English

 

الأحد. أغسطس. 24, 2003

نماء » مشروعات وتجارب

 

وصفة.. " 26-26 "

خالد شوكات

أجبرت التحولات الكبرى التي شهدتها الساحة الدولية خلال العقدين الأخيرين تونس -على غرار غالبية دول العالم الثالث- على إحداث إصلاحات اقتصادية جوهرية، بضغط مباشر من المؤسسات المالية الدولية الدائنة، دفعت في مجملها إلى تخلي الدولة التدريجي عن واجباتها الاجتماعية، خصوصًا حيال قطاعات حيوية على الصعيد الشعبي، كالتعليم والرعاية الصحية وتنمية المناطق الريفية والقروية.

وقد قادت هذه الإصلاحات التي بدأت الحكومات التونسية المتعاقبة في تنفيذها منذ منتصف الثمانينيات إلى تخلي الدولة عن مؤسسات وشركات القطاع العام، خصوصا تلك التي لم تكن تحقق مكاسب مالية مجزية، وتقليص الإنفاق الحكومي على المؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية، وتوسيع هوامش التدخل والحركة أمام مساهمات القطاع الخاص والمبادرات الفردية.

وفي الوقت الذي اصطدم تطبيق هذه الاصلاحات في دول عديدة بالشرائح الاجتماعية أضيرت منها، فإن تونس تمكنت من تلافي هذه الاصطدام، ويرجع المحللون ذلك إلى عاملين أساسيين، أولهما نجاح الحكومة في توقيع تعاقدات مهمة مع ممثلي الطبقات الاجتماعية الأوسع كالاتحاد التونسي للشغل (اتحاد العمال) ضمنت السلم والاستقرار الاجتماعيين، وثانيهما إدخال آليات مبتكرة في مجال التنمية الاجتماعية، كفلت الإبقاء على توجه اجتماعي للاقتصاد الوطني، ومن ذلك إنشاء صندوق "التضامن الوطني" أو "صندوق 26 -26" كما هو الاسم الرائج في الأوساط التونسية استنادًا لرقم حسابه البنكي.

حلول مبتكرة

لقد مكنت السياسة الاقتصادية التي اتبعتها الحكومة التونسية، والقائمة على تبني توجهات الاقتصاد الحر والانخراط المطرد في المنظومة الاقتصادية الدولية عبر نيل عضوية منظمة التجارة العالمية (www.wto.org) وتوقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوربي، من تحقيق نسبة نمو اقتصادي سنوي لا تقل عن 5% طيلة السنوات الخمس عشرة الماضية.

غير أن نسبة النمو الاقتصادي السنوي المرتفعة، ما كانت لتحجب حقيقة التأثيرات السلبية البينة للإصلاحات الاقتصادية المنجزة على الصعيد الاجتماعي؛ وهو ما دفع إلى البحث عن حلول لضمان السلم المجتمعي والحد من غضب الفئات الاجتماعية المتضررة من عمليات الخصخصة وتخفيض الإنفاق الحكومي على القطاعات الأكثر ارتباطا بالأوساط الشعبية، كالتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية الرئيسية من قبيل مرافق الماء والكهرباء وتأمين البنى التحتية.

لقد بحث واضعو السياسة الاقتصادية والاجتماعية في تونس منذ بداية عقد التسعينيات عن آليات جديدة لضمان استمرارية الحد الأدنى من الطابع الاجتماعي للاقتصاد التونسي -الذي عرف به طيلة حكم الرئيس السابق الحبيب بورقيبة- وقد كان المطلوب أن تجمع هذه الآليات على مستوى مواصفاتها بين عدم إخلال الدولة بالتزاماتها حيال الاتفاقيات والعهود الموقعة مع المنظمات والأطراف الاقتصادية الدولية، ووفاء النظام السياسي بالحد الأدنى من وعود التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي قطعها لطبقات المجتمع وفئاته الأوسع.

إن تجربة صندوق التضامن الوطني التي تأسست في تونس سنة 1993، واعتبرتها قمة "كوبنهاجن" الأممية (الدولية) سنة 1995 نموذجا في التنمية البشرية، قد مكنت تونس من اكتساب آلية غير مسبوقة -على الأقل إقليميا وعربيا- لتحقيق معادلة صعبة في إجراء جراحة اقتصادية صعبة بأقل آلام اجتماعية ممكنة، وفي الانتقال بالبلاد من اقتصاد شمولي إلى اقتصاد حر دون مواجهة دامية بين الدولة والمجتمع.

تنمية مناطق الظل

الصناديق الاجتماعية ساهمت في تشغيل الشباب 

يعتمد صندوق التضامن الوطني في تونس على التبرعات غير المشروطة للأشخاص والشركات وعائدات الأنشطة الفنية والثقافية والاجتماعية التي تنظم عادة برعاية من الدولة، وتوجه الدعوة للمشاركة فيها إلى فنانين وشخصيات عامة معروفة، فضلا عن عائدات مؤسسات وقفية تمكن الصندوق من إنشائها أو المساهمة فيها خلال السنوات الماضية.

وبحسب المصادر الرسمية، فقد أنفق الصندوق الوطني للتضامن في تونس ما يناهز 50 مليون دولار بين سنتي 1994 و2002، وذلك لإنجاز 61 ألف و471 مشروعًا في مجالات مختلفة، من بينها الزراعة والصناعات اليدوية والتجارة الصغرى، نفذ نصفها تقريبا في ما يعرف بـ "مناطق الظل"، وهي مناطق فقيرة معزولة توجد بالولايات (المحافظات) الأقل حظوة على صعيد مشاريع التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

وتفيد المصادر نفسها أن 266 ألف عائلة تونسية تنتمي إلى فئات معوزة وفقيرة، قد استفادت بشكل متفاوت من مساعدات الصندوق الوطني للتضامن، الذي أنفق على أنشطته التنموية بين سنتي 1993 و2000، ما يقارب نصف مليار دولار، وقد ساعد ذلك على تثبيت ما يزيد عن مليون ساكن في ولايات الشمال والوسط الغربي في مناطقهم الأصلية.

وتشير منشورات صادرة عن وزارة الشئون الاجتماعية التونسية إلى أن قطاعات الكهرباء والماء الصالح للشرب والطرق الريفية قد استأثرت بما يزيد عن 90% من موارد الصندوق، فيما أنفقت نسبة الـ 10% الباقية على قطاعات أخرى كبناء مراكز صحية في قرى معزولة ونائية، وتشييد قاعات دراسية والمساعدة على إنشاء مقاولات وشركات صغرى.

وتفيد ذات المنشورات إلى أن أكثر من 70 ألف عائلة ريفية قد تمكنت من إيصال الكهرباء بفضل مساعدة صندوق التضامن، فيما استفادت 80 ألف عائلة من تدخل الصندوق لإيصال الماء الصالح للشرب، كما استفادت السلطات المحلية من منح الصندوق لتعبيد وتمهيد 4337 كم من الطرقات والمسالك الريفية.

مؤسسات مشتقة

لقد شجع النجاح الذي أحرزته تجربة صندوق التضامن الوطني على استنساخ التجربة لمعالجة قضايا اقتصادية واجتماعية أخرى، حيث أقدمت السلطات المركزية على إنشاء صندوق وطني لتشغيل الشباب أطلق عليه اسم "صندوق 21- 21"، بهدف مواجهة مشكلة البطالة المتفشية في السنوات الأخيرة، خصوصًا في صفوف الفئات الاجتماعية الشابة.

وقد خصص صندوق 21-21 لتقديم قروض ومنح للمقاولين والشباب، الراغبين في إنشاء مقاولات وشركات صغيرة ومتوسطة، خاصة في ظل النجاحات التي أحرزتها المخططات التنموية الخماسية الأخيرة المعتمدة من قبل الحكومة التونسية، في مجال بناء اقتصاد وطني متنوع، يقوم بالدرجة الأولى على نسيج ثري وعريض من المؤسسات والمقاولات المتوسطة والصغيرة، القادرة على تحقيق توزيع أكثر عدالة للثروة الوطنية.

مثلما قامت الحكومة التونسية بإنشاء "البنك الوطني للتضامن" الذي تطلعت من خلاله إلى إيجاد مساحة للاقتصاد الاجتماعي داخل المنظومة البنكية والمالية، حيث يقوم البنك على تمكين المقاولين والتجار الصغار والجدد من قروض ميسرة ومعاملات مالية أقل تعقيدا، قياسا بما هو سائد في طريقة عمل البنوك التجارية.

وقد ساهم البنك خلال السنوات الأخيرة في تمويل آلاف المشاريع الاقتصادية في مختلف مناطق البلاد، خاصة في ولايات جندوبة والكاف وباجة وسليانة والقيروان والقصرين وسيدي بوزيد، وهي محافظات تضم المناطق الأكثر فقرًا، كما تعتبر الأكثر ارتباطا بقضايا الهجرة الداخلية والنزوح التي تسعى السلطات إلى مواجهتها بقدر كبير من الحزم.

وفي السياق ذاته، أسست الحكومة التونسية "بنك الإسكان" الذي هدف إلى مساعدة الفئات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة على امتلاك وبناء مساكن وشقق خاصة بها، وهو ما جعل نسبة 70 % من التونسيين قاطنين في مساكن مملوكة لهم، وهي نسبة تعتبر من أعلى النسب دوليا، كما تشير إلى ذلك المصادر الرسمية.

صدى دولي

وقد وجدت تجارب صناديق التضامن الوطني التونسية -فيما يبدو- صدى دوليا إيجابيا؛ حيث تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر ديسمبر 2002 قرارا دوليا يقضي بإنشاء صندوق عالمي للتضامن، بناء على مقترح تونسي ستكون من أهدافه مساعدة الدول الأكثر فقرا على مكافحة ظواهر الفقر والجفاف والكوارث الطبيعية والبشرية التي تحل بها.

وسيعتمد المشروع الدولي على خبرات التجربة التونسية، حيث سيسعى الصندوق العالمي للتضامن إلى تحصيل موارده عن طريق حث الدول الصناعية الغنية على التبرع لصالح مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول الفقيرة والنامية، خصوصا بعد التأكيد المتواصل للمؤتمرات الدولية للتنمية على أن مشكلة الفقر لم تعد مشكلة محلية، كما أن تأثيرات هذه المشكلة لن تتوقف عند حدود الدول المعنية بها، بل ستتجاوزها إلى سائر مكونات المنظومة الدولية.

وعلى الرغم من الانتقادات التي يوجهها البعض للتجربة التونسية في إنشاء وتفعيل صناديق التضامن الوطني، خصوصا من قبل بعض أطراف المعارضة السياسية، فإن أي محلل موضوعي لا يمكنه أن يغض الطرف عن النتائج الإيجابية التي حققتها هذه التجربة في الحفاظ على نزعة اجتماعية وإنسانية للمنظومة الاقتصادية الوطنية، التي لا يمكن بأي شكل عزلها عن تأثير المتغيرات الاقتصادية الدولية.

لمزيد من المعلومات عن الصناديق الاجتماعية الاقتصادية التونسية:


  كاتب وباحث تونسي مقيم في هولندا

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم