English

 

الأحد. نوفمبر. 7, 2004

نماء » مشروعات وتجارب

 

أهالي دارفور واقتصاديات البقاء

حمدي الحسيني

أن تبقى على قيد الحياة في دارفور غرب السودان، فهذا إنجاز في حد ذاته، لا سيما أن الأوضاع الاقتصادية في هذه المنطقة مأساوية، حيث تفتقد لمقومات الحياة الأساسية، فلا مرافق عامة في أي مجال؛ بسبب غياب دور الحكومة التي لم تنتبه للإقليم، إلا مع تدويل الصراع في هذه المنطقة ودخوله أروقة مجلس الأمن.

وبسبب هذه الأوضاع السيئة، إضافة للمناخ شديد الحرارة، تحول ثلث المجتمع الذي يقدر عدد سكانه بحوالي 6.6 ملايين نسمة إلى لاجئين يعيشون على المعونات الخارجية، بينما الثلثان يحاولون التكيف مع هذه الأوضاع بابتكار نماذج وأدوات اقتصادية بدائية تساعدهم على العيش وتكون بديلا لغياب مقومات التنمية.

اللافت أن محاولة أهالي دارفور إقامة اقتصاد بدائي يعتمد في مضمونه فقط على بقاء الإنسان حيا فقط، يأتي رغم حجم الثروات الهائلة في الإقليم، فهو يملك ثلث الثروة الحيوانية للسودان التي تقدر بحوالي 130 مليون رأس من الأبقار والخراف والإبل.

كما ينتج دارفور أكثر من نصف إنتاج السودان من الصمغ العربي، والذرة والسمسم والفول السوداني، حيث يوجد نحو 5 ملايين فدان صالحة للزراعة على الأمطار التي تسقط بغزارة على الإقليم 7 أشهر في السنة. ووفقا لتقديرات دولية فيساهم الإقليم في الدخل القومي بأكثر من 25% خاصة صادرات الثروة الحيوانية والحبوب الزيتية.

المياه أولا

ومع ذلك تظل المشكلة الأولى التي تواجه مواطني دارفور هي ندرة المياه، لا سيما أن ارتفاع درجة حرارة الشمس يبخر جزءا من المياه، بينما الجزء الآخر تمتصه التربة الرملية ليتم تخزينها في باطن الأرض، وتتحول مع مرور الوقت إلى مياه جوفية تتميز بقربها من السطح على عمق يصل إلى مترين.

غير أن الأهالي هناك تغلبوا جزئيا على أزمة المياه من خلال تخزين مياه الأمطار في شجرة "التبلدي" الاستوائية ذات الحجم الضخم، حيث يصل قطرها إلى حوالي 1.5 متر، وتنتشر هذه النوعية من الأشجار في غرب وجنوب دارفور.

وتتم عملية تخزين المياه بتفريغ قلب الشجرة، وعمل تجويف كبير في وسطها حتى تتحول الشجرة في النهاية إلى ما يشبه خزان المياه التقليدي الذي يوفر احتياطيا معقولا من مياه الشرب يكفي عددا من الأسر المتجاورة لفترات طويلة. وبجانب هذه الطريقة، يتم الاستفادة من سقوط الأمطار بزراعة البطيخ، ثم دفنه في الرمال حتى يتحول بمرور الوقت إلى مخزون مياه محلى بالسكر ويعتبره الأهالي مشروبهم الشعبي.

المواصلات.. "ركشة"

The embedded asset does not exist:
Asset Type: Image_C
Asset Id: 1178724064803
PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic
سيارة نقل الركاب تمر بطرق غير ممهدة

بدورها صعوبة المواصلات تعتبر أزمة لا يمكن تجاهلها، فرغم أن مساحة إقليم دارفور تقدر بحوالي نصف مليون كم مربع أي بحجم دولة كالعراق، فإنه لا تتوافر طرق ممهدة تربط بين المدن الرئيسة للإقليم، وهي: الفاشر، نيالا، الجنينة، كما لا يوجد طريق يربط بين الخرطوم ومدن دارفور.

وتعد طائرات "الأنتي نوف" الروسية الصنع هي وسيلة الموصلات الرئيسية بين الخرطوم ومناطق دارفور، غير أنها تستخدم غالبا من قبل المسئولين، بينما السكان لا يستطيعون دفع تذكرة الطائرة.

ولا يتوقف الأمر عند ذلك فقط، فالوقود أسعاره مشتعلة رغم أن السودان ينتج حوالي 300 ألف برميل نفط، فسعر لتر البنزين يصل إلى نصف دولار، وهو بالطبع لا يقدر الأهالي على دفعه، من هنا يتم البحث عن وسائل مواصلات تستهلك وقودا أقل، لهذا انتشر في المدن الكبيرة استخدام وسيلة مواصلات هندية الصنع تسير بثلاث عجلات يطلقون عليها اسم "ركشة"، وهي منخفضة في استهلاك الوقود أثناء عمليات نقل المواطنين، كما تنتشر بعض السيارات الصغيرة المستعملة الواردة من كوريا الجنوبية، ولا تزيد سعتها عن 900 CC.

ويقول آدم خريج كلية الآداب بجامعة نيالا: إن هذه السيارات الصغيرة مصدر للرزق والعمل الشريف، سعرها محدود واستهلاكها للطاقة معقول.

أما نقل الركاب بين المدن، فهو عقبة كبيرة؛ لأن عدم توافر الطرق يفرض على المواطنين اللجوء لتحويل شاحنات النقل الكبيرة إلى باصات لنقل الركاب، خاصة أنها تسير وسط دروب، وتعبر جبالا ومستنقعات لا تستطيع غيرها من السيارات المرور بها، فضلا عن التكدس الذي يلجأ إليه أصحابها حتى يحققوا أكبر عائد اقتصادي من نشاطها.

الكهرباء هي الأخرى نادرة في دارفور، حيث يعتمد سكان الإقليم على كهرباء مصدرها مولدات، لكن هذه الأخيرة مرتفعة الثمن؛ وهو ما يؤدي بالأهالي للاعتماد على الحطب والأخشاب كمصدر رئيسي للطاقة. وهو أسلوب حياة لعشرات القبائل التي تسكن في جبل مرة منذ سنوات، فهم لا يعرفون شيئا عما يجري حولهم، فحياتهم تقريبا شبه بدائية، ولا يعتمدون إلا على الطبيعة كمصدر أساسي للحياة في كل شيء.

صيد الثعابين.. رزق!

The embedded asset does not exist:
Asset Type: Image_C
Asset Id: 1178724064834
PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic
جلد ثعبان أم النوام

ولأنها طبيعة قاسية، فيحاول المواطنون في دارفور استثمار كل شيء يلوح أمامهم حتى لو كان فيه خطورة على حياتهم، فمثلا تزدهر في الإقليم صناعة الجلود بكافة أنواعها خاصة جلود الثعابين غالية السعر.

ويروي محمد عبد السلام تاجر جلود ثعابين أن ثمن جلد الثعبان من نوع "أم النوام" الضخم يصل إلى حوالي 100 دولار؛ لأنه يكفي لتصنيع نحو 30 زوجا من الأحذية الثمينة، كما أن هذا النوع من الثعابين يبتلع الفريسة، ثم يفرز مادة لتحليلها وتحويلها إلى غذاء على فترات طويلة خاصة أنه يتميز بالكسل وكثرة النوم.

ويضيف أن بعض الهواة يحاولون صيد هذا النوع من الثعابين بطرق خطيرة، فهو يعرف من الرمال مكانها فيضع قطعة قماش على وجهه، ويتمدد على الأرض واضعا ساقيه في اتجاهين متباعدين بالقرب من مخبئها ويبقى هكذا لعدة ساعات، حتى يبدأ الثعبان التحرك نحوه ليبتلع أحد ساقيه، وعندما يشعر الصياد بأنها قاربت على منطقة الفخذ يهرع على رأسها بسكين حاد في ضربة واحدة تقضي عليها، فتظل تتحرك بعصبية، بينما هو يكون قد أخرج ساقه من فمها، وهو سعيد بصيده الثمين.

ويقول التاجر إن من يقوم بهذه المهمة الخطرة لا بد أن يكون مدربا تدريبا عاليا على صيد الثعابين؛ لأن أي خطأ منه يمكن أن يكلفه حياته.

للظمأ مشروب يقاومه

The embedded asset does not exist:
Asset Type: Image_C
Asset Id: 1178724064865
PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic
أكلات العصيد لمواجهت الحرارة

الطعام والشراب هو الآخر أصبحت له خصوصية تناسب هذه الأجواء الصعبة في دارفور، فقد فرضت الحرارة الشديدة على مواطني دارفور التوصل إلى أنواع من الغذاء الخاص الذي يساعد على تبريد الجسم، وتزويده ببرودة تخفف من درجة الحرارة.

ومن بين هذه الأكلات الشهيرة "العصيدة" التي تتكون من الذرة المسحوق واللبن والسكر، ويُغلى جميعه على النار لفترات طويلة، ثم يأكل في البادية كغذاء لمقاومة الحرارة، كذلك هناك مشروب "المديدة"، وهو خليط من الطحين والسكر والسمسم ومسحوق الفول السوداني والبهرات وتوضع معا على النار لفترات طويلة، ثم يعاد تبريدها، وتكون في النهاية مستحلبا باردا يقاوم الظمأ، ويمد الإنسان بالطاقة والحيوية.

بيوت ضد الحرارة

The embedded asset does not exist:
Asset Type: Image_C
Asset Id: 1178724064896
PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic
قطية في دار فور

المسكن بدوره يمثل ملمحا مهما في دارفور، فبناء بيت أو "قطية" مسألة في غاية البساطة فيتجمع عدد من الأهل أو الأقارب الذين يعيشون في منطقة واحدة، ويختارون موقعا لتأسيس قريتهم التي عادة ما تكون عبارة عن مجموعة من القطيات المتجاورة بشرط أن يكون هناك مصدر للمياه.

والقطية شكل منتشر في معظم الدول الإفريقية، وهو عبارة عن "عشة" متطورة بحيث يبنى الجزء الأسفل منها بالطين، ويستكمل الجزء الأخير بالبوص وجذوع الأشجار، وكلها مواد متوافرة في محيط المكان الذي يجري فيه البناء، ويتم فرش أرض القطية بجلود الأغنام والأبقار لعزل الرطوبة، وهي بهذا التكوين تساهم في تلطيف حرارة الجو في الصيف، وتمنع تسرب مياه الأمطار في أثناء الشتاء.

وتتسع كل قطية لإيواء أسرة مكونة من أب وأم وثلاثة أطفال، وهو متوسط الأسر في دارفور خاصة أن الأب عادة ما يقضي معظم النهار في البادية، وتتولى الأم تدبير الطعام من خلال كانون بلدي تجيد معظم النساء بناءه.

ويتجاور مع القطية مكان يستخدم كدورة مياه، يتم بناؤها من البوص بحيث يصعب رؤية من بداخله، وكل قطية محاطة بمكان مسور بالبوص أيضا يوفر لها الحماية، ويمنع التنصت من الجيران، وهكذا تتجاور مجموعة من القطيات معا، وتكون قرية صغيرة يستطيع أهلها الدفاع عن أنفسهم ضد غارات اللصوص.

ملابس من ليبيا

أما الملابس فتعتبر من المشاكل التي تواجه السكان في دارفور، حيث يعتمد السكان على استيرادها من الخارج، وتقوم كل قرية بإنشاء ما يسمى بسوق "ليبيا" وهو مركز لتجميع البضائع المهربة عبر الحدود الليبية المشتركة مع شمال دارفور.

ويتخصص أبناء قبائل الزغاوة دون غيرهم باحتكار هذه التجارة، حيث يقوم بعضهم بتصدير الأبقار والجمال لليبيا، ويعود محملا بالبضائع المختلفة خاصة الملابس، وتتميز ملابس الرجال بالبياض لتعكس حرارة الشمس القوية، أما النساء فلهن أثواب تتميز بالألوان الزاهية المحببة لمعظمهن.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم