|
رغم إنشاء مركز للصناعات اليدوية بالإمارات يستهدف الحفاظ على التراث والأنماط الثقافية، فإنه من جهة أخرى قد مثّل مدخلاً مهمًّا لتنمية حِرف الصحراء التي تواجه انقراضا في المجتمعات الخليجية.
فالمركز الذي أنشئ عام 1978 على يد الاتحاد النسائي الإماراتي (منظمة أهلية) يهتم بالحرف اليدوية التي تميزت بها البيئة الخليجية بشكل عام والإماراتية بشكل خاص، وفي الوقت نفسه يتيح الفرصة للنساء لكسب قوتهن من خلال راتب شهري يعينهن على المعيشة.
وتقتصر شروط الالتحاق بالمركز على أن تكون المتقدمة له تحمل الجنسية الإماراتية؛ لذلك فهي تقدم صورة لجواز السفر وكذلك خلاصة القيد، إضافة إلى أن تكون ماهرة في الحرفة التي ستعمل بها في المركز.
ولا يشترط في المتقدمة أن تكون بحاجة لهذا العمل أو الراتب؛ لذلك لا تعجب وأنت بداخل المركز إذا قطع حديثك صوت الهاتف المحمول، أو علمت من إحدى النساء العاملات أنهن ينفقن على الخادمة من خلال راتبهن.
وهذا لا يمنع أن معظم العاملات في حاجة إلى هذا الراتب الذي يتراوح -بناء على كلامهن- ما بين 3000 - 3500 درهم شهريًّا (الدولار= 3.5 دراهم تقريبًا)، فمعظمهن مطلقات أو أرامل ومعيلات لأسرهن، وتساهم هذه الأموال في سد احتياجاتهن الأساسية بدلاً من السؤال أو انتظار المعونة من الدولة.
قسم الخوص
يضم المركز عددًا من المشاغل المتخصصة في الصناعات اليدوية، مثل قسم الخوص، وفيه تقوم النساء باستخدام سعف النخيل في إنتاج السلال والمغاطى (غطاء للطعام) والمهفات (المراوح اليدوية).
ومعظم النساء العاملات متقدمات في السن، وتفسير ذلك جاء على لسان السيدة فوزية محمد إحدى العاملات بقسم الخوص، قائلة لمراسل "إسلام أون لاين.نت": معظم السيدات اللاتي تجاوزن الخمسين من أعمارهن تربين على هذه الأعمال اليدوية، حيث كنا نرى أمهاتنا يصنعن السلال والمغاطي على أيديهن، وكذلك يحكن الملابس بأيديهن، فكنا نتجمع حولهن لنرى ما يصنعن، ومن هنا تعلمنا الصنعة، أما بنات اليوم فتربين على الراحة، كما أن الذهاب للمدارس والجامعات لم يعطهن الفرصة لتعلم هذه الحرف.
وعن طبيعة العمل داخل قسم الخوص تقول فوزية: لكل سيدة منا طلبية شهرية، أحيانًا تتكون من 4 أو 5 مغاطي، أو 20 سلة صغيرة لحفظ الطعام، أو حتى عدد من السلال الكبيرة، ويوفر المركز المواد الخام مثل الخيوط والأصباغ التي يتم بها تلوين الخوص.
أما السعف فهو لا يمثل عبئًا حسب فوزية التي تقول إنه موجود في كل مكان، حتى لو أحضرناه مما يسقط من النخيل في الشوارع، أو أن تكون لإحدى السيدات العاملات نخلة في منزلها فتحضر منها ما تشاء من السعف.
مراحل العمل
The embedded asset does not exist: Asset Type: Image_C Asset Id: 1178724064254 PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic |
| السلال من مشغولات الخوص |
شيخة عبيد الظاهري بدأت العمل في المركز منذ 25 سنة، وتتحدث عن مراحل الإنتاج قائلة: بعد إحضار السعف اليابس نقوم بتنظيفه جيدًا ثم تسويته بالمقص؛ ليكون حسب الأطوال التي نحتاجها، بعد ذلك نقوم بصبغه بالألوان المختلفة، ثم يتم غليه في الماء ونشره في الهواء حتى يثبت اللون، وفي النهاية يتم استخدام السعف بألوانه المختلفة في صنع السلال والمغاطي والجفيرة (السلة الصغيرة) والحصير والمهفات (المراوح)، والمناظر التي تعلق على الحوائط في المنازل وكذلك السرود (السفرة) وسجاجيد الصلاة.
ورغم مشقة العمل ودقته فجميع السيدات بالمركز يتسمن بالروح الطيبة والمداعبة، ولا عجب، فالألفة وصلت بينهن إلى سنوات عديدة وفقًا للشيخة التي تقول: أخذنا هذا العمل من الملل الذي كنا نشعر به في بيوتنا، خاصة بعد زواج الأبناء وزيادة وقت الفراغ لدينا، ومن خلاله أتعرف على المجتمع وأتقاضى راتبًا أعتمد عليه وأتصدق منه، بل أحيانًا أساعد أبنائي المتزوجين.
الحاجة أم العمل؟
ورغم أن وقت الفراغ هو الذي دفع الشيخة إلى الالتحاق بالمركز فإن الحاجة والعوز كان السبب الأساسي للسيدة "مريم" للمجيء إلى المركز، فقد توفِّي زوجها وأصبحت هي المعيلة الوحيدة لأولادها (ابنان و6 بنات).
وعندما سمعت مريم بالمركز تقدمت للالتحاق به، حيث طلب منها في البداية بعض الطلبيات التي قامت بها في البيت لتصنيع السدو، من باب اختبار قدرتها وجديتها في العمل، وبعد ذلك سجلت للعمل بالمركز.
والسدو هو عبارة عن استخدام الصوف في إنتاج السجاد القديم عن طريق الأنوال ويستخدم في إنتاج الساحة والخرج (غطاء الجمل) والبطان والرواق والطرابيش والمساند.
وتضيف مريم أن العمل لدى المركز أتاح لها الفرصة لتسديد ديونها وتربية أبنائها، فعلى المرء أن يتحرك ولا يقف ساكنًا مهما كانت ظروفه.
قسم التلي
The embedded asset does not exist: Asset Type: Image_C Asset Id: 1178724064337 PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic |
| استخدام الشرائط المزركشة |
وفي قسم التلي تستخدم العاملات الشرائط المزركشة بخيوط ملونة متداخلة ببعضها البعض لتزيين الملابس التقليدية للمرأة. وعن مراحل العمل بهذا القسم تقول أم محمد الملتحقة بالمركز منذ عام 1980: نحن نقوم بلف الخيوط الملونة -التي عادة ما تكون إما من الحرير أو القطن- كل لون على حدة، حول 5 بكرات، إحداها تكون البكرة المركزية التي نقوم بعمل تداخل الخيوط الأخرى بطريقة معينة بهذا الخيط المركزي، ثم نقوم بتجميع نتاج ذلك ونطرز به الملابس، على الرقبة واليدين والقدم، وخاصة ملابس العروس التقليدية.
وتضيف أم محمد -التي تنفق على ستة أولاد وزوجها متوفَّى- أن المركز يطالبها بعدد معين من الأمتار من هذه الخيوط المطرزة شهريًّا.
واستطاعت أم محمد من خلال عملها أن تزوج اثنين من أبنائها، كما تعلموا جميعًا والتحقوا بالمدارس والجامعات، وتقول: رغم تعبنا في البداية -لأن هذا العمل يؤثر على أعيننا وعلى ظهورنا لأنه يتطلب دائمًا التقوّس لإخراج العمل على خير وجه- فإن سد حاجاتنا كانت الدافع الأساسي لتخفيف هذا التعب، وحتى لا أعتمد على أحد في الإنفاق على أولادي فأنا (كافية نفسي وأسد نفسي بنفسي).
وتلتقط خيط الحديث أم عبد الله التي تتشابه في ظروف وفاة زوجها وإعالة أبنائها مع كثير من النساء في المركز، قائلة: في بداية عملنا في المركز منذ 22 سنة كنا نحصل على مكافأة، لمدة شهرين، ثم تحولت المكافأة إلى شونة (معونة) نأخذها عن طريق بطاقة، وبعد سبع سنوات سجلنا في المركز على أننا موظفون هنا، وأصبح لنا راتب محدد شهريًّا.
كما أن المركز -وفقًا لأم عبد الله- في بداية عمله كان يوفر لنا في الدوام اليومي ساعة للدراسة، لتعلم القراءة والكتابة، ولكن نظرًا لضيق الوقت أصبح ذلك اختياريًّا وفي مواعيد مسائية. ولا تنسى هذه السيدة أن تؤكد أن هذا العمل فيه حماية للتراث الإماراتي وتعريف مختلف الشعوب به.
تدريب الفتيات
ولا يقتصر عمل السيدات في المركز على التصنيع في الداخل بل ينقلن خبراتهن للآخرين، حيث يقمن بزيارة المدارس والمراكز والمعارض لمدة ساعتين كل فترة، خاصة في الإجازة الصيفية لتدريب الفتيات الصغار على تلك الحرف اليدوية.
كما وسع المركز من مجال العمل به وألحق به عددا من الأقسام تهتم بالأعمال الحديثة مثل قسم الخياطة، وفيه تستخدم ماكينات الخياطة الحديثة في صنع الملابس التقليدية والحديثة، وكذلك مشغل التطريز وفيه تستخدم آلات حديثة في تصميم رسومات تطريزية على المفارش والمخدات وملابس الأطفال، بالإضافة إلى مشغل الفنون اليدوية الحديثة، وهو متخصص في الصناعات الحديثة كالرسم على الحرير والنقش على الزجاج والسيراميك، وكذلك الكروشيه.
في نهاية كل شهر تقدم كل سيدة ما طلب لديها من عمل، ويقوم المركز بعد ذلك بوضع هذه المشغولات في المعارض، حيث يوجد معرض دائم بمقر الاتحاد النسائي، وكذلك الاشتراك في المعارض الداخلية والخارجية لعرض التراث الإماراتي.
ويؤكد القائمون على المركز أن أهداف المركز الأساسية ليست مادية، ولكنهم يعنون بداية ونهاية بالحفاظ على هذه الصناعات التقليدية التي عرفت بها البيئة الخليجية بشكل عام والإماراتية بشكل خاص، وانتقالها إلى الأجيال المتتالية وكذلك الشعوب المختلفة.
صحفية تعمل بالإمارات.
|