|
| حفل زفاف كردي بالعراق |
تتعدد المساعي الخيرة لرأب صدع الوحدة الوطنية العراقية التي أصابها شرخ كبير منذ احتلال العراق في 2003 وما تبعها من مسلسل أحداث طائفية كان أشدها وقعا تفجير قبة سامراء في فبراير 2006 وما لحقه من اغتيالات وتهجير لعوائل على أساس طائفي.
فقد أطلقت جمعية خيرية عراقية مبادرة فريدة من نوعها لدعم الوحدة الوطنية وكخطوة لمواجهة المد الطائفي أسمته "الزواج الوطني" يُبنى على فكرة دعم زيجات تجمع عروسين عراقيين من طائفتين أو قوميتين مختلفتين.
وتأتي هذه المبادرة في إطار محاولة الحفاظ على ظاهرة الزواج المختلط الموجودة أصلا بالعراق منذ سنوات طويلة، ولتدعم أي عروسين عراقيين من السنة والشيعة، أو من قوميتين عربية وكردية أو تركمانية عاجزين عن إتمام زواجهما بسبب المتطلبات المادية، وهي الظاهرة التي بدأت بالتراجع في ظل الاحتلال الأمريكي للبلاد من عام 2003.
ويقول "خالد المشهداني" رئيس جمعية العفاف الخيرية لتزويج الشباب لـ"إسلام اون لاين نت" الإثنين 21-8-2006: "تبنت الجمعية في الأعوام السابقة عدة مبادرات لدعم الشباب وتيسير سبل زواجهم من خلال تقديم الدعم المادي وبعض التجهيزات الخاصة بمنزل الزوجية، وكذلك إقامة حفلات زواج جماعية شملت 1250 شابا من مختلف الطوائف والقوميات، إلا أن المبادرة الأخيرة هذه لها طابع مختلف في ظل ما يعيشه بلدنا من احتقان طائفي أفرزه الاحتلال بلا شك".
واستطرد المشهداني: "أطلقنا على المبادرة اسم (الزواج الوطني) بهدف دعم الشعور الوطني الوحدوي واستنهاض أسباب الوحدة الاجتماعية لدى أبناء الوطن الواحد، فظاهرة التخندق الطائفي دخيلة على مجتمعنا ولم نكن نشهدها قبل الاحتلال في 2003".
وشدد "المشهداني" على أن "الزواج الوطني الذي ننشده يكون بموجب الضوابط الشرعية ويُؤسس لبناء زواج سعيد، حيث إن القائمين على المشروع أصحاب فقه وشريعة".
وبين أن الإقبال على تقديم الطلبات بدا كبيرا، فقد زادت على مائة طلب منذ إطلاق المبادرة في 10-8-2006، غير أنه استدرك أن الدعم المادي يبقى معوقا أمام استقبال عدد مفتوح من الطلبات، معربا عن أمله بأن يحظى المشروع بدعم رئيس الجمهورية "جلال الطالباني" ورئيس الوزراء "نوري المالكي" الذي نقل أنه قد استحسن الفكرة حين عرضت عليه من قبل سياسيين عراقيين.
ولفت المشهداني إلى أن الجمعية تعد في المستقبل القريب لمشروع آخر يهدف لتزويج الأرامل بمدينة الفلوجة التي تعرضت لهجوم أمريكي كبير في نوفمبر 2004 خلف مئات القتلى ومن خلفهم عشرات الأرامل.
أرضية خصبة للوحدة
من جانبها قالت الناشطة الاجتماعية سلمى عبد الوهاب العضوة بمكتب المرأة التابع لمنظمة "رابطة الطلبة والشباب" لإسلام أون لاين.نت: "هذه المبادرة (الزواج الوطني) وجماليتها تأتي من أنها دعوة لها أرضية خصبة وغير عقيمة، فقد شهد المجتمع العراقي على مدى آلاف السنين زيجات تجمع مختلف القوميات وزيجات تجمع السنة بالشيعة ومن عشائر العراق المتعددة حتى أنها كانت تُعد من أسباب القوة والتماسك بين مختلف العوائل والعشائر".
وأضافت: "مع ازدياد التأزم الطائفي الذي تولد مع الاحتلال تم ملاحظة ضعف هذه الظاهرة خصوصا مع ازدياد ظاهرة التهجير على أساس طائفي؛ ولهذا على المفكرين والوطنيين وحتى القوى الحزبية أن يعملوا على دعم هذه المبادرات شعبيا ورسميا".
وتصاعد العنف الطائفي بالعراق منذ تفجير مرقد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري بمدينة سامراء في 22 فبراير الماضي وهو الحادث الذي تبعته اعتداءات انتقامية على العديد من المساجد السنية مما دفع البلاد إلى شفا حرب أهلية.
وشهد العراق حفلات زواج جماعي أقامتها العديد من الجمعيات الخيرية لتيسير تزويج الشباب الذي يعاني من ظروف اقتصادية صعبة وخاصة في ظل الاحتلال.
فقد أقام "ديوان الوقف السني" في العراق بالتعاون مع جمعية العفاف الخيرية في سبتمبر 2005 احتفالية كبرى في جامع الإمام أبو حنيفة النعمان بمنطقة الأعظمية بالعاصمة بغداد لتزويج 500 شاب وشابة.
وتعتبر مشكلتا البطالة وارتفاع تكاليف السكن السببين الرئيسين لعزوف الشباب عن الزواج في مجتمع تربو فيه نسبة الإناث على الذكور بحسب تعداد عام 1997، ويعاني أكثر من 65% من القادرين على العمل به من البطالة، بحسب تقديرات غير رسمية.
وبدأ الكثير من الشباب العراقي يترصد فرصًا تمنحها جمعيات خيرية لتيسير سبل الزواج أو ما يمنحه الوقفان الشيعي والسني من منح أو حفلات زفاف جماعية.
ويقوم الوقف الشيعي أيضا بتسيير زواج الشباب وينظم حفلات زفاف جماعي من أجل ذلك.
خطوة مباركة
وتعليقا على فكرة "الزواج الوطني" يرى الباحث الشرعي مسعود صبري، عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن الزواج بين أهل السنة، بوصفهم أهل السنة والجماعة والفصيل الأكبر للمسلمين، وبين الطوائف الإسلامية الأخرى التي تلتزم أصول العقيدة الصحيحة كالشيعة وغيرهم جائز شرعا، فما دام حُكم على الزوجين أنهما من أهل الإسلام، فلا يمكن القول بحرمة الزواج، وذلك لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا؛ فذاك المسلم له ذمة الله وذمة رسوله"، فالزواج بين أهل القبلة والملة جائز في أصله.
غير أننا نرى أن أفضيلة الزواج من عدمه يجب أن تعود إلى الدراسات الاجتماعية التي توازن بين المصالح والمفاسد، وذلك بعيدا عن الحكم الشرعي من حيث الحل والحرمة، ولكنها تنظر إلى مقصد أسمى، هو الاستقرار الأسري بين الزوجين، فنحن في حاجة إلى توعية لإزالة ما نتج عن الاحتلال الأمريكي من فتنة بين السنة والشيعة.
وأضاف قائلا: "لعل ما تقوم به جمعية العفاف هو خطوة مباركة، نرى فيها سعيا للتقريب بشكل واقعي بين الفريقين، بما يعد عملا إيجابيا من الناحية الاجتماعية، وهو عمل قائم على فهم جيد للشريعة، ونحن نرى جواز ما تقوم به هذه الجمعية المباركة".
|