|
| الشراكة التمويلية تقوم على منفعة للمنشآت الكبرى والصغرى |
كثيرون منا لديهم أفكار لتأسيس مشروعات أو شركات، سواء من الحجم الصغير أو المتوسط، ولكن تبدو العقبة الكئود هي التمويل اللازم، خاصة إذا ما تم ضمان التسويق وغيره من مستلزمات الجدوى الاقتصادي للمشروع.
قد يلجأ البعض إلى البنوك أو مؤسسات الإقراض في منطقتنا العربية، ولكن إما أنه يثقَل بمعدلات فائدة مرهقة على القروض قد تعرقل مشروعه، أو ترفض تلك البنوك التمويل؛ بسبب عدم القدرة على الوفاء بالضمانات اللازمة للقروض.. فماذا سيفعل إذن؟.
هناك أسلوب جديد بدأ يظهر في المنطقة العربية، وهو قيام الشركات الكبرى بدور الممول، سواء لتأسيس مشروعات صغيرة، أو حتى تطوير وتوسيع ما هو قائم منها بالفعل، كما تجمع بعض الشركات بين الشراكة التمويلية والإنتاجية في آن واحد، أي لا يكتفى بدفع أموال، وإنما دعم صاحب المنشأة الصغيرة في العملية الإنتاجية.
ولا تقدم بعض الشركات الكبرى على هذا السلوك الاقتصادي انطلاقا من أنها جمعية خيرية، لكنها تستفيد من ذلك في خفض تكاليف العمليات الإنتاجية لديها، وكذلك خلق أرباح معينة بعد فترة زمنية، ثم الانسحاب بعد نجاح المشروع والعمل مع شركات أخرى، أو استمرار العلاقة بين الطرفين على هذا الشكل.
شركة تمويلية وإنتاجية
هذا النمط من الشراكة التمويلية انتعش في الدول الغربية في العقد الأخير كما يقول جمال مسلم خبير التمويل بالوكالة الكندية للتنمية الدولية لشبكة إسلام أون لاين.نت، لكنه اتخذ أشكالا مؤسسية منظمة، فقد تأسست شركات خصصت لاستخدام الفوائض المالية لدى الشركات الكبرى، في تمويل وتأسيس المنشآت الصغيرة للشباب أو توسيعها، على أن يتم شراكة في الأرباح، وتتعهد الشركة الوسيطة بالحفاظ على أموال الشركات الكبرى من الضياع.
وانتقلت هذا الصورة في التمويل للمنطقة العربية على استحياء، وفقا لمسلم، حيث تبرز في هذا الصدد تجربة جبل علي في دبي التي قامت فيها بعض الشركات الكبرى بتمويل منشآت صغيرة تحت إشراف دائرة التنمية الاقتصادية في دبي.
كما يشير مسلم إلى أن الوكالة الكندية تدرس حاليا تطبيق هذا الأمر في بعض المناطق الصناعية في مصر، مثل العاشر من رمضان (شرق العاصمة القاهرة)، حيث سيتم حصر احتياجات المصانع، بحيث يتم عمل شراكات إنتاجية وتمويلية بين أصحاب هذه المصانع وصناعات صغيرة مغذية.
ويرى أن نجاح هذه الصيغة في التمويل تعتمد على توازن معادلة ما بين أن يجد رجال الأعمال في هذه الشراكة ربحية وتوفيرا لهم، في الوقت نفسه فإن صاحب المنشأة الصغيرة يشعر أنه غير محتَكر من الشركة الكبيرة التي تأخذ منه الإنتاج.
ومثلت هذه الشراكات التمويلية والإنتاجية بين الشركات الكبرى والمنشآت الصغرى أحد الأسس التي قامت عليها تجارب التنمية في آسيا كما يشير الدكتور محمد إبراهيم منصور أستاذ الاقتصاد بجامعة أسيوط جنوب مصر ، فاليابان وماليزيا على وجه الخصوص استفادتا بالشراكة التمويلية بين الشركات الكبرى والمنشآت الصغرى في تطوير حركة الاقتصاد الكلي.
وأضاف منصور أن صيغ التمويل المقترحة للشراكة بين المنشآت الكبرى والصغرى قد تتعدد بحسب السياق الجغرافي والقطاع الاقتصادي الذي يعمل فيه الطرفان، فهناك صيغة المشاركة في رأس المال وتوزيع الأرباح بنسب معينة بين الطرفين، أو مساهمة الشركة الكبرى بتوفير مستلزمات الإنتاج مقابل حصة من الأرباح أو الإنتاج، أو أي صيغة أخرى يرتضيها الطرفان.
وقال: إن القطاع الصناعي بمختلف تنوعاته هو مجال العمل الخصب لهذه الشراكة التمويلية والإنتاجية، لا سيما مع ارتفاع القيمة المضافة في هذا القطاع، كما أنه يحتاج لعدد كبير من الصناعات الصغيرة المغذية، ويقول: إنه في بلدان كمصر حيث يرتفع معدل البطالة (10 % بشكل رسمي، وضعف ذلك في أرقام مستقلة) يمكن للشركات الكبرى عمل شركات إنتاجية مع الشباب أو الأسر حتى في المنازل، خاصة في الصناعات المغذية التي لا تحتاج تكنولوجيا عالية وتكون سهلة الصنع.
مزايا الشراكة وشروطها
ويحدد حنفي عوض الخبير المالي المصري مزايا هذه الصيغة التمويلية، حيث تتيح للشركات الكبرى الاستفادة من أسواق لا تراها، وبتكاليف أقل مما لو أرادت أن تتعامل معها، كما تتيح لها عوائد من السيولة المالية التي قد تتراكم لديها، حيث تستطيع تحويلها إلى سيولة منتجة. أيضا فإنه يشير إلى أن بعض تجارب الشركات الكبيرة فشلت؛ لأنها اعتمدت على نفسها في كل شيء، بينما لو وزعت خطوط إنتاجها سواء الأمامية أو الخلفية على منشآت صغيرة، فحينئذ تقل تكاليف التشغيل أو الإدارة أو العمالة.
أما أصحاب المنشآت الصغيرة، وفقا لعوض، فلديهم مزايا كبيرة من هذه الشراكة التمويلية، حيث يضمنون تسويق منتجاتهم بأرباح معقولة، كما يستفيدون برفع مستواهم الإنتاجي، خاصة أن الشركات الكبيرة تقوم بتأهيلهم وتدريبهم، إذا كانت تشتري منتجاتهم لا مشاركتهم ماليا فقط، كما أن المنشآت الصغيرة لا يمكن لها أن تنمو في الأسواق الحالية للدول النامية، دونما ارتباط بالمنشآت الكبيرة، فهذا الارتباط يكفل لها البقاء والنمو الاقتصادي.
وحتى تؤتي هذه الشراكة التمويلية والإنتاجية ثمارها؛ يحدد الدكتور محمد إبراهيم منصور عددا من الشروط، على رأسها وجود تشريعات اقتصادية تحكم العلاقة، حتى لا يحدث غبن من قبل الشركات الكبرى على الطرف الأضعف في المعادلة وهو المنشأة الصغيرة. كما اشترط أيضا وجود عمالة ماهرة في المنشآت الصغيرة تستطيع التوافق مع متطلبات المواصفات القياسية لمنتجات الشركات الكبرى، وهو ما يستلزم استثمارا من قبل حكومات المنطقة في رأس المال البشري الذي مثّل عماد النهضة في تجارب التنمية في آسيا.
كما يتطلب هذا النمط من التمويل ربطا معلوماتيا بين القطاعات داخل الدولة، أي أن يكون هناك سجل تشرف عليه هيئة في الدولة يشمل رصد كل الشركات الكبيرة واحتياجيها من الصناعات المغذية، بحيث يساعد من لديه فكرة أو حتى مشروع مقام ويريد توسيعه أو ربطه إنتاجيا بهذه الشركات أن يفعل ذلك. ويعتبر د. منصور أن مشكلة التواصل بين الشركات الكبرى والمنشآت الصغرى في منطقتنا العربية تعود إلى جهل كل طرف بالآخر وباحتياجاته.
تجارب.. ومحاذير
هذا النمط من الشراكات التمويلية والإنتاجية له تجارب كما أسلفنا في المنطقة العربية، فيقول د. هشام محمدي مستثمر مصري وصاحب شركات: إنه حاول عمل شراكة إنتاجية دون التمويلية في مدينة بدر الصناعية في مصر، حيث قام من خلال جمعية مستثمري مدينة بدر التي يرأسها بحصر كل احتياجات المصانع من الصناعات المغذية، ثم الاتفاق مع الصندوق الاجتماعي للتنمية في مصر وبنك الإسكان للقيام بعملية التمويل، وبالفعل تم إنشاء ورش خراطة وأخشاب لتغذية هذه المصانع.
ويقول الدكتور محمدي: إنه كمستثمر في مجال المعدات الطبية، يحتاج إلى صناعات مغذية، مثل ورش الديكور والنيكل وغيرها، فمثلا لو أن مستثمرا يشتري لمصنعه بمليون جنيه خراطة في السنة، فسيستفيد إذا قام بتمويل مشروع بـ60 ألف جنيه مثلا، بحيث يخفض تكلفة ما ينفق على بند الخراطة العام... وهكذا.
لكن المستثمر المصري يحذر من أن طبيعة المنطقة العربية تناسب الشراكة بمستلزمات الإنتاج للمنشآت الصغيرة، وتوفير التدريب والتسويق، مقابل نسبة من الأرباح أو حسب ما يُتفق عليه من صيغة، وذلك لأن إعطاء الأموال سائلة لبعض الشباب له مشاكله، فالبعض قد يأخذها ولا يقوم بعمل شيء، ومن الأفضل -من خلال خبرتي- الشراكة العينية والإنتاجية لا المالية، اللهم باستثناء أناس معنيين قد تثق فيهم.
من جهة أخرى، فإن هناك تجارب في دبي مثل صندوق إنجازات للتكنولوجيا الذي يقوم بتمويل الشركات العاملة في مجالات تقنية المعلومات والإعلام والاتصالات، كما يوجد في مصر "آي إف جي هيرمز" التي مولت "مكتوب دوت كوم" من خلال مقرها في الأردن.
وإذا قرر أي شاب أن يعرض فكرته، أو كان لديه مشروع صغير قائم يرغب في توسيعه على إحدى الشركات الكبرى، فعليه أن ينتبه لبعض الأمور، أبرزها أن يختار شركة تعمل في نفس قطاعه أو ما يفكر بإنشاء مشروعه فيه، كما أن عليه أن يكتب خطة عمل عن مشروعه وعن الفائدة التي ستعود على الشركة الكبرى من عمل شراكة إنتاجية أو مالية، خاصة على صعيد المواصفات للمنتج وحجم الإنتاج، وصيغة المشاركة في رأس المال أو الأرباح.
باحث وصحفي مصري.
|