|
أثار قرار انسحاب دولة الإمارات العربية المتحدة من عضوية مجلس الوحدة العربية- الذي جاء قبل يوم واحد من انعقاد أعمال دورته العادية الـ 70 للمجلس بالقاهرة، على المستوى الوزاري وبرئاسة ليبيا في أوائل هذا الشهر- العديد من التساؤلات في الأوساط العربية حول أسباب ودوافع هذه القرار المفاجئ الذي تلقته الأمانة العامة للمجلس من مندوبية الإمارات الدائمة بالقاهرة. ويأتي هذا القرار الخطير للإمارات في توقيت صعب وظروف معقدة يمر بها العمل العربي المشترك والجامعة العربية؛ خاصة في ظل انتشار لهجة جديدة بين الشعوب العربية -وبالتحديد المثقفين العرب- يغلب عليها نبرة اليأس من إحراز العمل العربي المشترك أي تقدم ملموس في مجالات عدة.
وقد ناشد مجلس الوحدة الاقتصادية (الذي يضم الآن 9 دول فقط هي: مصر وسوريا والعراق والأردن وليبيا وموريتانيا والصومال وفلسطين والسودان) -عبر رسالة وجهها إلى الشيخ زايد- الإمارات في العاشر من ديسمبر الحالي (1999)- إعادة النظر في إعلان رغبتها في الانسحاب، وتضمنت الرسالة إشادة بالمواقف القومية للإمارات؛ خاصة وأنها من الدول التي صادقت على اتفاقية الوحدة الاقتصادية، إلا أن الإمارات لم تُعلِّق على طلب المجلس حتى الآن، ويرى المحللون أن ذلك يرجع لعدم رغبتها في إعلان أسباب انسحابها صراحة.
السوق العربية المشتركة تثير مخاوف الإمارات
من أهم الأسباب التي يُعتقد أنها وراء القرار اتخاذ مجلس الوحدة الاقتصادية العربية قرارًا بتفعيل السوق المشتركة، ووضع برنامج تنفيذي بدءاً من يناير المقبل. فبالرغم من أن الإمارات تطبق أقل معدل للتعريفة الجمركية يتراوح ما بين 1 % إلى 4% وهي أقل النسب في الدول العربية، وتفرض إمارة دبي -التي توجد فيها منطقة "جبل على" الحرة- رسومًا لا تتجاوز 1% ، إلا أن الأثر السلبي يمكن أن يظهر إذا كانت إجراءات إنشاء السوق العربية المشتركة ستجعل الإمارات تطبق تعريفة جمركية موحدة أعلى من معدل التعريفة التي تطبقها حاليا، ومما يزيد من هذه الاحتمال أن الإمارات كانت السبب وراء تأجيل تطبيق التعريفة الجمركية الموحدة بين دول مجلس التعاون الخليجي من عام 2001 إلى 2005 بعدما كانت ترفض بشكل قاطع رفع معدلات التعريفة الجمركية.
إلا أن وساطة قطر بينها وبين السعودية أدت إلى هذا الحل الذي يعتبره البعض حلاً وسطًا، ويعطي الفرصة للإمارات أن تسوي أوضاعها.
وتشير المصادر إلى أن عملية تغيير التعريفة الإماراتية بالزيادة ليست بالأمر الهين حيث يؤدي زيادتها بنسبة 1% فقط إلى خسائر قد تصل إلى 500 مليون دولار في العام.
الإمارات تفضل الاتحاد الجمركي لمجلس التعاون الخليجي
أما الرأي الأكثر دعمًا للانسحاب فهو الذي يربط بين قرار الإمارات بالانسحاب وبين القرارات الأخيرة لمجلس التعاون الخليجي، وخاصة أن قرار الإمارات جاء في أعقاب قمة الرياض والتي اتخذت قرارًا بإقامة اتحاد جمركي بين دول مجلس التعاون الخليجي مع عام 2005، ويرجح البعض أن الإمارات رأت في عضويتها في مجلس الوحدة الاقتصادية أمرًا شاذًا عن بقية دول مجلس التعاون الخليجي، حيث كانت هي الدولة الخليجية الوحيدة العضو في مجلس الوحدة الاقتصادية بعد انسحاب الكويت منذ عدة سنوات، وأنها مع بداية دخولها في ترتيبات الاتحاد الجمركي الخليجي فإن هذا قد يتعارض مع عضويتها في مجلس الوحدة الاقتصادية ويُحملّها أعباء مالية أكثر، إلى جانب الخسائر التي سوف تتحملها من دخول الاتحاد الجمركي الخليجي، وبالتالي فضلت تركيز أولوياتها في مجلس التعاون الخليجي خاصة في ظل الوضع شبه المتجمد على صعيد مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، ومن المعروف أن الإمارات كانت دائمًا تعارض أي اقتراحات أو قرارات في إطار عمل جامعة الدول العربية تُحملها أية أعباء مالية إضافية؛ بحجة أن الجامعة ليست في حاجة إلى منظمات أو هيئات أو لجان جديدة ولكن في حاجة إلى تفعيل القائم منها.
أسباب أخري
و لعل وجود العراق ضمن الدول التي ستدخل في تطبيق اتفاق السوق هو العامل الثاني الذي يجعلها تتردد في الدخول في تنفيذ هذا الاتفاق؛ ففي الغالب ستكون مجموعة القرارات التي تمس العراق مثل دعوة المجلس لزيادة التبادل التجاري معها هي السبب في انسحاب الإمارات، ومما يدعم هذه الاتجاه أن الكويت قد سبق وانسحبت من المجلس عام 1990 في أعقاب قيام العراق بغزو أراضيها.
ويرى المحللون أن عدم انسحاب الإمارات في ذلك الوقت يرجع إلى أن قرارات المجلس كانت معطلة ونشاطاته شبه مجمدة، أما الآن فمع قيام المجلس (الذي عاد لمقره الدائم في القاهرة من عمان بعد عودة الجامعة العربية) بالبدء في تفعيل قراراته فإن الحسابات ستختلف بالنسبة للإمارات، خاصة وأنها كانت الدولة الخليجية الوحيدة في المجلس، وبالطبع فإن استمرارها ووجودها في ظل اتجاه المجلس لاتخاذ موقف جاد من رفع الحظر عن العراق سيضعها في موقف حرج تجاه جارتها الكويت، خاصة وأنها بالطبع ستغلب علاقتها مع الكويت على عضويتها بمجلس الوحدة. إضافة إلى أن ذلك يتناقض مع الاتجاه العام لدول مجلس التعاون الخليجي وقراراته بشأن العراق.
آثار الانسحاب
ولا شك أن الإمارات قد اتخذت هذا القرار بعد دراسة لمردوده السياسي والاقتصادي عليها، فقد مكنها هذا القرار من المحافظة على علاقتها الطيبة بالكويت وبدول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، ومن الناحية الاقتصادية فلا يعتقد المحللون أن تجارتها الخارجية ستتأثر بالسلب بمثل هذا القرار؛ حيث تتركز تجارة الإمارات الخارجية مع دول شرق آسيا وأمريكا وأوروبا ويتراوح نصيب الدول العربية ما بين 5% و 7% من إجمالي تجارتها الخارجية خلال السنوات الخمس الماضية، يتركز معظمها مع دول مجلس التعاون الخليجي؛ حيث تأتي السعودية في المركز الأول، تليها الكويت التي تستحوذ على حوالي 13% من حجم صادراتها إلى الدول العربية. كما أن هذا القرار لن يؤثر على تجارتها مع دول مجلس الوحدة أيضا لأن علاقاتها التجارية مع هذه الدول تحكمها اعتبارات اقتصادية وتجارية مستقلة.
أما على صعيد مجلس الوحدة الاقتصادية العربية فلا جدال في أن انسحاب الإمارات سيؤثر بشكل سلبي على مشروعاته المستقبلية، نظرًا لأهمية الإمارات الاقتصادية فهي دولة خليجية ناتجها المحلي الإجمالي المتوقع لهذا العام حوالي 50 مليار دولار يساهم فيها النفط بنسبة لا تزيد عن 26%. والأهم من ذلك هو انفتاحها الكبير على العالم حيث تبلغ قيمة صادراتها الإجمالية المتوقعة لعام 1999 حوالي 34 مليار دولار منها 32% إعادة تصدير، و36% نفط أما وارداتها فتصل إلى 27 مليار دولار، وكان من المأمول أن تشكل الإمارات المحرك الرئيسي للسوق العربية المشتركة لكونها صاحبة تجربة فريدة في الانفتاح التجاري بأسلوب المناطق الحرة مثل: جبل علي وغيرها، وهو ما أدى إلى تضاعف تجارة الإمارات الخارجية أربع مرات خلال الأعوام الثلاثين الماضية، فضلا عن خسارة ممول مهم لنشاطات المجلس خاصة وأنه يعاني من أزمات مالية مستمرة، حيث لم يصرف الموظفون مستحقاتهم لمدة تزيد على 35 شهرًا بسبب عدم التزام بعض الدول بسداد حصصها
|