English

 

الثلاثاء. فبراير. 21, 2006

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » إستراتيجيات » قراءات عربية

 
أهم الأخبار  

التحول الديمقراطي العربي.. في طور تسلطية تنافسية

مرونة الطلب على الديمقراطية عربيا

بقلم - معتز بالله عبد الفتاح

جانب من إحدى تظاهرات حركة كفاية المصرية
الثقافة السياسية متغير شديد الأهمية في تفسير واستشراف مستقبل الديمقراطية العربية على أكثر من مستوى. فواحدة من أنماط التحول الديمقراطي هي الثورة الشعبية أو الضغوط من أسفل الهرم السياسي. وهذه الثورة لن تفضي إلى تحول ديمقراطي إلا إذا كان هناك يقين لدى قطاع واسع من المواطنين أن الديمقراطية هي أفضل نظام حكم متاح، مهما اعتراه من عيوب أو مشكلات وهو ما يفتح الطريق نحو التساؤل عن مرونة الطلب على الديمقراطية في الوطن العربي.

كما أن استدامة الديمقراطية ورسوخها Democratic Consolidation تتطلب أن تكون التفضيلات السياسية تجاه الديمقراطية على حساب ما عداها من نظم مهما كانت التحديات.

والحالة الأسبانية قدمت مثالا هاما في هذا المقام. ففي ظل فرانكو كانت نسبة البطالة في أسبانيا الأقل بين كافة دول أوروبا الغربية. ووصلت إلى حوالي 20% خلال منتصف الثمانينيات لتصبح الأعلى بين كافة دول أوروبا الغربية إلا أن تمسك الأسبان نخبا وشعبا بالديمقراطية لم يتراجع وفقا لاستطلاعات الرأي التي أجريت آنذاك.(1)وعلى هذا الأساس يكون من المفيد دراسة مدى استعداد وتمسك الدول العربية بالديمقراطية قيما ومؤسسات.

وهو ما يتطلب في الحالتين العودة إلى المتاح من البيانات الميدانية عن الثقافة السياسية العربية.

أولا: قبول الثقافة السياسية العربية للديمقراطية:

خرجت عدة دراسات ميدانية في آخر 10 سنوات عن المنطقة العربية(2)لتناقش توجهات المواطنين العرب تجاه قيم الديمقراطية. وقد استفاد الباحث من البيانات التي وفرتها بعض هذه الدراسات فضلا عن استطلاع للرأي أجراه الباحث مع فريق بحثي معاون في عدد من البلدان العربية عند إعداده لرسالة الدكتوراه.

وقد رصدت العديد من هذه الدراسات تفاوتا ملحوظا بين الثقافات العربية على نحو جعل التعميم عن الوطن العربي بأكمله مسألة لا تخلو من مخاطر. وبعد مقارنة مصادر البيانات المختلفة واستطلاع نتائجها أمكن الوصول إلى خريطة تعبر عن التوجهات السياسية للقطاع الذي يجيد القراءة والكتابة من العرب والمسلمين في 32 دولة تجاه قيم الديمقراطية ومؤسساتها.

ويتبين لنا التفاوت الشديد في قبول المواطنين المتعلمين لقيم الديمقراطية ومؤسساتها حيث وجه الفريق البحثي للمواطنين أسئلة بشأن التسامح السياسي وقبول الآخر الشريك معهم في المجتمع (مثل توجهاتهم بشأن حقوق المرأة أو الأقليات الدينية).

كما استطلعت آراؤهم بشأن رؤيتهم حول أهمية المشاركة السياسية (التصويت في الانتخابات) ومؤسسات التنافس والتمثيل السياسي مثل الأحزاب والانتخابات والبرلمان. ووجد أن هناك مجتمعات، مثل المملكة العربية السعودية واليمن وليبيا وعمان والإمارات، تواجه ثقافة سياسية تقف موقف المتشكك من القيم الديمقراطية ومؤسساتها على نحو يجعلنا نتقبل أن عامل الثقافة السياسية يمكن أن يلعب دورا هاما في تفسير عدم وجود أو استقرار الديمقراطية في هذه المجتمعات.

وهناك مجتمعات أخرى تبدو أن ثقافتها لا تشكل عائقا ضد التحول الديمقراطي على الأقل في حدود توجهات المواطنين تجاه قيمة التسامح السياسي واحترامهم لمؤسسات التنافس والتمثيل السياسي مثل المغرب ومصر وتونس والأردن. وهو ما أكدته استطلاعات رأي أخرى.(3)وبالتالي تكون الأولوية عند محاولة تفسير غياب الديمقراطية في هذه المجتمعات للعوامل غير الثقافية.

وليس الهدف من هذا العرض هو الدخول في معالجة تفصيلية بشأن الثقافة السياسية للمجتمعات العربية ولكن لتوضيح أن المجتمعات العربية تتباين فيما تحمله من قيم ثقافية على نحو يجعلنا نعطي أولية لعامل على آخر في حالة دون أخرى وعلى نحو يجعل بعض المجتمعات أكثر استعدادا للقبول بالديمقراطية الليبرالية أكثر من غيرها.

ثانيا: مرونة الطلب على الديمقراطية:

إن استمرار النظم التسلطية التقليدية والتنافسية يتوقف ضمنا على نجاحها في تدجين مواطنيها وتربيتهم على قبول الوضع الراهن. كما أن نجاح قوى المعارضة الديمقراطية في الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية ليبرالية يتوقف على خلق ثقافة سياسية تحترم قيم الديمقراطية ومؤسساتها بل وتستعد لتحمل تكلفتها وتبعتها.

إن مشاهد الطلبة المتظاهرين والعمال المضربين في كوريا الجنوبية وملايين الجورجيين والأوكرانيين في الشوارع تحت الأمطار متظاهرين من أجل تحول ديمقراطي حقيقي يؤكد أن لكل شيء ثمنا وأن الطلب الحقيقي على الديمقراطية يقتضي التضحية.

وكان هذا هو الهدف من سؤالين وجهتهما للمبحوثين في الدول التي شملها استطلاع الرأي المشار إليه. وكان السؤالان هما:

1 - هناك أشخاص يقتلون أو يعتقلون بسبب مطالبتهم العلنية بحقوقهم السياسية. هل توافق أو تعترض على أنهم يسلكون مسلكا سليما؟.

2 - كي يحقق الناس في مجتمعك حقوقهم السياسية فإنهم عليهم أن: يتحدوا الحكومة علانية حتى لو أدى ذلك إلى استخدام العنف، أو أن يتحدوا الحكومة علانية بلا عنف، أن يعبروا عن مشاعرهم السلبية تجاه حكامهم ولكن بصورة غير علنية أو أن يصبروا وأن يلجئوا إلى الله بالدعاء كي يبدلهم حكاما أفضل.

وباستخدام أسلوب الـ factor analysis تم الجمع بين السؤالين في متغير واحد أمكن تسميته مرونة الطلب على الحقوق السياسية. والمعنى الاقتصادي لكلمة مرونة له قيمة تحليلية عالية في هذا المقام لأن الناس لا يقدمون على شراء سلعة يرتفع ثمنها إلا إذا كان بحاجة شديدة لها مثل الطلب غير المرن للمدخن الشره على السجائر وكذا المريض الذي بحاجة لدواء ملح. فمهما ارتفع ثمنها فهو مستعد لبذل الثمن المناسب. أما طلب الناس على الكثير من الكماليات (مثل نوع معين من الروائح) فإنه يوصف بأنه طلب مرن لأن أي ارتفاع في السعر يقابله انخفاض واضح في الثمن بالذات مع تعدد البدائل المقبولة.

السؤال هو: هل يرى المواطن العربي ن أن الطأن حقوقه السياسية كالدواء الذي يستحق التضحية من أجله أم أنه من الكماليات التي يمكن الاستغناء عنها والعيش بدونها؟

استخلاصا لنتائج استطلاع الرأي السابق، وبعد وضع ترتيب للدول على مقياس حسابي، لوحظ أن الدول العربية تحتل القمة بامتياز، بما يعني أنها تملك مرونة الطلب الأعلى على الديمقراطية، أي أنها التي ترى المطالب الديمقراطية أقل إلحاحا مقارنة بغيرها. وهو ما يساعد كثيرا النخب العربية على ألا تراوح عملية الانفتاح السياسي المحدود والتكتيكي إلى التحول الديمقراطي الليبرالي.

فالاستعداد للتضحية من أجل الحقوق السياسية في الدول العربية ضعيف إذا ما قورن بالاستعداد للتضحية بين المجتمعات المسلمة غير العربية. وأعلى مجموعتين من المواطنين العرب المستعدين للتضحية من أجل حقوقهم السياسية هما لبنان والجزائر. وهما دولتان تتصفان بتشرذم واضح في الثقافة ونزعة تاريخية لتحدي السلطة الحاكمة ويقل هذا الاستعداد للتضحية نسبيا في الدول الخليجية.

والمفارقة تبدو في أن مصر وتونس والمغرب، وهي الدول العربية التي بدا أنها الأكثر قبولا للقيم الديمقراطية ومؤسساتها، لم يسجل مواطنوها استعدادا عاليا للتضحية من أجل حقوقهم السياسية بما يعني أن مواطني هذه الدول في انتظار منحة من الحكام دون استعداد حقيقي لدفع الثمن الباهظ.

إن صح هذا التحليل فإن المجتمعات العربية مفتوحة على احتمالات عدة أقربها إلى الواقع الميداني هو التحول عن التسلطية ولكن ليس في اتجاه الديمقراطية وإنما في اتجاه تسلطية تنافسية لها توتراتها التي يمكن أن تفضي إلى تحولات ديمقراطية حقيقية على مدى زمني أطول.

وهذا ليس ببعيد، فالنظام التسلطي التنافسي بطبيعته غير مستقر لأنه قائم على قواعد ومؤسسات ديمقراطية شكلا وممارسات وتكتيكات تسلطية. وهو ما يفتح مساحة، محدودة في البداية، لقوى المعارضة لإبراز وجودها واستغلال الثغرات والتناقضات بين القانون والممارسة من قبل النخب الحاكمة وهو ما قد يفضي إلى أزمات شرعية للنخب الحاكمة مثلما حدثت في المكسيك عام 1988 وفي نيكارجوا عام 1990 وفي زامبيا 1991 وفي روسيا 1993 وفي أرمينيا عام 1996 وفي ألبانيا عام 1997 وفي غانا وبيرو وصربيا وأوكرانيا عام 2000 وفي زامبيا مرة أخرى عام 2001 وفي جورجيا 2003 وفي أوكرانيا عام 2005.

في بعض الحالات تنجح النظم الحاكمة في تجاوز الأزمات (مثل روسيا وماليزيا وألبانيا وأرمينيا) وفي أحيان أخرى ينهار النظام مثل نيكاراجوا في 1990 وفي غانا والمكسيك في عام 2000 وفي جورجيا 2003 وأوكرانيا 2005 ويتحول بشكل دراماتيكي نحو الديمقراطية. بيد أن هذا التحول نحو الديمقراطية يقتضي ثلاثة شروط كانت بارزة في كل هذه النماذج:

1 - رأي عام حانق على الوضع التسلطي وراغب في تغييره مع الاستعداد للتضحية المعقولة.

2 - معارضة متفقة على الحد الأدنى من قواعد العمل المشترك تحت قيادة تحظى بالقبول الشعبي.

3 - وضع دولي وإقليمي مساند لتفكيك النظام القديم ومساندة النظام الجديد.

والمعطيات السابقة جميعا ترجح أن المنطقة العربية ستظل تراوح بين التسلطية التقليدية والتسلطية التنافسية في ظل غياب لنخب مستعدة لأن تتبنى برنامجا متكاملا للتحول الديمقراطي.

اقرأ في هذا الموضوع:

اقرأ أيضًا:


مدرس العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة. يمكنك التواصل معه عبر موقعه الإلكتروني www.aladl.net


(1)Linz, Juan J., and Alfred Stepan. 1996. Problems of Democratic Transition and Consolidation: Southern Europe, South America and Post-Communist Europe. Baltimore: The Johns Hopkins University Press.p. 113.
(2)Tessler, Mark. 2002. Do Islamic Orientations Influence Attitudes Toward Democracy in the Arab World? Evidence from Egypt, Jordan, Morocco, and Algeria. International Journal of Comparative Sociology 43 (3-5):229-249.
Tessler, Mark. 2002. Islam and Democracy in the Middle East: The Impact of Religious Orientations on Attitudes toward Democracy in Four Arab Countries. Comparative Politics 34 (3):337-354.
Tessler, Mark. 2002. Do Islamic Orientations Influence Attitudes Toward Democracy in the Arab World? Evidence from Egypt, Jordan, Morocco, and Algeria. International Journal of Comparative Sociology 43 (3-5):229-249.
Norris, Pippa, and Ronald Inglehart. 2002. Islam and the West: Testing the 'Clash of Civilizations' Thesis. To Be Published and available from the authors: pippa_norris@harvard.edu or www.pippanorris.com,
Pew, Research Center. 2003a. Views of a Changing World 2003. Washington D.C.: The Pew Research Center,
Zogby, James J. 2002. What Arabs Think: Values, Beliefs and Concerns. New York: Zogby International.
(3)Pew, Research Center. 2003a. Views of a Changing World 2003. Washington D.C.: The Pew Research Center.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات