|
| العلم اللبناني فوق أنقاض بعض البنايات المدمرة |
الضاحية الجنوبية لبيروت- رائحة البارود تنبعث من كافة الأرجاء تعكس رائحة الموت والنار تلفح المكان، المنازل سُوّيت بالأرض، والدخان الرمادي الكثيف يغطي سماء كانت صافية.. ليس هذا وصفًا لمدينة هيروشيما اليابانية بعد أن دمرتها الولايات المتحدة بقنبلة ذرية في الحرب العالمية الثانية، ولكنه لضاحية بيروت الجنوبية بعد عدوان إسرائيلي دام 33 يومًا.
غير أن الحزن على مشاهد الدمار الهائل لم يقلل من فرحة العائدين بإنجازات المقاومة اللبنانية على الصعيد العسكري، ولم يضعف من ثقتهم بإعادة إعمارها من جديد، خاصة بعد أن أعلن أمين عام حزب الله حسن نصر الله مساء الإثنين 14-8-2006 عن بدء ما وصفه "بمعركة البناء" لإصلاح دمار لبنان.
وزاد من هذه الثقة مشاهدة السكان بأعينهم جهود فرق حزب الله التي بدأت بالفعل في استخدام الجرافات؛ لرفع أنقاض المباني التي سويت بالأرض تمهيدًا لإعادة بنائها.
وفي "حارة حريك" مقر قيادة حزب الله -وأولى مناطق الضاحية التي تقع على بعد 3 كم من قلب العاصمة والتي كان لها نصيب الأسد من الغارات والقذائف والدمار الذي خلفته آلة الحرب الإسرائيلية- لم تستطع بعض الأسر العائدة تحديد أين كان يوجد منزلها وسط تلال الحطام.
فيما راح آخرون يبحثون بأيديهم وسط ركام منازلهم أو محالهم التجارية؛ لانتشال أدوات تنظيف وثلاجات وكمبيوترات وصور عائلية قبل بدء الجرافات عملها.
وقال عدنان منصور (46 عامًا) وهو يقف أمام منزله ومحله المدمرين: "نعرف أن السيد يوفّي بكل كلمة ينطق بها. حزب الله قال لنا أن نسجل بياناتنا لديهم غدًا".
وقال منصور وقد اكتست يداه وملابسه بالغبار فيما يقف ابنه عبد الرحمن بجانبه وهو يلوح بعلم حزب الله الأصفر: "الحمد لله أننا بخير. الأموال يمكن أن تعوض".
ووقف مقاتلو حزب الله يحملون أسلحة رشاشة ويضعون أجهزة لاسلكية حول خصورهم أمام الأبنية والمكاتب التي كان يقطنها قادة حزب الله والتي هدمتها الغارات الجوية الإسرائيلية.
وقال هاشم صفي الدين رئيس المكتب التنفيذي في حزب الله خلال جولة في المنطقة: "هذه الورشة بدأت الآن ونحن سوف نكون في خدمة الجميع لتأمين المسكن اللائق والأثاث اللائق".
"جهاد البناء"
|
|
| رغم الدمار صورة نصر الله على ما بقي قائما من مبان بحارة حريك |
ويحتفظ حزب الله بسلسلة واسعة من شبكة المؤسسات الخيرية الطبية والاجتماعية والثقافية في المناطق الجنوبية المهملة من الحكومة المركزية في بيروت.
وواحدة من هذه المؤسسات هي "جهاد البناء" التي أعادت بناء مجموعة من المنازل في جنوب لبنان والتي تدمرت خلال معارك سابقة بين حزب الله وإسرائيل.
ويدفع حزب الله رواتب شهرية لعوائل الذين قتلوا أو جرحوا من مقاتلين ومدنيين.
وقالت أمل سعد غريب المحللة السياسية والتي أصدرت كتابًا عن حزب الله: "التأييد لحزب الله يعتمد على ركنين أساسيين المقاومة (العسكرية) والخدمات الاجتماعية. حزب الله يشغل الفراغ الذي كان من المفترض أن تشغله الدولة فهو يحمي الناس ويؤمن رفاهتهم".
وقالت هيام عاشور (44 عامًا) التي فرّت من منزلها من قرية شقرا الحدودية إلى القسم الغربي من بيروت: "نحن نشعر بوجودهم بيننا".
وأعادت مؤسسة (جهاد البناء) بناء منزلها في عام 1996 وأرسلت طفلها ووالدها المريض إلى عيادة تابعة لحزب الله، حيث يقدمون العلاج لقاء أجر رمزي.
وقالت: "نحن في انتظارهم ليعيدوا بناء بيتنا الآن. لولا المقاومة لكنا قد تركنا بيوتنا بلا رجعة. ولاؤنا لهم أكثر من أي وقت مضى".
وشرد القصف الإسرائيلي العشوائي حوالي مليون لبناني، ودمّر بنية تحتية تقدر قيمتها بأكثر من ملياري ونصف المليار دولار غالبيتها في الجنوب.
فرحة وحزن
|
|
| جانب من مجزرة المباني بالضاحية الجنوبية |
وتراوحت مشاعر الأسر العائدة بين الفرحة الكبيرة بالنصر الذي حققه حزب الله وبين الحزن على مشاهد الدمار.
الحاج عباس (47 عامًا) عاد لتوّه إلى منزله في "حارة حريك"، وقال لـ"إسلام أون لاين.نت" الثلاثاء 15-8-2006: "انظروا إلى همجية إسرائيل وعدوا حجم الضحايا المدنيين الشهداء.. كلنا شهداء حتى ديارنا شهداء، والأيام المقبلة بعد هذا النصر ستكون شمسًا ساطعة مع وعد سماحة الأمين العام لحزب الله بسرعة البدء بإعادة الإعمار".
واستهجن عباس بشدة مطالب بعض القوى السياسية اللبنانية بالبدء في مناقشة نزع سلاح حزب الله، وقال: "ألا يدرك المطالبون بذلك أن إسرائيل، ومنذ انسحابها من جنوب لبنان في عام 2000، مرورًا باشتراكها في اغتيال الشهيد رفيق الحريري، كانت تخطط لتدمير لبنان".
الكرامة تبقى
أما موسى هاشم (38 عامًا) فقال: "عشت عمري كله بالحي والحمد لله أن خسرنا منازلنا، لكننا لم نفقد روح المقاومة أو شبابها، فالمقاومة تصبّ في صالح هذا الشعب، وعلى كل من أخذ موقفًا سلبيًّا منها أن يراجع نفسه؛ لأن الدمار سيتم تعميره والكرامة هي الباقية".
إلهام زعيتر (44 عامًا)، صحفية لبنانية، علقت في تصريح لـ"إسلام أون لاين.نت" على حجم ما شاهدته من دمار بالضاحية قائلة: "انظروا إلى ما خلفته الحضارة والرقي والتقنية الصهيونية التي استخدموها ضد أهل لبنان.. العالم صار خادمًا للصهيونية العالمية، وحكامنا العرب ما زالوا يتجاهلون ذلك، أما الشعوب فلا بد لها اليوم أن تعارض حكامها بشكل صريح".
بقية أجزاء الضاحية الجنوبية لم يجد فيها المصورون ومراسلو وكالات الأنباء ما ينقلونه أيضًا سوى مشاهد الدمار الذي لحق بالمدينة وسط ذهول مما وصفه بعضهم بـ"مجزرة المباني" التي شاهدوها.
سلاح حزب الله
ولم يألُ بعض المسئولين بحزب الله جهدًا في التواجد وسط جموع العائدين لمشاركتهم نصرهم وحزنهم في آن واحد. وفي تصريح خاص لـ"إسلام أون لاين.نت"، أكد "حسين خليل"، المستشار السياسي للأمين العام لحزب الله أن "شباب المقاومة البواسل سطروا بطولات خالدة".
ولدى سؤاله عن مصير سلاح حزب الله قال خليل: "نقول للأمة العربية والإسلامية ولكافة القوى الداخلية بلبنان إن هذا السلاح هو وسام شرف للأمة، فهو الذي فضح العدو الإسرائيلي وكل مخططاته ومخططات أمريكا بالمنطقة كلها، وأرجعهم خائبين، وجعلهم اليوم يحولون بعضهم البعض إلى المحاكم الداخلية".
وأضاف: "لا بد أن الجميع قد أدرك أن إسرائيل عدو همجي يخالف كافة الأعراف والمواثيق الدولية.. عليهم أن يعلموا جيدًا أن حزب الله هو أحرص الناس على الوحدة الوطنية، وأننا سوف نكون بجوار الجيش اللبناني ونساعده في تولي مهامه".
كاتب وباحث سياسي.
|