|
في عام 1995 دعا الأسطى مصطفى أرأوغلو -42 عاما- الذي يعمل فنيا في حفر آبار المياه خمسةً من زملائه إلى اجتماع بمنزله في محافظة شورلو شمال غرب تركيا ليتدارسوا فيما بينهم كيف سيواجهون البطالة التي أجبروا على الانضمام لها بعد تسريحهم من القطاع العام إثر أزمة اقتصادية عصفت بحكومة تانسو شيلر عام 1994.
قال أرأوغلو لزملائه: "إننا نواجه وضعا قاسيا بعد عام من تسريحنا، مدخراتنا والتعويضات التي حصلنا عليها بدأت تنفد، وأقترح عليكم أن نستغل نحن الستة خبرتنا في حفر آبار المياه (أو كما تسمى باللغة التركية "صُونداج") في إقامة مشروع يقوم بحفر هذه الآبار لمن يريد من الشركات والمؤسسات".
اقتنع زملاء أرأوغلو -وهم سزائي ونوري وجمهور وأوقطاي ومتين- بفكرته، خاصة أن الطلب في السوق التركية يتزايد على حفر آبار المياه العذبة بعد أزمات المياه المتلاحقة التي تعانيها المدن التركية؛ فوفقًا لتقرير لغرفة مهندسي البيئة التركية في يونيو 2004 يوجد 7 أشخاص محرومين من المياه الصالحة للاستخدام من بين كل 10 أتراك، كما أن الأراضي التركية تتجدد خزاناتها الجوفية من المياه بشكل دوري في موسم الشتاء.
المشروع أدواته بسيطة؛ فهو يحتاج إلى سيارة مثبت عليها حفار يتم تصنيعها في إحدى الشركات بمحافظة قونيا بتركيا، وتأجير مكتب للتعامل مع الزبائن. فكر الأصدقاء الستة أن يقترضوا من البنك لشراء هذه السيارة التي يبلغ ثمنها قرابة الـ50 ألف دولار، غير أنهم تراجعوا عن هذه الفكرة بسبب سيف الفوائد وعدم استقرار الأوضاع الاقتصادية، وقرروا أن يجمعوا المبلغ مما تبقى لهم من مدخرات.
شورلو في البداية
انصب المشروع في بدايته على محافظة شورلو كمنطقة عمل لتسويق وترويج مشروعهم الجديد، ويبرر الأسطى سَزائي بُيوك باش -40 عاما- التركيز على هذه المحافظة بقوله: إن "شورلو" تشتهر بالخبرة في حفر آبار المياه، كما أنها غنية بالمياه الجوفية، ويوجد بها شركات صباغة وقماش تحتاج يوميا لكميات مياه كبيرة لغسل وتنظيف وتلوين الأقمشة، ومن هنا فهذه الشركات تحتاج لحفر آبار مياه، لا سيما أن البلديات لا توفر لها الاحتياجات اللازمة من المياه.
ووفقا لسَزائي فإن ارتفاع قيمة المتر المكعب من المياه الذي تقدمه البلديات للشركات إلى 15-17 دولارا في الصيف يجعل من السهل دخول منافسين من القطاع الخاص لتوفير هذا الحجم من المياه بسعر أقل.
بعد أن تم تأجير المكتب قسَّم الأصدقاء الستة العمل فيما بينهم لورديتين تصل مدة الواحدة منهما إلى 12 ساعة، وتتكون الوردية من أسطى واحد ومعه مساعدان، كما توجد مجموعة أخرى بالمكتب استعدادا للقيام بتنفيذ طلب آخر لمكان آخر، وفي حالة وجود عمل في مكانين مختلفين في وقت واحد تقوم سكرتيرة بالمكتب بترتيب الوقت ما بين الزبائن
الطريق بدأ صعبا
The embedded asset does not exist: Asset Type: Image_C Asset Id: 1178724070745 PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic |
|
الحفار ينزل المواسير لأعماق الأرض
|
لم يكن الطريق ممهدا أمام الأصدقاء الستة؛ فقد مروا في بداية المشروع بتوتر عصبي، حيث كانوا ينتظرون يوما بعد الآخر الزبون رقم واحد الذي لم يأت إلا بعد شهر من بدء المشروع. ويقول سزائي: "انتظار أول طلب عمل لحفر بئر بعد تأسيس الشركة كان يمثل هاجسا يوميا لنا استمر حوالي شهر بعد الافتتاح؛ لأننا كنا ننتظر الطلبات من داخل المحافظة (شورلو) فقط بحيث نعمل ونعود لأسرنا في المساء، خاصة في موسم الشتاء الصعب. والحمد لله بعد أن قمنا بعمل دعاية للشركة بالمحافظة وصلتنا الطلبات وبدأنا العمل في شورلو أولاً".
مع تزايد الطلبات من خارج المحافظة قام الأصدقاء الستة بشراء سيارة أخرى من نوع كرافان لكي يبيت فيها فريق العمل بجوار البئر التي تحفر؛ حيث يتطلب الأمر المتابعة الدائمة للحفر وتزويد الموتور بالسولار والصيانة والوقوف على البَرّيمة أثناء الحفر وإنزال المواسير للعمق.
صعوبات فنية
وتواجه عملية الحفر صعوبات فنية يشرحها الأسطى سزائي بقوله: إنه قد يتم الحفر على عمق معين، ويستغرق الأمر أياما طويلة، ثم يتضح أن المياه تسير في اتجاه آخر أو أن خط المياه يسير بشكل متعرج؛ وهو ما يعني استخراج كمية مياه قليلة، فلا يرضى عنها صاحب البئر، سواء أكان الحفر في شركة أو في منزل، لا سيما أن تكاليف حفر بئر مرتفعة وتتراوح ما بين 30-40 مليار ليرة تركية (20-25 ألف دولار). لكن سزائى يقول: إن مشكلة البحث عن المياه الجوفية والتحديد الدقيق لمسارها سنواجهها بشراء أجهزة إلكترونية للمسح والاستشعار عن بعد في المرحلة المقبلة.
ولكي يتم تجنب قلة المياه المستخرجة من البئر يقوم الأسطى أرأوغلو ومن معه بوضع مصاف على أبعاد متفاوتة في طول مسار المواسير التي تنزل بالأعماق، وذلك بهدف جذب المياه من نقاط وطبقات مختلفة في بطن الأرض عبر مضخات كهربائية، بحيث إذا ضعف خط مياه يعمل آخر.
كما تمثل الأمطار الغزيرة والثلوج الكثيفة عائقا كبيرا أمام متابعة الحفر والوقوف بجوار البريمة تحت الأمطار والثلوج والانخفاض الشديد لدرجات الحرارة.
ولا توجد مشكلة في عملية صيانة معدات حفر الآبار خاصة بسب خبرة العاملين الستة، كما أن قطع الغيار متوفرة في السوق، لا سيما أن الحفار أساسا صناعة تركية. ويرى الأسطى متين بأن الحفاظ على البرودة اللازمة لآلة الحفر يعد من أهم المصاعب أثناء الحفر، وكذا من أهم المصاعب الصوت العالي الناتج عن الدق عبر البريمة وصوت الموتور، حيث يثير انزعاج السكان إذا كان يتم حفر البئر في منزل، لكن هذه المشكلة لا وجود لها في آبار الشركات، حيث المناطق الصناعية المخصصة للعمل أو في المزارع والمنازل الواسعة ذات الحدائق والبساتين.
طلب متزايد رغم الأزمة
ورغم ما يعانيه الاقتصاد التركي من أزمات ركود تصعب وجود طلب مستمر على مشروعات عدة، فإن مشروع حفر الآبار من المشروعات التي لا تتأثر كثيرا بالأزمات الاقتصادية بسبب الحاجة الشديدة للمياه سواء للمشروعات الصناعية أو الأفراد، كما أن المشروع يكفيه حفر بئر واحدة كل شهر حتى يستمر ويحقق ربحا معقولا.
غير أن الأصدقاء الستة اتفقوا على أن يتقبلوا فكرة التقسيط لزيادة الطلب ولتيسير الأمر على الزبائن، بحيث يسدد صاحب البئر التكلفة على 3 دفعات في مدة 6 أشهر، لكن سزائي يقول: إننا نتعامل في التقسيط باليورو للحفاظ على الحق دون تآكله بسبب ضعف العملة التركية (الليرة).
مكاسب عديدة
The embedded asset does not exist: Asset Type: Image_C Asset Id: 1178724070815 PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic |
|
حفر بئر في حديقة منزل
|
المكاسب التي حصدها الأصدقاء الستة من إقدامهم على تجربة عمل هذا المشروع عديدة، من أبرزها الاستفادة من خبرتهم في عمل مشروع لحفر الآبار وتأمين دخل شهري معقول، ويقول أرأوغلو: "كنت أتلقى راتبا في حدود 400-500 مليون ليرة (260-340 دولارًا) قبل تسريحي عام 1994.. أما اليوم فلدي راتب يتراوح ما بين 1-1.5 مليار ليرة (680-1000 دولار)، وأملك سيارة خاصة...".
أما نوري يلماظ فيقول: إن الأمر ليس مجرد راتب فقط، إنما شعور بالراحة نتيجة تغير الأجواء المحيطة بالعمل، فمع تغير مكان الحفر يصبح لدي فرصة للتنقل في ربوع تركيا، وهذا لم يكن متاحا عند عملي في شركة حكومية.
ويضيف الأسطى "جمهور" مكسبا آخر هو الإحساس بأن عملك يعود عليك بفائدة مباشرة، وأنك صاحبه؛ لذا فهو يعمل ما بين 12- 16 ساعة دون ملل، بينما كان يعمل فقط في شركة القطاع العام من 6-7 ساعات قبل تسريحه.
المستقبل = تنمية الذات
المستقبل أيضا له مكان في فكر الأصدقاء الستة فيقول أرأوغلو: إننا نطور ونتوسع حتى نضمن كبر المشروع في المستقبل؛ فقد اشترينا سيارة كرافان لكي يرابط فريق العمل جوار البئر، ثم اشترينا أيضا حفارا آخر أكثر تطورًا لكي نستطيع الحفر في مكانين مختلفين في وقت واحد.
وفي الأوقات التي تقل فيها حركة العمل والطلب يشارك المساعدون في دورات فنية للتدريب تتعلق بالحفر وطرقه وآلياته المعاصرة التي تنظم من طرف المعاهد والمراكز العلمية أو الشركات المتخصصة أو البلديات.
ويفكر الأصدقاء الستة في تلقي طلبات من خارج تركيا خاصة من دول الاتحاد الأوربي واليونان بالذات التي تقع على بعد ساعتين فقط من شورلو ولديها مشاكل في المياه. وهذه الخطوة وفقا لأرأوغلو تستلزم منا شراء أجهزة إلكترونية تساعد في البحث عن المياه الجوفية ومعرفة تقديراتها وتحديد مساراتها في الأعماق.
مراسل إسلام أون لاين في تركيا.
|