|
| مصور صحفي يحمل مسنة عثر عليها بين أنقاض بنت جبيل |
رائحة الموتى تنبعث من كل الأرجاء، جثث تحت الركام وفي الطرقات لا تجد من ينتشلها، لا معالم للشوارع بعد أن سويت المنازل بالأرض، لا تقوى على السير إلا بتسلق جبال من الأنقاض، هكذا وصف مراسلون وصحفيون وعمال الإغاثة الدولية بلدة بنت جبيل بجنوب لبنان بعد أن تمكنوا من دخولها لأول مرة منذ بدء العدوان قبل 21 يوما.
فوقف إسرائيل المؤقت لغاراتها الجوية لمدة 48 ساعة كان الفرصة الوحيدة للدخول أو الخروج من البلدة التي لم يعد بها أثر على حياة.
وفي اتصالات مع إسلام أون لاين.نت، أجمع مراسلون زاروا المدينة أن إسرائيل عمدت إلى تدمير بنت جبيل انتقاما على ما يبدو لخسائرها البشرية الفادحة التي نالتها في البلدة على أيدي مقاتلي المقاومة الإسلامية (الذراع العسكرية لحزب الله). غير أن هذه الخسائر لن تمحى من التاريخ حتى وإن اختفت آثارها على الأرض، كما أنها ستبقى، بحسب رئيس بلديتها، البلدة التي أفشلت مشروع الشرق الأوسط الجديد "منزوع الديمقراطية والمقاومة" الذي بشرت به الإدارة الأمريكية مع بداية العدوان الإسرائيلي على لبنان باعتبارها شهدت أقوى آيات الصمود في وجه العدوان.
"لم أعد أعمل صحفيا بل مسعفا، لقد قمنا بإنقاذ حوالي 10 مسنين، 3 منهم لم يستطيعوا تذكّر أسمائهم ومعظمهم كان في حالة هذيان"، هكذا جاءت كلمات المصور سلطان سليمان، مراسل قناة "إل بي سي" بعد أن وطأت قدماه أرض بنت جبيل.
ورغم علمه أن عمله كمراسل يتعلق أولا وأخيرا بالصورة، إلا أن سليمان قال لصحيفة "السفير" اللبنانية الثلاثاء 1-8-2006: "في هذه الحالة كان إنقاذ حياة الناس أهم من التقاط مشهد".
رائحة الموتى
|
|
| لا أثر للحياة بأحد شوارع البلدة |
ونقلت الصور التي التقطها سليمان بعضا من هول ما جرى، إلا أنها بقيت عاجزة عن نقل رائحة الجثث التي تنبعث من تحت ركام المنازل.
ويروي سليمان هول ما رآه؛ فقد كانت البداية عند مدخل بنت جبيل الذي دمر بالكامل بشكل يستحيل فيه إكمال الطريق بالسيارات؛ حيث يتطلب عمليا إزالة آلاف الأطنان من الأنقاض، ومن ثم كان الحل هو السير على الأقدام والتسلق.
وكان همُّ سليمان والفريق المرافق له البحث عن أثر للحياة، وقال: "بدأنا نصرخ، إذا كان في حد بخير يرد علينا".
واستطرد موضحا: "لم أر مثيلا لهذا المشهد في بنت جبيل على الرغم من خبرتي في مجال الحروب، فقد غطيت فترة الحرب على العراق، و(عملية) عناقيد الغضب (الإسرائيلية في لبنان عام 1996)، لكن ما رأيته هذه المرة كان مختلفا".
ولم يكن البحث عن أحياء بين الركام مهمة سهلة، وعن تلك الصعوبة قال سليمان: "كنا نصمت وننصت علنا نسمع مواء قطة أو أنين مسن".
وتابع رصده لتلك المأساة مضيفا: "المشهد يخدر إلى درجة تنسى معها الحياة، يدخل المرء في حالة موت ويبحث عن حياة الآخرين كي ينقذها".
وبين كبار السن الذين تم إنقاذهم كان أمين أيوب (77 عاما)، وريم شرارة (85 عاما)، وزينب درويش، وزينب عيسى.
وعند سؤالهم ماذا كانوا يأكلون طوال الأيام الماضية أجابوا: "الخبز اليابس والقليل من الماء".
كما كان هناك مسن لم يعد يذكر اسمه، ولم يكن قادرا على الكلام، وبعد أن نقله المسعفون إلى سيارة الإسعاف فارق الحياة.
مشاهد الجحيم
|
|
| إسرائيل سوت مباني بنت جبيل بالأرض |
"علي بزي"، رئيس بلدية بنت جبيل، روى بعض مشاهد الجحيم الذي عاشته بلدته وحولها إلى ركام، فقال: إن "من 30 إلى 40 قذيفة في الدقيقة الواحدة كانت تسقط على البلدة خلال أيام".
وأضاف في تصريحات نقلتها "السفير": "لم يستطع أحد انتشال جثث شهداء ما زالوا تحت الركام، كما لا توجد أماكن لدفن الشهداء الآن، نحن بحاجة إلى معدات ثقيلة للنبش عن جثثهم، وهذا ممكن فقط عند وقف إطلاق النار".
ويستعيد "بزي" ثقته وهو يقول: "نعم هذه البلدة منكوبة الآن لكنها البلدة التي أفشلت الشرق الأوسط الكبير الخاص (بالرئيس الأمريكي) جورج بوش".
غير أن التحدي الذي أمامه -كما يقول- هو تأمين الطعام والمأوي لأكثر من 6 آلاف نازح توزعوا على مختلف المناطق اللبنانية، مشيرا إلى أن التقديرات الأولية لقيمة الأضرار المادية في بنت جبيل هي 200 مليون دولار.
رواية ناج
ويروي ناج الإثنين 31-7-2006 أن القصف الإسرائيلي تركز على المدينة القديمة والسوق التجارية التي كانت تشكل مركز جذب لحوالي 34 قرية من قرى القضاء.
وأضاف أن "القصف لم يطل الناس في أرواحها فقط بل أرادوا (الإسرائيليون) تحطيم نفسية السكان ودفعهم إلى الوقوف في وجه المقاومة من دون أن يعرفوا أن لذلك مفعولا عكسيا تماما".
واستطرد: "التجّار في البلدة كانوا يحضّرون قبل العدوان لموسم واعد، وقام بعضهم بالاستدانة من أجل تكديس بضائع احترقت بالكامل الآن".
وأوضح أنه طوال 12 يوما كان الاتصال مقطوعا مع الأهالي، ولم يكن هناك مؤن أو مياه وبنزين.
وأوضح أن "العائلات كانت تطمئن على بعضها البعض بصعوبة كبيرة عبر طريقة خاصة لا نفصح عنها كي لا تنسف عن بكرة أبيها".
التدمير الثالث
|
|
| عجوز من البلدة أنقذها المراسلون |
رضوان عقيل، الصحفي بجريدة "النهار" اللبنانية يروي لـ"إسلام أون لاين.نت" الثلاثاء جانبا من مأساة بنت جبيل قائلاً: إن المنازل أبيدت نتيجة القصف الإسرائيلي والمعارك الضارية بين المقاومة اللبنانية وقوات الاحتلال.
وأوضح أن بنت جبيل هي أكبر مدينة في منطقة جبل عامر، وهذا هو التدمير الثالث لها؛ حيث تعرضت للتدمير في عام 1978، ثم في اجتياح عام 1982.
وعن طابع المدينة وأهلها، قال عقيل: إنها تتميز بأن عددا كبيرا من أهلها يحمل الجنسية الأمريكية. ولفت إلى أن بنت جبيل شهدت في الآونة الأخيرة نهضة عملية وثقافية واقتصادية مقارنة بغيرها من بلدات الجنوب؛ وذلك مع وجود عدد كبير من النوادي الثقافية والاجتماعية، وارتفاع نسبة خريجي الجامعات بها.
وخاضت المقاومة معارك ضارية في محيط البلدة، وأوقفت تقدم قوات الاحتلال نحوها، وأجبرتها على التراجع بعد أن كبدت لواء "جولاني"، الذي يمثل صفوة الجيش الإسرائيلي، خسائر فادحة.
فقد أعلن حزب الله أنه قتل 13 جنديا إسرائيليا على الأقل في كمين نصبه مقاتلو في بنت جبيل يوم 27-7-2006، غير أن إسرائيل لم تعترف سوى بمقتل 8 جنود فقط، وإصابة عدد آخر. ومنذ بدء المواجهات قبل 21 يوما لا تعلن إسرائيل بشكل دقيق عن خسائرها خشية رفع معنويات المقاومة، وتزايد غضب الرأي العام الإسرائيلي.
|