|
قديما كان المصريون يسخرون من أي فلاح يبيع أرضه ويغنون له "عواد باع أرضه.. شوفو طوله وعرضه.."، فالأرض كانت تعني الشرف.. ولا يمكن هجرها مهما كانت الظروف والدواعي.
لكن هذه القيمة توارت بعد عقود طويلة أكل فيها الدهر الأرض الزراعية لصالح الكتل الإسمنتية، وأضحى الفلاح يبيع مع كل عام قيراطا من أرضه ليتعيش منه، كما أنه يرفض توريث مهنة الزراعة لأبنائه ويدفعهم إلى العمل بوظائف أخرى.
فالفلاح المصري لا يريد لابنه أن يحمل على عاتقه حفنة من الأوجاع لعل أخطرها عودته أجيرا لدى ملاك الأرض بموجب القانون رقم 96 لسنة 1992 الذي رفع القيمة الايجارية إلى 22 مثل الضريبة، بزيادة تجاوزت 300% وأعطى المالك منفردا الحق في إنهاء عقود الإيجار الزراعية اعتبارا من العام 1997.
وازداد الوضع سوءا بعد انخفاض أسعار المحاصيل وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج من تقاوي وكيماوي وإيجار ومعدات، إضافة لقصر دور وزارة الزراعة على الجانب الإرشادي بعد أن كان دورا خدميا يشمل تقديم مستلزمات الزراعة بأسعار منخفضة وحماية المزارعين من التجار والمرابين وبيع المحاصيل وتسويقها بأسعار تشجيعية حماية للفلاح من سيطرة الاحتكارات.
كما تحول دور بنك التنمية والائتمان الزراعي من بنك خدمي يعاون الفلاح ويدعمه بسلفيات ذات فوائد ميسرة إلى بنك تجاري ربوي يمنحه القروض بفوائد مركبة تتجاوز 20% مما راكم مديونيات الفلاحين، وأدى إلى تهديدهم بالحبس.
فـ "عم محمد" مزارع بسيط من القليوبية اقترض عام 1986 مبلغا من البنك قدره 9600 جنيه بفائدة إجمالية 14% ثم تعثر الرجل في السداد فتم منحه قرضا ثانيا بمبلغ 9 آلاف جنيه لم يتسلم منه شيئا لأنه سدد به جانبا من القرض الأول ليتعثر الرجل مرة ثالثة، وهكذا توالت القروض وازدادت فوائدها حتى وصلت مديونية عم محمد عام 2000 إلى 55 ألف جنيه (الدولار =4.65 جنيها رسميا).
وإزاء تعثر "عم محمد" تم تقديمه للمحكمة التي قضت بحبسه سنة وكفالة 500 جنيه ليهرب الفلاح البسيط ثم يأتي البنك ليحجز على منقولات منزله بعد أن كان قد حجز من قبل على فدادينه الثلاثة.
يزيد من قتامة صورة وضع الفلاح ما يشير إليه خبراء الزراعة المصريون من عدم وجود ميزة تنافسية للمحاصيل المصرية في الأسواق الخارجية بسبب عدم وجود جهاز رقابي متكامل يشرف على طبيعة التربة والتقاوي والمبيدات المستخدمة والآفات المنتشرة وقواعد التخزين والنقل حتى مرحلة الشحن.
كما تسبب ارتفاع أسعار الدولار أمام الجنيه المصري خلال عامي 2001 و2002 في وقوع أعباء جديدة على كاهل الفلاح المصري نتيجة ارتفاع فواتير الواردات من التقاوي والأسمدة الزراعية لا سيما بعد تدهور الصناعة المصرية في مختلف المجالات واعتمادها في معظمها على المكون الأجنبي.
هجر المهنة
وإزاء هذه الأوجاع عمد عدد كبير من المزارعين إلى هجر مهنة الزراعة، حيث أشارت دراسة ميدانية لوزارة القوى العاملة في عام 2002 إلى أن نسبة المزارعين من عمالة الأرصفة التي يتجمع أفرادها في الميادين العامة بحثا عن فرصة عمل يشكلون نحو 90%، كما تحول بعض الفلاحين لإدارة مشروعات صغيرة، مثل محلات البقالة، والميني ماركت، والمقاهي.
ويحكي "عم حسن" الفلاح بقرية سرياقوس بمحافظة القليوبية قصة معاناته مع الأرض فقد استأجر فدان الأرض بنحو 1500 جنيه سنويا، لكن تكاليف الزراعة من ملح وكيماوي وإيجار محراث وماكينات المياه تستنزف قيمة ما تنتجه الأرض من محاصيل.
غير أن "عم حسن" لا يريد ترك الأرض حتى لا يؤجرها المالك لمستأجر آخر خوفا من الترهل والشيخوخة، فالزراعة حرفته الأصلية وأكل عيشه على مدى عمره المديد.
وبالرغم من قلة عوائدها مقارنة بأسعار المستلزمات والعناء المبذول فإنه يكفيه ما تمنحه من خضار يغطي احتياجات عائلته التي أصبحت تضم أفواها جديدة إثر زواج الأبناء.
وحال عم حسن لا يختلف كثيرا عن المزراع عمارة قنديل -70 سنة- الذي يلخص عمارة حال الفلاح بقوله: "يا دوب عايش بعد أن أصبح مالك الأرض هو المتحكم في قيمة الإيجار ومدته".
ويرصد عريان نصيف - مستشار اتحاد الفلاحين تحت التأسيس - تطور أحوال الفلاح المصري في دراسة له حيث يقول إن 22% من ملاك الأراضي كانوا حتى عام 1894 يحوزون أكثر من 50% من جملة الأراضي، وإنه وفقا لإحصاءات 1950 كان حوالي 75% من الفلاحين أجراء في أراضي مملوكة لكبار الملاك.
وأشار نصيف إلى حرص قانون الإصلاح الزراعي الذي أصدرته الثورة رقم 178 لسنة 1952على قيام حالة من التوازن والعدل بين الملاك والمستأجرين، وأوضح كيف أن القانون حقق زيادة في الإنتاج الزراعي، واستقرار الأوضاع الاجتماعية بالريف نتيجة لاستقرار وتوازن العلاقة الايجارية، حيث بلغت محصلة الإنتاج الزراعة عام 69/1970 ما قيمته 128.7 مليون جنيه وتوفير فائض عملات يقدر بـ 66.6 مليون جنيه، إضافة لتغطية المحاصيل الرئيسية للاحتياجات المحلي، مثل القمح بحيث لم يتم سوى استيراد كميات بسيطة.
يأتي ذلك خلافا للآثار الاجتماعية والاقتصادية المترتبة على تطبيق القانون 96 لسنة 1992، حيث أدى تضاعف القيمة الايجارية إلى عودة السخرة ونظام الأجراء إلى ريف مصر؛ وذلك إثر عودة الأرض لملاكها الذين لا يملكون عناء الزراعة، وباتوا يتحكمون في القيمة الايجارية ومدة التأجير وأشخاص من يؤجرون لهم.
كما تأثرت حياة نحو 6 ملايين مواطن ليس لديهم مهنة أخرى سوى الزراعة إضافة لتدهور الإنتاج الزراعي واتساع الفجوة المحصولية والغذائية إثر تحايل عدد من ملاك الأراضي على القوانين وتحويل أراضيهم إلى مشروعات إسكانية وسياحية.
ويشير نصيف في دراسته إلى أن تطبيق قانون عام 1992 أدى إلى طرد نحو مليون و 600 ألف و200 مستأجر.
ماذا يفعلون
لكن كيف يتغلب الفلاحون على هذه الظروف؟ مطلوب وعي مجتمع بأهمية الزراعة كعنصر أساسي في توفير الأمن الغذائي.. ودفع الشباب إلى هذه المهنة ومساعدتهم على ذلك من كل أجهزة الدولة ومنظمات المجتمع المدني يضاف إلى ذلك دور إعلامي في خلق تعمق قيمة الارتباط بالأرض.. وكذلك تعريف الفلاح بأهمية الحفاظ على أرضه وزيادة إنتاجيتها.
يقول عبد المعطي مسعود مسئول زراعي إن "الفلاح الشاطر" هو الذي يزرع أرضه عدة دورات في الموسم الواحد إضافة إلى بعض المشروعات الخاصة كتربية الدواجن والبهائم، وبيع ما تدره من بيض وألبان.
وهي وجهة نظر يؤيدها د. أحمد بدوي رئيس وحدة بحوث الأراضي بمركز البحوث الزراعية الذي يرى أن الفلاح المصري هو بالفطرة اقتصادي من الدرجة الأولى دون أن يلتحق بالتعليم، فهو يدرس أي مشروع قبل الإقدام عليه، مشيرا إلى أن جيل الوسط من الفلاحين نقلوا عن أجداهم ما توارثوه من خبرات اقتصادية تعلموها من الإرشاد الزراعي.
وفي تجربة شخصية يروى د. بدوي كيف أنه نصح أحد الفلاحين الذي كان يعاني من ملوحة شديدة بأرضه بزراعة قصب السكر بشرط أن ينشئ محلا لبيع عصير القصب في البلدة، وكانت النتيجة مبهرة، حيث نجح المزارع في التغلب على مشكلة ملوحة الأرض إضافة إلى اكتشاف في مصدر جديد للدخل.
ويعتقد د.بدوي أن إصلاح أوضاع الزراعة يستلزم تضافر جهود وزارتي الري والزراعة والفلاحين، فيتعين على الفلاح مراعاة ما يناسب أرضه من محاصيل ومتابعة إرشادات الجمعية الزراعية الخاصة بأفضل موعد للزراعة على أن يقوم المزارع بري الأرض، ومنحها سماد الدفعة الأولى ثم الدفعة الثانية دون تجاهل التزامه بإزالة الحشائش، وعزق الأرض خلال فترة ما بين الدفعتين.
كما أن على وزارة الزراعة توفير التقاوي اللازمة قبل موعدها بالكمية والنوع المناسبين، كما أن عليها أيضا توفير مياه الري، وتطهير المجاري، وصيانة شبكات الصرف العمومية.. فتعاون أطراف العملية الزراعية هو السبيل لكي لا يهجر الفلاح أرضه.
صحفي مصري
|