|
| د. سيف عبد الفتاح أستاذ النظرية السياسية |
"مشروع الشرق الأوسط الكبير: جدال الداخل والخارج ومستقبل المنطقة العربية" كان هو عنوان المؤتمر السنوي التاسع عشر لـ"مركز "البحوث والدراسات السياسية" بجامعة القاهرة، والذي عقدت جلساته بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في الفترة ما بين 26 و29 ديسمبر 2005. ارتكز المؤتمر على الخبرات العربية المختلفة في "الإصلاح" على مدى السنوات الأربع الماضية مسلطا الضوء على إشكالية العلاقة بين الداخل العربي والخارج الغربي، في ظل إستراتيجية أكبر دولة في العالم.
وقد خرج المؤتمر بعدة نتائج، يمكن إيجازها فيما يلي:
ـ إن معايير الإصلاح التي أخذت بها البلدان العربية، سواء كان "التطور التشريعي" أم "إنهاض المجتمع المدني"، لم تؤت ثمارها حتى الآن.
ـ إن الفجوات والدعاوى و"التصديرات" تمثل عراقيل أساسية في مسيرة الإصلاح العربي.
ـ إن المقايضة السلسة هي أصل العلاقة بين الداخل والخارج، وليست مسألة الديمقراطية.
ـ إن مشروع الشرق الأوسط الكبير لم ينته بعد كما يشاع إعلاميا.
التطور التشريعي.. إنجاز أم فشل؟
كان "التطور التشريعي العربي" إحدى المحطات المهمة التي وقف عندها المؤتمر، باعتباره أحد معايير الإصلاح من الوجهة النظرية. وعكست ورقة الدكتورة "علا أبو زيد" أستاذة العلوم السياسية بالكلية مظاهر ذلك "التطور" عبر استعراض التعديلات القانونية الخاصة بالمرأة العربية، والتي اكتسحت المنطقة العربية في السنوات الأخيرة؛ وأشارت إلى أن هذه التعديلات تنم عن رغبة واضحة من قبل المنظومة الدولية في تغيير المنظومة الشرعية المتعلقة بالمرأة العربية؛ مؤكدة بأن المنظومة الدولية لا تمثلها فقط الولايات المتحدة وإنما أيضا الأمم المتحدة التي تراقب عن قرب كل ما يصدر من الدول العربية في منظوماتها التشريعية، وذلك عبر لجان متخصصة مثل الـ UNIFAM والـ UNDP. بلغة أخرى، إن القوى الدولية لا تقوم بـ"إصلاح" التشريع العربي، إنما تقوم بترويج ثقافة قانونية معينة، ستؤدي في النهاية إلى مساواة الرجل بالمرأة في المنطقة العربية.
وتنوه أستاذة العلوم السياسية عن خطورة الاتفاقات الدولية التي أبرمت بخصوص ذلك الشأن؛ إذ إن مجرد انضمام الدول العربية إليها يعني الإذعان الأدبي والالتزام المادي بها. كما تنوه إلى خطورة الأنشطة المتعددة والمستفحلة التي تقيمها نقابة المحامين الأمريكيين في ذلك الشأن التشريعي العربي، وكيفية انتقاء النقابة للشخصيات والمؤسسات والجهات العربية التي يمكنها أن تساندها في ذلك الأمر. وتجسيدا لتلك الأنشطة الأمريكية، ضربت الدكتورة "علا أبو زيد" مثلا واضحا بورشة "المرأة والقانون" التي عقدت في فبراير 2004.
وتنفي أستاذة العلوم السياسية الفكر التآمري، معللة ذلك بالوضوح الشديد الذي تبدو عليه الإدارة الأمريكية والأمم المتحدة في عرض مشاريعهما القانونية والتشريعية في المنطقة العربية. فالإدارة الأمريكية ترى في تلك المشاريع تحقيق مصالحها القومية وأمنها القومي؛ وهي لا تجد غضاضة أو حرجا في السعي وراء مصالحها وأمنها، وفي إظهار ذلك على الملأ. أما المشكلة الحقيقية فتكمن في الأنظمة العربية التي لا تسأل نفسها ولو لحظة واحدة عن مدى اتفاق تلك المشاريع الأمريكية مع مصالحها القومية وأمنها القومي.
وتعقيبا على ورقة الدكتورة "علا أبو زيد"، تحدثت الدكتورة "أماني صالح" عن مهازل "التطور التشريعي العربي" التي ضيقت الخيارات المتاحة أمام المرأة العربية؛ فبعد أن كانت مخيرة بين أحكام الفقهاء المتعددين، بات لزاما عليها الخضوع للأحوال الشخصية المقننة. هذا إضافة إلى ما أفضى إليه ذلك "التطور" من تعقيد بسبب تباين مستويات التطور التشريعي في أرجاء الوطن العربي؛ فضلا عن البيئة الصراعية التي تحيط بعملية التطور؛ تلك البيئة التي تتجاذبها مختلف القوى والتيارات: علمانية ودولية، سلفية، وأصولية، وعشائرية.
وفي سبيل تحرير قضايا المرأة من العمليات السجالية والصراعية العنيفة التي أدت إلى اغتيال العقل والفعل معا - كما أشار الدكتور "سيف الدين عبد الفتاح" أستاذ النظرية السياسية بالكلية والمعقب في جلسات المؤتمر- فإن الأمل الوحيد هو إخراج تلك القضايا من الإطار السياسي المؤدلج، وتحريرها من إصار الدولة العربية.
المجتمع المدني.. عامل تهديد أم قوة؟
يعتبر المجتمع المدني مؤشرا ثانيا على "الإصلاح"؛ إذ بات المجتمع المدني شريكا في عملية الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي. والسؤال الذي طرحه المؤتمر: هل شهدت المجتمعات العربية في السنوات الأخيرة نهوضا في المجتمع المدني العربي، ومن ثم خطوة تجاه الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي؟ وإجابة على هذا السؤال، أفاد الدكتور "إبراهيم البيومي غانم" الأستاذ الباحث بمركز البحوث الجنائية بالقاهرة بأن الدولة العربية المقيَدة والمقيدة أثرت بالسلب على المجتمع المدني العربي، الأمر الذي أعاق نهوضه، ومن ثم أعاق الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي تباعا.
فقد نجحت الدولة الشمولية العربية في تدمير الثقافة المدنية العربية من خلال التأكيد المستمر على مبدأ "الدولة الراعية" التي تتكفل بكل شيء والتي تحل محل كل شيء على حساب المشاركة المدنية والشعبية؛ الأمر الذي أدى إلى انكفاء المجتمعات العربية على ذاتها، وضمور الثقافة المدنية المناضلة. هكذا كانت وما زالت البيئة الثقافية التي تعمل فيها الجماعات المدنية العربية.
إن استقلال الدول العربية من الاحتلال البريطاني والفرنسي والإيطالي، الذي أتبعه وصول الحركات الوطنية إلى السلطة، مثل وبالا على المجتمعات المدنية العربية، كما يشير الدكتور "غانم"؛ إذ لم تقم تلك الحركات فقط بالاستيلاء على السلطة بل بالاستيلاء أيضا على المجتمعات المدنية قسرا وقانونا، بخلاف الحركات الوطنية قبيل الاستقلال، التي كانت تحمي المجتمعات المدنية العربية وتدعمها. وأكبر ضرر ألحقته الدولة العربية الحديثة بالمجتمع المدني العربي، ضربها للبنية المدنية الأساسية التي كانت تمول المشاريع الخيرية، وهي بنية الأوقاف النابعة من رحم المجتمع العربي؛ الأمر الذي أفضى في النهاية إلى مد الأيدي المدنية العربية إلى الخارج، كما نرى اليوم.
ومن ثم، فإنه ليس غريبا أو عجيبا أن يكون الإطار القانوني على المستوى العربي محددا لفعالية المجتمعات المدنية العربية؛ فنجد في تونس، على سبيل المثال، قانونا يجرم التبرع، ونجد قانونا آخر يعاقب واهب الوقف بالسجن. إن القاعدة تقول، للأسف الشديد، إن الدولة العربية، حتى ولو كانت صغيرة وفاشلة، فهي تتبنى حتما مفهوم الحكومة الكبيرة.
وحينما اضطرت الدولة العربية تحت الضغوط الأمريكية الأخيرة إلى التراجع عن سيطرتها (قليلا) لتفسح المجال للمجتمع المدني لكي يتنفس الصعداء بعد قرابة ستين عاما من الكبت والتحجيم، انكشف ضمور المجتمع المدني العربي، وانكشفت هشاشة مؤسساته التي عانت أشد المعاناة في ظل الاستفحال البيروقراطي الحكومي العربي. وهو الأمر الذي أعطى الفرصة الذهبية للولايات المتحدة لكي تنفذ من خلال تلك العيوب المجتمعية العربية، ولكي تدخل بمبادرة الشرق الأوسط الكبير. ولم تلاق تلك المبادرة أي تصد حقيقي من جانب الأنظمة العربية التي اكتفت بالإعلان عن مبادرتين يتيمتين (بيروت والإسكندرية). فهما بالرغم من بلاغتهما الشديدة، فإنهما خلتا من المضمون، كما يشير الدكتور "غانم"؛ هذا إضافة إلى ما احتوتاه من حديث سلبي عن الثقافة الدينية. هذا كله أدى في النهاية إلى حقيقة واحدة، استخلصها الدكتور "غانم" في نهاية حديثه، وهي أن المجتمع المدني العربي لم يصل ليكون عنصرا من عناصر التماسك الاجتماعي الأمني العربي؛ فضلا عن أن الأمن السياسي العربي ساقط بكل المعايير، سواء بالمجتمع المدني أو بدونه؛ وما نشهده في العراق وفلسطين خير دليل على ذلك. بل إن اعتماد معظم المؤسسات المدنية العربية على الدعم الخارجي لن يزيد الأمن القومي العربي إلا تهديدا.
فجوات ودعاوى وتصديرات
وتبعا للرؤية التحليلية للدكتور "سيف الدين عبد الفتاح"، فإن هناك ثلاث أزمات تعرقل أي إصلاح سياسي عربي: الفجوات والدعاوى والتصديرات. فأما الفجوات، فهي التي تتواجد، في ساحتنا العربية، على عدة مستويات: الفجوة بين السياسي والمدني والديني، الفجوة المعلوماتية، الفجوة الماثلة بين التصور والصورة، وأخيرا فجوة الممارسات التي بمقتضاها تحال الممارسات الخاطئة على الإسلام. ويؤكد الدكتور "عبد الفتاح" أن وجود مثل هذه الفجوات يؤدي إلى حدوث منازعات انقسامية بين التيارين الأساسيين في المنطقة العربية: التيار العلماني الذي لا يؤمن بأن الدين له دور في المجتمع المدني، والتيار الإسلامي الذي يؤمن بأن الإسلام هو الأساس المعرفي للمجتمع المدني. ومن ثم، فإن تلك المنازعات من شأنها أن تؤخر عملية الإصلاح السياسي في المنطقة العربية.
وأما الدعاوى، فهي تتمثل في مسائل يروج لها داخليا وخارجيا، بهدف تعطيل مسيرة الإصلاح والتحول الديمقراطي. منها دعاوى تقول بأن وصول الإسلاميين إلى الحكم سيقوض جميع الحريات؛ وهي دعاوى تحكم على نوايا البشر، الأمر الذي لا يقبله أستاذ النظرية السياسية. ومنها دعاوى "الأقلية" التي تروج لمقولة إن الأقلية بطبيعتها مستضعفة، وهي من الدعاوى المفخخة التي يدسها الخارج في وسط البلدان العربية التي لم يشهد تاريخها على مفهوم "الأقليات المستضعفة".
وأما التصديرات، فيقصد بها الدكتور "عبد الفتاح" كل ما يصدر إلينا من الخارج ليشتتنا عن مشكلاتنا الأساسية، ويلهينا بمشكلات أخرى لا تهمنا ولا تخصنا على الإطلاق، بل تضيع وقتنا وتبدد طاقتنا في مسيرة الإصلاح. ومن تلك التصديرات، الطبيعة الصراعية بين الديني والمدني والسياسي؛ وهي علاقة لم تتواجد البتة في مجتمعاتنا المسلمة الأولى. فالإسلام - كما أشار الدكتور "غانم" - جاء بالأساس لنقض السلطة الدينية وتأسيس سلطة مدنية، وجاء لتحرير العقل وإطلاقه من أسر التقليد والخرافات؛ ومن ثم لم يتميز الحيز الديني عن الحيز السياسي عن الحيز الاجتماعي المدني.
المقايضة السلسة بين الداخل والخارج
أجمعت جلسات المؤتمر -كما أوجزت الأستاذة "باكينام الشرقاوي" مدرسة العلوم السياسية بالكلية- على حقيقة واضحة: وهي أن الداخل صار الآن في قمة ضعفه، مما شجع الخارج على ممارسة موجة شرسة من التدخل غير المسبوق في مختلف المجالات؛ وأن الديمقراطية باتت هي الحل أو المنقذ الوحيد في الداخل سواء على لسان الحكومات العربية الضعيفة أو على لسان حكومات الخارج، وبالأخص الولايات المتحدة؛ وأن الحكومات العربية لم يعد لديها بدائل لذلك الحل الديمقراطي.
ونتيجة لتلك المعطيات، حدث هناك نوع من المقايضة السلسة بين الحكومات العربية الضعيفة المتهاوية والخارج المستغل لذلك الضعف والهوان. بمعنى أن كل طرف حدد أولوياته، وقايض الطرف الآخر عليها. فالحكومات العربية اتفقت مع الولايات المتحدة على أن تدعم أولوياتها -وهي أمن إسرائيل وتأمين موارد النفط- في مقابل أن تقوم الولايات المتحدة هي الأخرى بدعم أولويات الحكومات العربية، وهي البقاء في الحكم؛ ومن ثم، أضحى مفهوم "الديمقراطية" مجرد أداة أو فزاعة، لا هدفا أصيلا بعينه؛ ومن ثم، اتفق الطرفان على الإصلاح المحدود لتحقيق مصالح كلٍ منهما؛ الأمر الذي يدل على عدم رغبة حقيقية في الإصلاح سواء من قبل الأنظمة العربية أو من قبل الولايات المتحدة. ويدعم من انعدام تلك الرغبة الحكومية العربية، التفكك العربي/ العربي والعربي/الإسلامي، وغياب رؤية عربية إستراتيجية شاملة.
مشروع الشرق الأوسط الكبير لم ينته بعد
|
|
|
د. نادية مصطفى مديرة مركز البحوث والدراسات السياسية بجامعة القاهرة
|
على الرغم من أن الضغوط "الإصلاحية" الخارجية قد خفت إعلاميا، فإن مشروع الشرق الأوسط الكبير -كما تؤكد الدكتورة "نادية مصطفى" رئيسة "مركز البحوث والدراسات السياسية"- لم ينته بعد. فإن هذا المشروع، وهو مشروع الإستراتيجية الأمريكية، مستمر في تحقيق "الإنجازات" على الأصعدة والأبعاد المختلفة، خاصة الأبعاد الثقافية والاجتماعية؛ وهو فوق ذلك محاط باحتلال عسكري فج.
فالإدارة الأمريكية تستخدم المداخل الأمنية والثغرات الاجتماعية لتفرض أجندتها التي تحقق مصالحها؛ وهي تعلم جيدا تلك الجهات العربية التي ستساعدها على تحقيق مصالحها في المنطقة؛ وهي تدرك جيدا من ستخاطب في تلك المهمة؛ وأخيرا هي ترى أن مصالحها الحالية في العالم لا تقتصر فقط على حدود المنطقة الجغرافية العربية، بل تتعداها إلى إيران وإندونيسيا وماليزيا و....و.....؛ الأمر الذي يطرح سؤالا مهما، كما ترى رئيسة المركز، وهو: هل يجب توسيع مصلحتنا الأمنية بالمثل، لتمتد إلى ما وراء الحدود العربية؟.
اقرأ أيضا:
باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
|