كما أوضحنا على لسان المؤلفين من قبل.
ومن ثم، فإن دعم الإدارة الأمريكية للعملية الديمقراطية الشرق أوسطية سيساعد -كما يقول الكتاب- على تحقيق مصلحتين أمريكيتين، أو ضرب عصفورين بحجر: الأولى أنها ستُقصي الأصوات الراديكالية؛ والثانية أنها ستوصل المعتدلين إلى السلطة، والذين لن يُظهروا، في الغالب، قدرات سياسية مناسبة. وهو الأمر الذي يجب أن تستغله الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب وفى كسب التأييد في العالم الإسلامي وفى معركة العقول والأفكار.
اقرأ أيضا:
باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
|