|
| الانتخابات الموريتانية شهدت إقبالا كثيفا
|
ملامح التشكيلات السياسية المكونة لبرلمان موريتانيا الجديد بدأت تتحدد.. فقد دخلت أصوات معارضة في السابق لتشغل معظم مقاعد الغرفة التي تم توسيعها لتحتضن 95 نائبا، وحافظت وجوه محسوبة على النظام السابق على مقاعد لها، فيما دخل الإسلاميون لأول مرة إلى القبة البرلمانية بعد أن تقدموا بترشيحاتهم تحت غطاء مستقل حيث ترفض الحكومة الانتقالية الاعتراف بحزب إسلامي في موريتانيا.
النتائج النهائية للشوط الأول من الانتخابات البرلمانية أفرزت معطيات متفاوتة؛ إذ لم يحصل أي حزب على أغلبية مطلقة لوحده؛ الأمر الذي يعني أن البرلمان الموريتاني القادم سوف تخف فيه حدة التصفيق وسيشهد نقاشات حادة لجملة من مشاريع القوانين ظلت تمرر دون أن تلقى معارضة تذكر.
ويتميز البرلمان الجديد في الوقت نفسه بتمثيل واسع لأطياف سياسية عديدة معظمها من القوى المعارضة للنظام السابق من بينها ممثلون عن التيار الإسلامي دخلوا لأول مرة إلى قبة البرلمان بعد أن تعذر عليهم الحصول على اعتراف بحزب سياسي في موريتانيا.
وفي خضم هذا التحول اللافت يرى الصحفي الموريتاني يعقوب ولد باهداه من يومية "الأخبار" الواسعة الانتشار أن ثمة قضايا أساسية تنتظر أجندة البرلمان الجديد، من أبرزها "المبعدون الموريتانيون"، وهم ثلة من الزنوج كانوا لعدة سنوات لاجئين في منطقة نهر السنغال؛ نتيجة رفض سلطات كل من نواكشوط وداكار استقبالهما على خلفية أزمة نشبت بين الدولتين نهاية الثمانينيات من القرن الماضي.
ويضيف ولد باهداه مؤكدا على أن أحزابا عديدة من "ائتلاف قوى التغيير" (يتكون من 11 حزبا وقوى سياسية معارضة للنظام السابق بما فيهم الإسلاميون) الذي دخل بقوة حتى الآن في البرلمان ظلت تعد ناخبيها بعرض القضية على البرلمان القادم حال انعقاده.
ومن بين أهم القضايا التي من المحتمل أن تنال قسطا من النقاش في الجلسات القادمة مسألة تشريع حزب للتيار الإسلامي الموريتاني الذي ظل يطالب باعتراف رسمي من الحكومة الموريتانية منذ أكثر من 15 سنة.
العلاقات مع إسرائيل...
أيضا ينتظر أن تشكل العلاقات المثيرة للجدل مع إسرائيل حظها من النقاش. ويطالب زعيم حزب الاتحاد والتغيير الموريتاني (حاتم) صالح ولد حننا الذي دبر في يونيو 2003 محاولة فاشلة لقلب نظام ولد الطائع بإجراء استفتاء شعبي يعرض على الموريتانيين بموجبه موضوع العلاقات مع إسرائيل، وهو الموضوع الذي ينبغي حسب القانوني محمد الأمين أن يطرح أمام البرلمان الموريتاني لإقراره أو رفضه.
أما التيار الإسلامي فإن ممثليه في الجمعية الوطنية سوف يطرحون قضية العلاقات مع إسرائيل في أول جلسة برلمانية. ويقول "سيدي محمود" المسئول بالتيار الإسلامي الوسطي: إن التيار كان صريحا إبان الحملة الانتخابية حينما كرر في أكثر من أمسية انتخابية أن تلك العلاقات مرفوضة، وإن أول خطوة سيطالب الإسلاميون بمناقشتها في البرلمان هي قطع العلاقات مع إسرائيل.
وبدا ائتلاف قوى التغيير الموريتاني الذي يضم 11 فصيلا سياسيا منقسما على نفسه في مسألة العلاقات الإسرائيلية، فبينما تضغط قوى قومية وإسلامية في الائتلاف لتبني مشروع قرار قطع العلاقات مع الدولة العبرية كانت أصوات أخرى في الائتلاف لا تمانع إقامة تلك العلاقات، أو على الأقل من وجهة نظر زعيم حزب التجديد الموريتاني المصطفى ولد إعبيد الرحمن من الصعب التحلل منها كونها باتت أمرا واقعا سوف تدفع أي حكومة موريتانية قادمة ثمن التراجع عنه بسبب الضغوط الدولية التي تحفظت غداة الانقلاب الأخير على العسكر حتى تبين أنهم لن يقدموا على خطوة قطع العلاقات.
لكن زعيم حزب تكتل القوى الديمقراطية أحمد ولد داداه ظل يتجنب الخوض في تلك المسألة حسب الصحفي "ولد حيدر" من يومية "الأخبار" واسعة الانتشار؛ إذ يرى أن الأحزاب الكبيرة كحزب التكتل لن تغامر بمستقبلها بالإعلان صراحة في برامجها الانتخابية عن عزمها قطع تلك العلاقات.
ويضيف "حيدر": وفي حالة ما إذا قرر البرلمانيون الجدد طرح قضية العلاقات الإسرائيلية على البرلمان فإنه من المحتمل فعلا أن تجد من يتبناها، لكنه من الصعب المصادقة عليها؛ نظرًا لاعتبارات أغلبها خارجية.
العبودية...
ويعتقد عبد الله ولد محمد من حزب التحالف الشعبي التقدمي الذي يرأسه أحد رموز محاربة العبودية في موريتانيا أن مشاريع القوانين التي ستطرح على النواب سيكون من بينها مطالبة المجلس النيابي بالتصديق على قوانين جديدة تحد من العبودية وتجرم مرتكبيها، وموازاة مع ذلك تقر إصلاحات اقتصادية تذيب الفوارق الاجتماعية التي يعتقد أنها من أبرز سمات "الطبقية" في المجتمع الموريتاني، على حد تعبيره.
وكان التحالف الشعبي التقدمي قد وضع على رأس لائحته الجهوية (البلدية) على مستوى العاصمة نواكشوط المعلومة بنت بلال، زوجة مناهض الرق أبو بكر ولد مسعود، وتمكنت من الفوز بلائحة الحزب في البرلمان.
النفط..
وفيما يتوقع أن يسعى كل طيف سياسي إلى التصديق على مشاريع القوانين التي تخدم مبادئه، فإن يعقوب ولد الداه من حزب تكتل القوى الديمقراطية ينادي بأن تطرح مواضيع تمس الحياة السياسية والاقتصادية الأساسية ضمن بنود القوانين التي سوف تبعث بها الحكومة إلى البرلمان.
ويضيف ولد الداه أن اتفاقيات النفط التي أبرمتها الحكومة مع الشركات العاملة في التنقيب عن الذهب الأسود في موريتانيا ستكون مثار تمحيص وتدقيق من طرف نواب البرلمان الذين عليهم حسب المصدر أن يناقشوها بشفافية بعيدا عن عوامل التأثير الأخرى، مطالبا بتطبيق قوانين محاربة الرشوة على الذين يثبت عليهم تلقى رشاوى فيما يتعلق بصفقات النفط.
وقد أثارت اتفاقيات سابقة بين الحكومة الموريتانية وشركات تنقيب أسترالية جدلا كبيرا اتهم فيه أحد الوزراء في حكومة ولد الطائع بإبرام صفقة مشبوهة مع شركة وود سايد الأسترالية سببت خسارة كبيرة لموريتانيا، لكن الحكومة الانتقالية وبعد فتح تلك الملفات تمكنت من كسب جولة المفاوضات برعاية دولة خليجية تنازلت بموجب الاتفاق حينها الشركات الأسترالية عن قيمة 100 مليون دولار لصالح الحكومة الموريتانية، فيما برأت حكومة نواكشوط ساحة وزير النفط السابق وأطلقت سراحه.
الوزير المذكور ترشح عن الحزب الجمهوري (الحاكم سابقا) للبرلمان الجديد، وتمكن
من الصعود إلى الدور الثاني بعد منافسة قوية مع حزب التحالف الشعبي التقدمي. وفي هذا الإطار، فإن المراقبين يتوقعون فوزه في جولة الإعادة الثانية، وفي حالة حدوث ذلك فإن الوزير السابق سيعود إلى المشهد السياسي هذه المرة نائبا.
**كاتب صحفي.
|