|
القاهرة- مثلت المقاهي في مصر حتى وقت قريب منتديات، وأمكنة للتأمل والتقاء الأصدقاء، وفسحة لالتقاط الأنفاس لدى الغرباء والباعة الجائلين، فضلا عن دورها كمركز للاسترزاق وتجمع أصحاب الحرف كالبنائين والمبيضين والسباكين وعمال التراحيل وكومبارس السينما.
أما الآن فقد تحول الأمر إلى تجارة وبيزنس، نافست فيه مشاريع "الكوفي شوب" الجديدة نظيراتها من "المقاهي" القديمة، وعمدت الأخيرة على مسايرة الأولى في تقديم المأكولات والمشروبات الساخنة، وتوفير الألعاب الجديدة كالبلياردو وتنس الطاولة.
ووفقا لتقرير تلقته لجنة الصحة بالبرلمان المصري العام الجاري 2002، فإن العاصمة القاهرة وحدها سجلت رقما قياسيا في عدد مقاهي الشيشة التي بلغت 43 ألف مقهى، ويقدر قيمة ما يحرقه أصحاب المزاج -في هذه المقاهي- في تدخين الشيشة سنويا بحوالي 40 مليون جنيه سنويا (الدولار = 4 جنيهات و65 قرشا).
وتشير ظاهرة انتشار مشروعات المقاهي والكوفي شوبات التي تكاد تشبه مشروعًا قوميًّا ينتشر في ربوع المحروسة كلها، إلى صدق اعتقاد المصريين بنجاح المشروعات الاقتصادية ذات الصلة بالأكل والشرب، وتلك المتعلقة بالفرجة؛ حيث يتيح الجلوس على المقهى قدرًا متسعًا من الفرجة على عباد الله الغادين منهم والرائحين، وقدرا أكبر من الحرية التي قد يفتقدها المرء بين جدران البيوت المغلقة.
وتبدو الظاهرة -أيضا- متسقة تماما واحتياجات اجتماعية ملحة، ممثلة في تراجع مساحة الحدائق العامة والبقع الخضراء، وارتفاع رسوم العضوية في الأندية الكبرى، وارتفاع معدل البطالة، ورغبة الشباب العاطل ونظرائهم من أرباب المعاش المبكر في تدخين الشيشة وقتل الوقت.
ونظرا لقيام هذه المشروعات بدور تسكيني -كالتليفزيون- تغض السلطات في مصر الطرف عن أنشطة هذه المقاهي.. ونظرا لصعوبة استخراج تراخيص هذه المشروعات بسبب الروتين الذي يستلزم نحو 15 إجراءً.. فإن الغالبية العظمى من هذه المشروعات تعمل بدون ترخيص تحت سمع وبصر السلطات الرسمية.
مدخرات الطفيليين
تشير شهادات أصحاب هذه المشروعات إلى أن أرباحها تتراوح بين ضعف وثلاثة أضعاف استثماراتها؛ وذلك بسبب توافر مفرداتها وأدواتها من أيدٍ عاملة رخيصة، وسلع من شاي وسكر وبُن وقرفة وينسون وكاكاو وكركدية وفحم وشيشة ومعسل، بأسعار السوق التي تتساوى تقريبا مع تلك المدعومة التي يشتري بها المواطن العادي هذه المنتجات لاستخداماته المنزلية.
وعن تجربته في إدارة "مقهى القماح" بميدان الجيش بالعباسية يقول هشام فرح القماح: نُدير المقهى الذي توارثناه عن والدنا الحاج فرح القماح الذي يعود تاريخه لسنوات ثورة يوليو 1952، أنا وأشقائي: أحمد، وصابر، وخميس. تركت وظيفتي الحكومية، وتفرغت للمقهى المتخصص في تقديم نوع معين من"التمباك" أو التبغ الذي يُستورَد خصيصا من إيران واليمن.
أما زبائن المقهى فهم من مختلف الفئات فهم: أطباء، ومهندسون، وضباط، وعاطلون، ومعلمو مقاهٍ أخرى، يأتون خصيصا لتدخين الشيشة المعبأة بذلك التمباك الذي كان يدخنه باشوات زمان.
والمقهى -كما يقول هشام القماح- ليس مشروعا تجاريا فقط، وإنما صنعة ومنتدى لزبائن بعينهم، يتطلب مواصفات معينة؛ ضمان لنجاحه أولها: النظافة والمعاملة الحسنة، كما أن مشروع القهوة يحتاج إلى إجراءات وموافقات عديدة من أقسام الشرطة والأمن العام وأمن الدولة والأجهزة المحلية.
ويعزو هشام القماح انتشار المقاهي في نهاية الثمانينيات والتسعينيات إلى ما حدث من عودة عدد كبير من العاملين بدول الخليج، إضافة لبعض أصحاب المعاش المبكر، مشيرا إلى أن نحو 90% من المقاهي المنتشرة حالية يديرها مواطنون غير متخصصين، يستهدفون الربح فقط دون الالتفات إلى كون المقهى صنعة واحترافًا ومنتدى إن لم يجد الزبون فيه راحته فسوف يبحث عن مقهى آخر، كما يشير إلى إدارة عدد كبير من المقاهي بدون ترخيص؛ وذلك بسبب تعقد الإجراءات.
أما تكلفة مشروع القهوة فهي تختلف من حي شعبي تصل فيه قيمة المكان وحدها إلى نحو ربع مليون جنيه إلى حي سياحي كميدان الحسين والسيدة ترتفع تكلفة المكان إلى المليون جنيه إلى حي راقٍ كالزمالك، وجاردن سيتي والمهندسين تصل فيه هذه الأسعار إلى ثلاثة ملايين جنيه.
وهذا بالطبع بخلاف التجهيزات من سراميك وتشطيبات تتراواح بين عشرات ومئات الآلاف من الجنيهات.
عندما سألت هشام القماح عن العائد والمكسب اكتفى بقوله: "يكفي أن المقهى يفتح بيوت ناس كثيرة، وعموما فإن هذه المشروعات تحقق ربحا معقولا وإلا أغلقها أصحابها أو أجّروها للغير".
في حضرة الحسين
في منطقة الجمالية بالقرب من ميدان الحسين القريب من وسط القاهرة، يقبع "مقهى المشربية" الذي يرجع تاريخه لعام 1960.. يقول مديره محمد القزاز: "توارثنا المقهى أنا وشقيقاي محمود وفهيم القزاز، والمكان كما ترى تراثي تاريخي قديم، وليس تجاريا كالمقاهي الحديثة. ويعمل المقهى طوال اليوم بنظام الورديات، ويتراوح زبائننا بين الباعة وعابري السبيل من زوار الحسين وبعض السياح".
ويحدد الحاج محمود القزاز سر استمرار المقهى بموقعه المميز، إضافة للمعاملة الطيبة والصنعة، أما العائد والربح فهو بالبركة، فنحن في حضرة سيدنا الحسين!!
في مقابل انتشار "المقاهي" في الأحياء الشعبية بمختلف محافظات الجمهورية تنتشر مشروعات "الكوفي شوب" في مدن هذه المحافظات.. ففي مقابل مقاهي شبرا شمال القاهرة ثمة مشروعات مماثلة من "الكوفي شوب" في مناطق راقية، مثل الزمالك والمهندسين، ومراكز التسوق الجديدة "مول" التي بدأت تنتشر في أبراج وسط البلد. والأمر في النهاية لا يختلف سوى في فاتورة الأسعار التي تتضاعف بالنسبة لرواد كوفي شوبات الأحياء الراقية.
وفي نموذج بميدان أسوان بالدقي حوّل أحد الأشخاص الفيلا التي يملكها إلى مقهى على مستوى عالٍ أسماه "تورنيدو". ويضم المقهى -الذي تجاوزت تكلفته الإنشائية فقط مليون جنيه- مواقع للتأمل والاختلاء، وشاشات ضخمة للعرض التليفزيوني للقنوات المشفرة ذات الاشتراك، إضافة إلى مسرح للديسكو والرقص.
ويقدم المكان كافة أنواع المأكولات والمشروبات والشيشة للجنسين، أما عوائد المشروع المكتظ دوما بالرواد فتصل شهريا إلى 15 ألف جنيه، وتتجاوز في شهر رمضان 20 ألف جنيه.
ظاهرة قيمية!
يدل تفشي هذه النوع من الأنشطة الاقتصادية على حدوث حراك سلبي في المنظومة القيمية لدى أصحاب الأعمال من المصريين؛ حيث لم يعُد يعني هؤلاء سوى الربح المادي، بعيدا عن أية تنظيرات كلامية حول الاقتصاد الوطني أو العائد القومي. فالبحث عن الربح السريع دون النظر لجدوى المشروع اجتماعيا قيمة أدخلها الجو العام الذي ساد مصر منذ بدء تطبيق الإصلاح الاقتصادي في مصر عام 1991، وشجع على ذلك المصريون الذين عادوا بعد حرب الخليج الثانية 1991؛ حيث كانوا يبحثون عن مشروعات توفر لهم نفس الدخول التي كانوا يحصلون عليها في الخليج.
من جهته يقر الاقتصادي المعروف، وزير التخطيط الأسبق، رئيس منتدى العالم الثالث د."إسماعيل صبري عبد الله" بزيادة مشروعات "الكوفي شوب" في الأحياء الراقية، ويرجع تزايد عدد المقاهي في الأحياء الشعبية للضرورة الاجتماعية ولأسباب مناخية.
فالمقهى في الحي الشعبي هو نادي الفقراء؛ حيث يتزاور النساء، بينما يجلس الرجال على المقهى، مشيرا إلى أن المقاهي ظاهرة تسود كل دول حوض البحر المتوسط؛ نظرا لحرارة الطقس داخل البيوت المغلقة.
ويؤكد د. إسماعيل صبري انحسار مقاهي زمان، التي كانت تمثل منتديات أدبية، تجمع الأدباء والمثقفين، مشيرا إلى إحلال مشروعات "الكوفي شوب" الأمريكاني مكانها.
ويعزى هذه الظاهرة كتوجه طبيعي إلى انحسار الحدائق العامة، وتفشي مظاهر الاعتداء على النيل، وغلاء اشتراكات الأندية؛ مما لم يعد معه أمام العوام من متنفس سوى المقهى.
ظاهرة غريبة
أما د. محمد محمود الإمام وزير التخطيط الأسبق فيشير إلى أن مقاهي زمان لم تخرج عن 3 فئات: مقاهي المثقفين بوسط البلد، ومقاهي الأحياء الشعبية التي تلبي حاجات اجتماعية لروادها، ومقاهي الحرفيين التي كانت تمثل مكتب تشغيل وتجميع لأصحاب الحرف المختلفة، بينما مقاهي وكوفي شوبات اليوم اتخذت أبعادًا جديدة تتسم بقدر كبير من الريبة والشك لما يحدث داخلها من أنشطة واتفاقيات -سواء بالنسبة للرواد أو صاحب المكان- تدخل في باب الفساد، كتوزيع المخدرات وغسيل الأموال.
ويوضح د. الإمام كيف أن سكان إحدى مناطق شارع عباس العقاد بحي مدينة نصر بالقاهرة أبلغوا المحافظة والشرطة عن الإزعاج والممارسات غير الأخلاقية التي يمارسها زبائن أحد المقاهي، فصدر قرار بإغلاق المقهى، ثم بعد ذلك أعيد افتتاحه؛ بما يعني قيام صاحب المكان "بتسليك" أموره مع الجهات المعنية، مشيرا إلى المكاسب الطائلة التي تحققها هذه الأنشطة؛ بدليل إصرار أصحابها على استمرارها، وتجاوز كافة معوقات وقفها.
المنازل طاردة
من خلال تجربته الطويلة في إعداد البرنامج التلفزيوني "حكاوي القهاوي" الذي تجاوز 1500 حلقة.. يعزى يحيى تادرس المعد التليفزيوني الشهير انتشار المقاهي إلى تحول البيوت إلى أماكن طاردة، وتحول المقاهي إلى أماكن جاذبة، تتيح التصرف بحرية لروادها، وحرية النقاش.
وخلافًا لدراسات الجدوى المطلوبة في المشروعات الأخرى يشير تادرس إلى أن مشروبات المقاهي لا يولِّدها أصحابها، وإنما يفرضها زبائنها وروادها، ولا يحتاج الأمر سوى لموقع وأدوات بسيطة.. فالمسألة ليست معقدة اقتصاديا، كما أن من مصلحة السلطة التغاضي عن هذه الأنشطة؛ لكونها تسمح بنوع من التنفيس الظاهر أو المعلن للجمهور، بينما يفتح التضييق عليها أبواب التنظيمات السرية.
ويشير تادرس إلى تضاعف أرباح هذه الأنشطة؛ نظرا لدورة رأس المال السريعة، ورخص أسعار المنتجات المطلوبة؛ من سكر وشاي، ومعسل متاح ورخيص، وغلاية، وعدد من الصنايعية، وشيش، وسيراميك.
ويرصد يحيى تادرس كيف أن المقهى لم يعد: "زبون - صاحب مقهى - جرسون"، ولكن -ونتيجة للحراك الاجتماعي- فإن أصحاب المقاهي الجدد لم يعودوا أولاد بلد يمكن مصادقتهم مثل زمان، وإنما هم أشخاص أقرب للبلطجية، وينظرون لزبائنهم الجدد أو الغرباء نظرات ارتياب.
أما جرسونات هذه الأيام فمعظمهم من طلبة وخريجي الجامعات، والمشكلة الأخطر في الظاهرة هي أن الزبون الجالس طالب جامعي، والجرسون طالب جامعي؛ يرى الأول من الثاني مصيره المؤلم، ويحسد الثاني الأول على وجود من يعوله ويمنحه المصروف.
ويشير د. "أحمد المجدوب" -الخبير بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية- إلى وجود المقاهي في مصر منذ الحملة الفرنسية، وقيامها بتلبية حاجة لدى الرجال، وارتباط كلٍ بمقهى مفضل.
أما الآن -ومع انتشار المقاهي الجديدة منذ منتصف السبعينيات، وتحول المحلات والمكتبات إلى مشروعات مقاهٍ- فقد اختلف شكل ومظهر المقهى وما يمارَس فيه من ألعاب وسلوكيات؛ بحيث لم يعد صالحًا سوى لفئة الشباب.
وطبقا للمجدوب فإن المقهى في مصر يرتبط بعادات الناس، وطرق التربية.. فالمصريون لا يعودون أبناءهم على طرق صحية لشغل الفراغ، مثل القراءة وممارسة الرياضة والهوايات الأخرى، كما أنهم في نفس الوقت لا يفضلون المشروعات الاقتصادية المعقدة التي تستلزم جهدًا كبيرًا، ويخرج منها منتَج مفيد للناس. ومن هنا وجدت المقاهي زبائن يبحثون عنها ولا تبحث هي عنهم؛ فكان المشروع القومي للمقاهي في مصر.
صحفي مصري
|