English

 

الخميس. يونيو. 19, 2003

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » موريتانيا

 
أهم الأخبار  

موريتانيا.. من الانقلاب العسكري إلى الانقلاب السياسي

بقلم - عبدوتي ولد عال

Image
نواكشوط - وصف الكاتب والروائي الموريتاني أحمد ولد السالك ما حدث في يومي 8 و9 من يونيو الجاري في نواكشوط بأنه "11 سبتمبر الموريتاني"، وقد كان كذلك بالفعل من حيث المفاجأة والسرعة، وإن اختلف في التفاصيل والأطراف والبواعث؛ فهل ستتفق النتائج وردود الفعل بأن يزيد هذا الحدث السلطات الموريتانية تصلبا كما حدث في أمريكا بعد "قارعة 11 سبتمبر"، أم أنه سيكون باعثا لها على التغيير والاستفادة من هذا الدرس؟

تابع في هذا المقال:

أسباب الانقلاب

1- الأوضاع السياسية:

داخليا: توفرت للانقلابيين ظروف مشجعة للقفز على السلطة بعد أن شهدت البلاد احتقانا حقيقيا في الأشهر التي سبقت الانقلاب؛ فقبل سنة حُظِر أكبر أحزاب المعارضة "اتحاد القوى الديمقراطي– عهد جديد"، ورغم أن السلطة تلافت هذا الخطأ بعد ضغوط داخلية وخارجية بتشريع حزب جديد لمناضلي الحزب المحظور؛ فإنها لم تلبث أن حظرت أحزابا أخرى كان أولها حزب "العمل من أجل التغيير" الذي يدافع عن حقوق فئة الخراطين (المسترقين السابقين)، وذلك بعد أن حقق نتائج باهرة في الانتخابات التشريعية والبلدية السابقة، وتلا ذلك حظر أحزاب أقل حجما كـ"حزب النهوض البعثي"، و"الحزب الموريتاني للدفاع عن البيئة".

ولكن السلطات الموريتانية لم تكتفِ بحظر الأحزاب، بل تجاوزت ذلك إلى اعتقال القيادات السياسية ذات الشعبية الكبيرة؛ ففضلا عن اعتقال رئيس "الجبهة الشعبية" الدكتور الشبيه ولد الشيخ ماء العينين الذي يقضي حاليا عقوبة بالسجن لمدة 5 سنوات بتهمة التآمر على أمن البلاد؛ فقد شهد شهر مايو المنصرم حملة طالت أعدادا تجاوزت المائة من الناشطين الإسلاميين، إضافة إلى 11 شخصا من القيادات البعثية، بتهم مختلفة تتراوح بين العمل من خلال جمعيات غير مرخصة، وتنتهي بالتآمر على الدستور وأمن البلاد الداخلي والخارجي.

 وكانت السلطات بذلك كمن يجمع الخصوم بدل المؤيدين قبيل الانتخابات الرئاسية المقررة في السابع من نوفمبر القادم؛ فقد طالت يد الحكومة بذلك كل مناضلي التيارات والقوى السياسية في البلاد، وتجاوز السخط المثقفين والمتسيسين إلى عامة الشعب بعد اعتقال مجموعة من الأئمة والعلماء الذين يحظون بشعبية واسعة بين عامة الشعب.

كما أن الصحف لم تسلم من موجة التقييد والحظر؛ ففضلا عن المصادرات المتكررة عمدت السلطات -أياما قبل الانقلاب- إلى حظر تداول صحيفة "الراية" ذات الانتشار الواسع بتهمة "التخريب وعدم التسامح"، رغم أن كل الصحف في موريتانيا لا تصل إلى القارئ إلا بعد حصول أعدادها المطبوعة على ترخيص بالتوزيع، بعد أن تكون الوزارة قد قرأت العدد وأجازته.

وعلى المستوى الإقليمي: فإن الكثيرين في موريتانيا يحسدون جيرانهم على التغيير الذي تحقق بشكل سلمي؛ ففي السنغال ومالي الجارتين الإفريقيتين حدث انتقال سلمي للسلطة بانتخابات حرة جاءت بالمعارضة إلى السلطة في استحقاقات شهد الجميع بنزاهتها، وفي الشمال استطاعت المعارضة أن تشكل الحكومة المغربية فيما تغيرت السلطة السياسية في الجزائر عدة مرات.. حدث كل ذلك في الوقت الذي لا يبدو في الأفق أي بصيص أمل في التغيير لا من داخل النظام ولا من خارجه في موريتانيا قبل الانقلاب.

لكن الموريتانيين في الوقت نفسه كانوا عشية الانقلاب يخشون ما حصل ويحصل في القارة الإفريقية من صراع دموي في الدول التي لا تقبل التداول السلمي على السلطة؛ وهو ما أدى إلى انهيار نظام إنج بليكس باتاسي في جمهورية وسط إفريقيا في الخامس عشر من مارس الماضي، كما أن نظام تشارلس تايلور الذي يعد الآن أيامه الأخيرة في السلطة يدخل في نفس السياق، وكذلك الحالة مع لانسانا كونتيه في غينيا، وربما تكون الضحية القادمة لهذه الاضطرابات هو حكم الجنرال فانسينجي أياديما في توجو، ولعل موجة الاضطرابات والقلاقل هذه هي التي دعت الاتحاد الإفريقي إلى اتخاذ قرار بعدم الاعتراف بأي رئيس دولة وصل إلى السلطة بطرق غير دستورية، ولكن الاتحاد الإفريقي كان بإمكانه أن يتفادى هذا الوضع من الأساس لو اتخذ آلية لإلزام الدول باحترام المبادئ الديمقراطية والتحاكم إلى صناديق الاقتراع والتداول السلمي على السلطة.

أما على المستوى الدولي: فإن السلطات الموريتانية كانت قد ركبت بحماس زائد موجة مكافحة الإرهاب، ومسار التطبيع مع دولة الاحتلال الصهيوني، رغم السخط الشعبي الكبير المرافق لكل تحرك في هذا الاتجاه.

 ورغم أن السلطات الموريتانية كانت تسعى بالأساس إلى إغلاق ملف حقوق الإنسان من طرف الولايات المتحدة، وهو ملف حساس لأنه يمس ضباطا كبارا في الجيش الموريتاني، وربما يتعداهم إلى جهات عليا "حيث تتهمهم منظمات حقوقية دولية بقتل بعض الضباط والجنود السود بعد الانقلاب الذي قاده الزنوج على حكم ولد الطايع سنة 1989".. فإن السياسة الخارجية انتقلت في مجال علاقاتها الخارجية مع الولايات المتحدة الأمريكية من مرحلة التعاون "التكتيكي" لتحقيق مصالح آنية إلى مرحلة التحالف الإستراتيجي الذي يتجاوز حجم الدولة وقدرتها على إدارة الأزمات، وبقدر ما يوفر هذا التحالف للنظام الموريتاني من ميزات ودعم؛ فإنه يخلق له سخطا داخليا وعداء مع حلفائه التقليديين وبالتحديد فرنسا.

2- الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية

إضافة إلى الأزمة السياسية فإن المعاناة الاقتصادية التي يعيشها المواطن العادي شكلت دافعا للتعبير الدائم عن السخط على الأوضاع؛ فالأسعار في ارتفاع دائم، في الوقت نفسه فإن الزيادات في الأجور معدومة أو رمزية، وتأكل الضرائب معظمها.. هذا في حين تخلت الدولة عن دورها في مجالات حساسة كالصحة، في الوقت الذي يئن فيه الموريتانيون تحت غلاف ضريبي متنوع وقاس لا يجدون في مقابله أي خدمات تذكر، ويزيد من الإحساس بالسخط الفساد المالي والإداري الذي أصبح "مفخرة" بعد أن كان "سبة"، ولم يعد غريبا أن يبني موظف حكومي حديث العهد بالمنصب منزلا فخما يحتاج بناؤه إلى راتبه "لقرون قادمة"، دون أي إحساس بذنب أو خوف من رقيب؛ فقد أدى الانفتاح الاقتصادي إلى انهيار منظومة القيم التقليدية لتحل محلها قيم "مادية" تحدد قيمة الشخص بحسب ما يملك، ولا تسأل عن الطريقة التي استطاع تحصيله بها. وانقسم المجتمع إلى فئتين متباعدتين: أقلية تملك "الملايين والمليارات"، وأغلبية تعاني "تكد لتحصيل كسرة خبز".

وقد أدى الفرق الكبير بين ما تعلنه السلطات من أرقام متفائلة عن الوضع الاقتصادي وما يعيشه المواطن في الميدان.. إلى انعدام الثقة في كل ما تقوله وسائل الإعلام الرسمية، ورغم أن الموريتانيين تفاءلوا خيرا بالاكتشافات النفطية في البلاد؛ فإنهم ما لبثوا أن اكتشفوا تواضع الكميات المعلن عن اكتشافها، وعدم الثقة في جدواها الاقتصادية، فضلا عن وجود من ينتظرها من أكلة المال العام. 

ملابسات الانقلاب

22 ضابطا من الضباط الشباب شكلوا التعبير الأعنف عن الأزمة المستحكمة التي خلقها "هذا الوضع السيئ"، بعض هؤلاء الضباط مفصولون من الجيش بسبب التعبير عن رفضهم للأوضاع المزرية التي يعيشها الجنود، ولمعارضتهم التطبيع مع إسرائيل، وبعضهم ممن هم في الخدمة يعانون هيمنة "أعضاء اللجنة العسكرية للخلاص الوطني" التي حكمت البلاد منذ الإطاحة بالرئيس المختار ولد داداه في 10 يوليو 1978، وما زالت تحكم البلاد من خلال تعاقب عدة أعضاء منها.

ورغم الانتقال الشكلي إلى "الديمقراطية"، وفي الوقت الذي يعاني فيه الضباط الصغار من الظروف الاقتصادية السيئة، ينعم القادة الكبار في بحبوحة من العيش؛ حيث يتبع لكل منهم قطاع من الجيش أو شركة كبرى من شركات البلاد المدرة للعملات الصعبة (أصغر أعضاء اللجنة العسكرية سنا هو العقيد محمد الأمين ولد إنجيان الذي قتل في الانقلاب، والذي كان يشغل منصب قائد أركان الجيش الموريتاني).

وبينما تشكلت ثقافة معظم الضباط الشباب في مناخ التعريب، وتدرب العديد منهم في مدارس عسكرية عربية؛ فإن الضباط الكبار درسوا في مناخ مفرنس، وتدربوا في مدارس عسكرية فرنسية وغربية، ويمتد التناقض إلى مدى الالتزام بالمبادئ العسكرية أيضا؛ ففي حين آثر "أعضاء اللجنة العسكرية" حياة الرفاهية ونسوا كثيرا من خشونة العسكرية، لا يزال الضباط الشباب حديثي عهد بميادين التدريب، وما زالت أذهانهم مشحونة بالتنظير العسكري الذي يحض على حماية الوطن ومقدراته.

ورغم قلة عدد الانقلابيين؛ فإن توزعهم على أهم وحدات الجيش الموريتاني (كتيبة المدرعات، سلاح الجو، الاستخبارات العسكرية)، والظروف السياسية المحتقنة.. شجعاهم على الاقتناع بأن الفرصة قد حانت، واثقين من عزيمتهم ومبدئهم، وإن كانت جرأتهم الزائدة قد شكلت سببا في انفلات الأمر من أيديهم؛ حيث لم يحسنوا تخطيط الانقلاب، وغفلوا عن جوانب مهمة "سياسية وإعلامية" وسط زحمة انشغالهم بتحقيق النصر "العسكري" الكامل في الميدان.

استطاع الانقلابيون في 12 ساعة بسط سلطتهم على كل شيء مهم في نواكشوط (القصر الرئاسي، قيادة أركان الجيش، قيادة أركان الدرك، الإذاعة، التلفزيون)، ومع ذلك فقد فشل انقلابهم في النهاية؛ نتيجة للعوامل التالية:

1- الفشل الإعلامي: فقد فشلوا في القيام بأشياء أخرى ضرورية من قبيل "إذاعة بيان الانقلاب"، أو حتى الاتصال بمراسلي وكالات الأنباء لتسليمهم البيان مكتوبا؛ بسبب تعطيل أجهزة البث، وانشغال بعض المكلفين بمهمة الإعلام بالقتال الميداني، وقد شكل هذا الغموض السبب الرئيسي في فشل الانقلاب.

2- قلة أعداد الجنود الذين لم يتجاوزوا 600 فرد على أكثر تقدير، وهو عدد لا يمكنه بسط السيطرة على مدينة كبرى في ظرف خطير كظرف الانقلاب، كما أنهم لم يتمكنوا من السيطرة على مخازن الذخيرة المحيطة بنواكشوط التي وعدهم قائدها بالتعاون معهم أول الأمر، ثم قرر فيما بعد دعم القوات النظامية.

3- تمكن الرئيس ولد الطايع من الاختفاء في مكان آمن، وتنسيق جهود المقاومة، خصوصا أن الانقلابيين لم يتصلوا قبل انقلابهم بأحد من عناصر اللجنة العسكرية للخلاص الوطني التي تحكم عناصرها البلاد منذ 35 سنة؛ مما جعل هؤلاء يعتبرون الانقلاب ضدهم وليس ضد الرئيس ولد الطايع فقط، وكان استشعارهم بالخطر عاملا مهما في ثباتهم في المواجهة.

4- تهاون الانقلابيين: حيث كانوا يطلقون سراح من لا يقبل التعاون معهم من ضباط الجيش ليعود إلى حيث أتى، وهو ما سمح لهؤلاء الاتصال بقيادتهم والتنسيق معها لإفشال الانقلاب، كما أن ترك الاتصالات مفتوحة طوال أيام الانقلاب سهل عملية الاتصال بين مختلف أجهزة الحكم بسهولة؛ مما كان له الأثر الأكبر في سرعة السيطرة على الوضع باستدعاء فرق من داخل البلاد، فضلا عما قيل من دعم لوجستي من أطراف خارجية.

نتائج الانقلاب

الانقلاب الذي كان "هزة عنيفة" -حسب وصف رئيس الجمعية الوطنية (البرلمان) في خطابه بالمناسبة في أول اجتماع للبرلمان بعد المحاولة الانقلابية- شككت في ثوابت عديدة كانت راسخة قبله؛ فقد اهتزت الثقة كليا في ولاء المؤسسة العسكرية، التي كانت الضامن الأساسي لنظام الحكم في موريتانيا، وانعكس هذا الاهتزاز في إسراع ولد الطايع إلى تعيين قادة جدد لمختلف فروع القوات المسلحة والمؤسسات العسكرية الحساسة في أقل من أسبوع من المحاولة الانقلابية.

من ناحية أخرى فإن هيمنة ضباط قبيلة أولاد الناصر على الانقلابيين (7 من أصل 22، منهم قائد الانقلاب صالح ولد حننا)، وتواجدهم الكبير في الجيش سيخلق مشكلة حقيقية لولد الطايع إن هو قرر تطهير الجيش منهم، خصوصا بعد أن اتضح أن التسريح من الجيش لا ينهي المشكلات، بل يخلق قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت.

ومن نتائج الانقلاب أيضا اهتزاز الثقة في ولاء مناطق الدعم التقليدية في الشرق الموريتاني، التي كانت أهم رصيد انتخابي لولد الطايع في كل الاستحقاقات الانتخابية السابقة، والتي يعول عليها النظام في الانتخابات القادمة. حيث شكل ضباط المناطق الشرقية في الانقلاب (17 ضابطا من أصل 22)، ولا شك أن طبيعة تعامل ولد الطايع مع هذه الأزمة ستؤثر في طبيعة العلاقة بين ولد الطايع والمناطق الشرقية.

المحاولة الانقلابية أيضا خلطت الأوراق السياسية؛ فبدل انشغال النظام الموريتاني بالإسلاميين باعتبارهم الخطر الأول، وترتيب حملة إعلامية تشويهية لهم، وفتح السجون لاستقبالهم، وإغلاق أهم مؤسسات التعليم والدعوة والعمل الخيري التي يعملون من خلالها، ومحاولة التضييق على الدعوة في المساجد.. اكتشفت السلطات أن خطرا آخر جارفا كاد أن يحطم النظام بالكامل، وأنه يستدعي وقفة لتفهم أسبابه، وتفكيك عناصره، ومعرفة مكامن الخلل في المؤسسة العسكرية التي كانت وراءه حتى لا تتكرر المحاولة مرة أخرى.

ومن ناحية أخرى، ورغم إعلان السلطات أن الانتخابات ستجرى في موعدها العادي (7 نوفمبر 2003)؛ فإن أجواء الحذر التي تسود حاليا لن تكون ملائمة لانتخابات نزيهة مفتوحة أمام مختلف الفرق السياسية، وربما يأتي موعد الانتخابات والأوراق لم تعد إلى ترتيبها الطبيعي بعد؛ وهو ما يعني انتخابات صورية شكلية ستعقد الأمر، وتزيد من الإحباط، وتعيد الجميع إلى نقطة الصفر.

والخلاصة: أن الانقلاب قد فشل "عسكريا"، ولكنه نجح سياسيا؛ فقد استطاع الانقلابيون إيصال رسالة ملطخة بالدماء؛ مفادها أن البديل عن "صناديق الاقتراع" هو بلا شك "صناديق الذخيرة"، وهو بديل مرعب حقا في بلد هش إثنيا، وفقير اقتصاديا، وحساس جيبوليتيكيا.

 


  **  أستاذ بجامعة نواكشوط.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات