|
رغم أنه يعمل محاميا فإن الشاب هاني سعيد -25 عاما- قرر أن يستفيد من أوقات فراغه، خاصة في فصل الصيف بالعمل في مهنة "الجوكي" لزيادة دخله لمواجهة الأحوال الصعبة التي تعيشها مصر.
والجوكي هو مشغل جهاز "دي جي" الذي تخزَّن عليه أغانٍ وموسيقات بمختلف الأنواع بدءًا من الديسكو وحتى الأغاني الدينية، ويستخدم في الأفراح والاحتفالات بمختلف أنواعها، وكذلك في افتتاح المحلات.
وسعيد ليس وحده في هذه المهنة؛ فقد انتشر أقرانه في الأفراح التي تقام في البلدان العربية، خاصة أن استخدام الدي جي يقلل التكلفة مقارنة باستقدام الفرق العادية لإحياء الأفراح. فإذا ذهبنا إلى الشرق من مصر فسنجد أن هناك العديد من فرق الدي جي في فلسطين، ويقول عنها فراس طه -29 عاما، وهو منشد بفرقة الغرباء الإسلامية بغزة-: "استخدام الدي جي بدأ في مطلع التسعينيات على استحياء.. ثم أصبح موجودا بقوة..".
المهارات الأساسية لمهنة الجوكي تتلخص في امتلاك ذوق موسيقى عالٍ وحس فني مرهف؛ حيث من المهم وجود توافق بين أنواع الموسيقى المستخدمة الشرقية والغربية؛ وهو ما يأتي عن طريق الخبرة، وفق ما يقوله سعيد.
ويلزم لتشغيل الدي جي أسطوانات تشمل جميع أنواع الموسيقى، منها العربي والراى، والترانس، والتكنو، والهيب هوب. وكذلك ضرورة تغطية هذه الأسطوانات لكافة الأذواق الشرقية والغربية والإسلامية، وحتى الوطنية كالسلام الوطني والجمهوري.
ورغم صوت الدي جي الصاخب الذي يزعج البعض فإن عددًا من "الجوكيز" يرون فيه وسيلة تفاهم بين أفراد المجتمع وشرائحه، بل أيضا وسيلة للتعبير عن الكبت السياسي؛ فعلو صوت الدي جي يعطي إحساسا بالحرية. ومع أنه قلص من ظاهرة الأفراح التقليدية.. فإن الدي جي ساعد على تقليل تكلفة الأفراح؛ حيث إن تكلفته تعتبر رمزية إذا ما قورنت بالمبالغ الطائلة التي تنفق على الحفلات الضخمة.
لماذا مهنة الجوكي؟
الأسباب التي دعت البعض للعمل في هذه المهنة تتنوع؛ فيقول الشاب الفلسطيني رائد السخل -28 عاما-: "أعمل منذ صغري في هذه المهنة؛ فقد شاركت في الحفلات عبر استخدام بعض الأدوات القديمة مثل المزمار والطبل، وكذلك شاركت في فرق الدبكة الشعبية، كل هذا جعله يبقى متمسكًا بهذا الجانب من الفن الشبابي".
ويضيف قائلا: "حبي لهذه الهواية منذ الصغر جعلني أبقى متمسكا بها إلى الآن، ولن أتخلى عنها حتى في المستقبل". أما سعيد من مصر فيقول: إنه تعلمها نتيجة مرافقته للعديد من "الجوكيز" الذين كانوا يعتبرون المهنة فنا راقيا، كما أن دخلها معقول.
لكن آخرين يرون أنهم قد يتركون هذه المهنة إذا وجدوا وظيفة أفضل؛ فيقول شادي الحجاوي -26 عاما، من فلسطين-: إنه يعمل مؤقتا في مهنة الدي جي، وإن وجد عمل آخر فإنه سيتركها. ويضيف "ظروفي المادية جعلتني أعمل في هذه المهنة؛ لكي أوفر لقمة العيش لي ولعائلتي".
مواسم العمل
أما مواسم العمل التي تدر ربحا على فرق "الدي جي" التي قد تتكون من شخصين (جوكي وآخر يساعده)، فيقول عنها سعيد: إن الصيف في مصر موسم للأفراح وانتعاشة لعملنا، بينما تكثر الرحلات وحفلات أعياد الميلاد في الشتاء.
لكن هذا الحال يبدو مختلفا قليلا في فلسطين، فيقول المنشد طه: "صحيح أن فصل الصيف مشهور بحفلات الزفاف، لكن عندنا الاستقرار السياسي هو الذي يتحكم في ذلك؛ فمنذ 4 سنوات (أي منذ انطلاق انتفاضة الأقصى) تراجعت إقامة الحفلات أمام الأجواء الحزينة؛ حيث يسقط شهيد يوميا".
يضاف إلى ذلك -بحسب طه- تدني الدخل الفردي في فلسطين، وازدياد الفقر في سنوات الانتفاضة؛ وهو ما أدى إلى إقامة حفلات الزفاف دون استئجار "الدي جي".
ووفقا لتقارير الجهاز المركزي للإحصاء بالسلطة الفلسطينية في 2003 فإن حوالي 2.5 مليون فلسطيني (من أصل 3.7 ملايين يقطنون الضفة وغزة) يعانون من الفقر، وأن 264 ألف أسرة فلسطينية قد فقدت أكثر من نصف دخلها منذ سبتمبر 2000.
"دي جي" إسلامي
ومع انتشار الدي جي في الأفراح العربية بدأ يظهر ما يسمى بالـ"دي جي الإسلامي" الذي يستخدم في الحفلات الهادئة، بعيدا عن جو الصخب والموسيقى الأجنبية؛ بل إن بعض الجوكيز يراه وسيلة لنشر الدعوة الإسلامية.
فيرى عبد الرحمن زلط -25 عاما، جوكي مصري-: "هناك أساليب مختلفة يتم تقديمها عبر هذه الحفلات، وتتمثل بإلقاء بعض الأسئلة الخفيفة على الحضور في أثناء فواصل الأناشيد الإسلامية التي تقدم لحنا جميلا يحبه الأطفال والشباب والشيوخ".
أما فراس محمود -28 عاما، من فرقة الغرباء للنشيد الإسلامي بفلسطين- فيقول: "إن الظروف تلعب دورا كبيرا في انتشار مثل هذا النوع الجديد؛ فنفسية الناس وحبهم لجوانب الهدوء، وبُعدهم عن الصخب والأغاني الغربية جعلهم يقبلون كثيرا على هذا النوع الذي أصبح يحمل صبغات جديدة، وتلقى إقبالا من الشاب وكبار السن".
وبسبب الوضع النفسي في فلسطين يقول محمود: إن الدي جي الإسلامي أصبح مطلوبا في الحفلات، لا سيما أن هناك إقبالا على النشيد الإسلامي؛ لما فيه من التزام واحترام للشهداء وللمقاومة، على حد تعبيره.
إيراد الدي جي
يصل الإيراد المالي السنوي إلى 70 ألف جنيه (الدولار = 6.18 جنيهات رسمية) في مصر وفق تقديرات من يعملون في هذه المهنة، وهذا الإيراد يخصم منه تكاليف إصلاح وصيانة أجهزة "الدي جي".
غير أن "تامر محمود" -وهو جوكي مصري لم يتجاوز الثلاثين من عمره- يقول: إن دخل القائمين من الدي جي بدأ يتراجع في السنوات الماضية بسبب انتشاره، وظهور العديد من الفرق التي تحيي الأفراح بهذه الآلة. ويوضح قائلا: "قبل انتشار مهنة الجوكي كنت أحصل على 800 أو 900 جنيه في الحفلة الواحدة، يذهب منها 500 جنيه إيجارا للأجهزة، وأحصل على 400 جنيه، لكن هذه الأيام ومع زيادة استخدام الدي جي تراجع دخلي ليصل إلى 200 جنيه في الحفلة".
بينما يقول صالح الطقطوق -40 عاما، وهو فلسطيني ويمتلك جهاز دي جي تكلفته 3000 دولار- قائلا: "المبلغ الذي يعود لي من كل حفلة هو مبلغ رمزي لا يكفي إلا لعملية صيانة الأجهزة، وإن الوضع كان بالسابق أفضل بكثير مما هو عليه الآن".
أما دخل "الدي جي" الذي يعمل في الفنادق المصرية؛ فهو يتوقف على درجة الفندق (أي عدد نجومه)؛ ففنادق الخمسة نجوم يصل الدخل فيها من 2000 إلى 7000 جنيه شهريا، والأربعة نجوم من 1500 إلى 1600 جنيه شهريا. أما الثلاثة نجوم فيتراوح ما بين 900 إلى 1000 جنيه شهريا، وذلك طبقا لتقديرات الجوكيز المصريين.
اعتزال "الدي جي"
اللافت أن القائمين على فرق الدي جي يرون أن سن الشباب هي السن الملائمة لاحترافها، وأن الشاب عليه أن يعتزل هذه المهنة في سن الثلاثينيات.
فيقول سعيد: "الدي جي مثل لاعب الكرة، يستحسن أن يعتزل فى الثلاثينيات ويترك المجال للشباب"، لكن السخل يقول: "ليس شرطا في كبر عمر الشخص أن يعتزل المهنة، لكن ما هو الإبداع الذي يقدمه في هذا العمر؛ فقد يكون هناك شباب لا يستطيعون تقديم إبداعات تصل إلى تلك التي يقدمها إنسان مر بخبرات طويلة خلال سنوات عمره؛ فالتجربة هي التي تخلق الإبداع والاستمرار".
معوقات المهنة
المشاكل التي تواجه العاملين في مهنة الجوكي عديدة، منها تأخر صاحب الحفلة في سداد المبلغ المستحق عليه، وعدم وجود مستقبل واضح، وافتقارها للوضع القانوني. وحول المعوق الأخير يقول الجوكي سعيد: "إنه عند حجز قاعات الفرح أحيانا يمر عليهم مندوبون يدعون أنهم من نقابة المهن الموسيقية، ويطلبون منهم رسوما تبلغ 20 جنيها.. لكن هذا لا يعني أننا مقيدون بالنقابة أو لنا وضع قانوني".
لكن حسن أبو السعود نقيب الموسيقيين المصريين يقول: "إن هذا الوضع سيتغير.. لأنهم سيضيفون العاملين في مجال الدي جي للنقابة من خلال تصريح خاص يجدد كل ستة شهور، على أن يلزم بتقديم فقرة حية.. لكي يعمل المطربون المقيدون لديه في النقابة في هذه الحفلات.. هذا التصريح مجاني، والفكرة فيه تنظيم الحفلات وتشغيل المطربين والموسيقيين العاطلين الآن والذين يطالبون النقابة بإعانات بطالة".
صحفي فلسطيني
صحفي مصري
|