|
المسنون والعجزة والمرضى الذين يحتاجون إلى لقمة الطعام، وحبة الدواء، وبعض الحاجيات الأساسية لمعيشتهم أصبحوا على موعد مع أهم المشاريع الخيرية في سوريا، وهو "مشروع حفظ النعمة" الذي يصنع من اللاشيء قيمة إنسانية.
فقد تمكنت جمعية البر والإحسان في سوريا -وبالتعاون مع 40 جمعية أخرى- من إطلاق مشروع إنساني يعتمد على حفظ النعمة بالحد من الهدر، وجمع الفائض من الطعام بطرق صحية سليمة، حيث يعاد تنظيمه وتوضيبه، ثم يعاد توزيعه على الفقراء. كما يقوم المشروع بجمع الملابس القديمة والدواء والأثاث الذي لا تحتاجه المنازل، ويتم توزيع كل ذلك على المحتاجين.
بداية الفكرة
انطلقت فكرة المشروع الإنساني -كما يقول محمد رياض رشيد عضو مجلس إدارة المشروع لشبكة إسلام أون لاين.نت- من خلال أحد المشايخ السوريين وهو الشيخ سارية عبد الكريم الرفاعي الذي نبه في عدة أحاديث له إلى أن هناك كميات كبيرة من الطعام الطازج تهدر في الولائم والمناسبات بالفنادق الكبرى والنوادي في وقت لا تجد بعض العائلات الفقيرة ما تسد به رمقها.
تلقفت جمعية "البر والإحسان" الفكرة لتبدأ مع جمعيات أخرى في تدشين المشروع قبل سنتين وتلقي التبرعات من الأطعمة والأدوية لمساعدة المحتاجين وحول ذلك يقول رشيد: "كانت بدايتنا مع الدواء، ثم الغذاء وبعد النجاح الذي حققناه انطلقنا إلى جمع الكساء (الجديد والقديم) من المنازل والمعامل والمحال التجارية، وهناك متطوعون يعملون معنا. وتم توزيع كميات من الأطعمة لا بأس بها على جمعيات الريف التي تضم أيضا كثيرا من الفقراء...".
ويشير رشيد إلى أن عددا من النساء تبرعن ببدلات العرائس للفتيات الفقيرات واليتيمات اللواتي لا يستطعن شراءها، ويتم إعارتها لهم، ثم استرجاعها وتنظيفها، وإعادة منحها لأخريات. ووفقا لمصادر بالمشروع الإنساني فقد وفرت حملة لجمع الكساء لم تتجاوز أسبوعا أكثر من 90 ألف قطعة من الألبسة المستعملة والجديدة.
1500 عائلة مستفيدة
 |
|
إحدي المستفيدات من خدمات المشروع
|
المستفيدون من خدمات مشروع حفظ النعمة يصلون إلى 1800 عائلة، ومنهم أم جلال وهي امرأة طاعنة في السن تستعين بعكاز بسبب آلام في عمودها الفقر. وتقول السيدة العجوز لشبكة "إسلام أون لاين.نت": زوجي لا يقوى على الحراك فقد أصابته الشيخوخة مبكرا، ويعاني من أمراض كثيرة ولدينا ست أولاد، بل هناك بعض الأحفاد الذين توفي والدهم لعدم توفر دواء للسرطان، وبتنا لا نجد من يعيلنا أو يدخل علينا بكسرة خبز أو حبة دواء".
إلا أن أم جلال ترفع يديها إلى السماء، وتشكر الله على أن مشروع حفظ النعمة بدأ يوفر للعديد الطعام والدواء وحتى الكساء والأثاث المنزلي، وهو مشروع لا بد سيكبر ويكبر مع أصحاب القلوب الكبيرة.
وعلى باب المشروع في العاصمة دمشق تجد عشرات النساء والرجال الشيوخ والمرضى وقصصهم ولو اختلفت في التفاصيل إلا أنه تجمعهم حالة واحدة وهي الحاجة للطعام والدواء والشعور أن هناك من لم ينسهم في هذا العالم.
ولـ"حفظ النعمة" نظام محدد في التعامل مع المستفيدين فهو قسمان: أحدهما " قسم مسجل" وهي حالات مسجلة أساسا في الجمعيات الخيرية في دمشق، أما القسم الآخر فهو غير مسجل ويتلقى طلبات من المحتاجين، وتذهب لجنة لتقدير أوضاع مقدم الطلب حتى يستفيد من الخدمة. وجميع المسجلين لديهم بطاقات منظمة، ويراسل المشروع أيضا 40 جمعية خيرية لإفادته ب 20% من المسجلين لديها وهم الأسوأ حالا ويشكلون الأرامل والأيتام والمعوقين والعجزة.
إدارة المشروع وتشغيله
إدارة المشروع تتم من خلال لجنة تضم متطوعين وآخرين يعملون براتب شهري يصل عددهم إلى عشرين موظفا، وتتم عملية التشغيل من خلال مستويين: أولهما تلقي الفوائض من أهل الخير، سواء أكانت طعاما أو دواء أو أثاثا... إلخ، أما المستوى الثاني فهو إدارة هذه الفوائض وتوزيعها على أنواع الخدمات المقدمة.
في هذا الصدد يقول رشيد: "إن الجمعية (البر والإحسان) تستقبل الهواتف من المتبرعين بالطعام، حيث تذهب السيارات المخصصة (لدينا حتى الآن سبع سيارات) لنقل هذه الأطعمة.. ويرافق كل سيارة خبير غذائي ليقوم بفحص دقيق قبل استلام الغذاء، ويتم نقل الطعام بأوان صحية معدة لذلك إلى مطبخ المشروع لتبدأ مرحلة توضيب الطعام بعد أن تضاف إليها اللحوم الطازجة المطبوخة، وبما يكفي الأسرة كاملة كما يضاف بعض السمن أو الزيت".
وأضاف أن المشروع بدأ يتلقى تبرعات لحوم ومواد تموينية مختلفة لتوزيعها على العائلات مع وجبات الطعام وكثير من المواد تأتينا من الموزعين الخيرين وأصحاب محلات الجملة بدءا من الشاي والسكر والأرز والزيت والسمن ومواد أخرى.
ويؤكد الخبير الغذائي في مشروع حفظ النعمة أنهم يحرصون على التأكد من سلامة الأطعمة قبل نقلها، ثم يتم تسخينها وتوضيبها في الأواني الصحية وتغلف وترسل إلى المسجلين لدى الجمعية، وإذا كانت هناك أي شكوك في سلامة الطعام يتم إخضاعه للفحص العلمي، وهو أمر نادر خاصة أن تبرعات الطعام تسلم للمشروع مباشرة بعد انتهاء الولائم. أما بالنسبة للمعلبات فتفحص صلاحيتها قبل إرسالها.
 |
|
مركز حفظ النعمة لتجمع الدواء
|
وبالنسبة للملابس سواء أكانت مستعملة أمام جديدة، فهي تصل للجمعية كتبرعات من مصانع ودور الأزياء والعائلات الثرية، ويذكر رشيد أن إحدى العرائس اتصلت به ليلة انتهاء فرحها واستعدادها لرحلة شهر العسل، وطلبت منه تسلم فستانها وتوابع العرس، وقالت الفتاة: "إن سعادتي ليست في لبس الفستان لليلة واحدة ثم تركه للزمن والغبار بل في منحه لسعادة فتيات مثلي".
الدواء هو الآخر يمثل قطاعا هاما في المشروع، وقد أعلن مسئولو المشروع أنه خلال ثلاثة أشهر كانت لديهم أدوية صالحة التاريخ بما تجاوز المليون ليرة سورية (20 ألف دولار أمريكي) خاصة أن الشعب السوري معروف بعدم إكمال العلاج. كما تتبرع معامل الأدوية الكثيرة في سوريا بمنتجاتها كنماذج طبية.
وتم تجهيز مركز صحي فيه غرفة طبيب مناوب لمعاينة المرضى ومكان لاستلام الأدوية المتبرع بها للمحتاجين الذين لا يملكون ثمن الدواء، أما الأدوية المرتفعة الثمن فيشتريها مشروع حفظ النعمة ويعطيها لمن يستحق، وتخضع جميع الأدوية للفحص والتدقيق من قبل الاختصاصيين.
المشروع والدولة
مشروع حفظ النعمة(**) هو محاولة لمواجهة أزمة الفقر المستفحلة في سوريا، فيشير تقرير الأمم المتحدة في عام 2002 إلى أن 24% من سكان سوريا البالغ 18 مليون نسمة أقل من خط الفقر نزولا والذي هو دولار في اليوم. كما أصبح حزام الفقر يلتف حول العاصمة دمشق، حيث يعاني الكثير من أبناء الطبقة العاملة صعوبة العيش وضيق ذات اليد.
ومشكلة الفقر تلك هي انعكاس للحالة السيئة التي يمر بها الاقتصاد السوري، حيث تراجعت القوة الشرائية للمواطن نتيجة التضخم وارتفاع الأسعار المطرد وتدني مستوى الدخل السنوي الذي لا يزيد عن ألف دولار أمريكي، وارتفاع الدين الخارجي الذي بلغ 21 مليارا و466 مليون دولار في نهاية عام 2002 حسب مصادر البنك الدولي وبزيادة قدرها 163 مليون دولار عن العام 2001. ويمثل حجم هذا الدين ما نسبته 98% من حجم الناتج المحلي الإجمالي.
والحالة السيئة للاقتصاد السوري ربما دفعت الحكومة إلى أن تكون مرنة مع هذا النمط من المشروعات الخيرية دونما الخوف من أن تستغل سياسيا حتى أن صحيفة تشرين السورية الحكومية نقلت عن الرئيس السوري بشار الأسد قوله عن المشروع بأنه مشروع اجتماعي إنساني خيري وأنه ينال الاستحسان مؤكدا على ضرورة تطوير الأعمال الخيرية.
كما نال المشروع أيضا موافقة واستحسان وزارة الشئون الاجتماعية والعمل ووصفته وزيرة الشئون الاجتماعية "سهام دللوو" بأنه يشكل بوادر خلاقة في العمل الإنساني والاجتماعي وتغيير واضح في نهج وأداء الجمعيات الخيرية بما يضبط العمل ويجعله يذهب لمستحقيه فعلا.
مستقبل المشروع
وفي ظل المرونة التي تبديها الدولة، فإن المشروع يفكر في تطوير نفسه ورسم آفاق مستقبلية له وذلك بالانتقال من دعم ومساعدة الفقراء إلى توفير فرص عمل لهم تؤمن لهم دخلا في المستقبل، وفي هذا الصدد يقول رشيد إنه يتم البدء حاليا في مشروع "حفظ النعمة للأثاث المنزلي" الذي يستهدف تحقيق هدفين أولهما إعادة تأهيل الأثاث المستعمل الذي يأتي للمشروع، وثانيهما يوفر فرص عمل للشباب خاصة أن هذا المشروع سيضم ورشات مختلفة من الصيانة في الحدادة والنجارة والتنجيد والدهان. ويدرس القائمون على المشروع أيضا أن يشمل خدماته كذلك الكتب الجامعية والمدرسية والثقافية وغير ذلك.
ويحلم مسئولو "حفظ النعمة" ألا يجدوا محتاجا يحمل روشتة يسأل الناس ثمن الدواء أو الطعام، وأن يقيموا مشروعات صغيرة من خلال تبرعات الأغنياء والفقراء ليعمل فيها الفتيات والشبان.
صحفية سورية.
*لمن يرغب في التواصل مع هذا المشروع الإنساني، فهذا هو عنوانه وهواتفه: دمشق، شارع خالد بن الوليد، موقع جامع زيد بن ثابت الأنصاري.
هاتف: 00963112455129- 00963112460336 - فاكس 00963112221559
|