English

 

الخميس. مايو. 22, 2003

نماء » مشروعات وتجارب

 

كنز ميت الحارون..!

خالد حنفي علي

مقاطف كاوتش معدة للتسويق
مقاطف كاوتش معدة للتسويق

هل فكرت ذات مرة أين يذهب إطار سياراتك بعد أن تنتهي مدة صلاحيته أو يتلف؟.. ربما السؤال لا يعنيك؛ فأنت تعتبره شيئا قديما تريد التخلص منه.. لكن لو قرأت معنا هذه السطور.. فستكتشف أن مصريين حولوا هذا الإطار القديم إلى مصدر للنماء والعمران.

فعلى بعد 68 كيلومترا شمال العاصمة القاهرة استطاعت قرية كفر ميت الحارون التابعة لمحافظة الغربية شمال مصر أن تقيم تنميتها على استخراج منتجات نافعة من الإطارات المستعملة.

وقد أصبح لهذه القرية "ماركة مسجلة" في صناعة الكاوتش، وتحولت من مجرد فلاحين يشكون كلفة الزراعة وقلة عائدها إلى قرية يطلق عليها البعض "كويت الغربية" في إشارة إلى ارتفاع مستوى الدخل مقارنة بالقرى المجاورة لها، ويتراوح مستوى الدخل في القرية من 150 إلى 300 دولار شهريا[1].

ملامح عمرانية مختلفة

ما إن تطأ قدماك ميت الحارون التي لا يتعدى سكانها 50 ألفا، حتى تجد ملامح عمرانية وبشرية مختلفة عن تلك التي مررت بها عبر 68 كيلومترا، فالمنازل أغلبها من "الطوب الأحمر" وبعضها تم كسوتها بالرخام.

كما تتجاور الأراضي الزراعية مع عشرات ورش الكاوتش جنبا إلى جنب.. في مشهد ينبئ عن تناغم لعقلية فلاحي ميت الحارون، حيث اقتطع أغلبهم القليل من أرضه لإقامة هذه الورش، لكن ذلك لم يدفعهم إلى ترك الزراعة، فامتلاك الأرض لا زال يحدد مكانة الفلاح في السلم الاجتماعي في ميت الحارون، رغم أن غالبية أهل القرية متعلمون (يتركز معظمهم في شريحة المؤهل المتوسط).

ويجْمَع أهالي القرية بين الصناعة والزراعة عن طريق استقدام عمال من القرى المجاورة ليعملوا بالأراضي الزراعية، بينما يركزون ومعهم أبناؤهم على صناعة تدوير الكاوتش.

منذ الخمسينيات

آلة الونش ساهمت في انتشار إعادة تدوير الكاوتش

بدأت تجربة الاستفادة من إطارات الكاوتش المستعمل -طبقا لروايات أهل ميت الحارون- منذ الخمسينيات من القرن الماضي.. حيث سافر بعض أبناء القرية إلى شارع محمد علي في قلب القاهرة ليبدءوا أول عملية إعادة تدوير للكاوتش المستعمل، لكن اقتصر نطاقه على أعمال بسيطة كاستخدام قطع من الإطارات المستعملة لإصلاح الأحذية وتركيب نعال لها.

ثم عاد بعض أهل الحارون بعد سنوات من الغربة إلى قريتهم، حيث طوروا الاستفادة من الإطارات المستعملة ليستخرجوا منها شرائح مطاطية ويصنعوا "المقاطف" أو "القفف"، وأقيمت العديد من الورش التي تقوم بهذا العمل.

غير أن المشكلة التي كانت تواجه العاملين بهذه الصنعة هي أنها تحتاج لمجهود عضلي كبير، حيث كانت عملية استخراج الشرائح المطاطية من إطار الكاوتش تتم باليد وهو ما جعل هذه الصنعة آنذاك تقتصر على فئة قليلة من الناس ممن يستطيعون بذل مجهود عضلي، وكان الناس يطلقون على من يعملون بهذه المهنة "الأشقياء"!

لكن حدث تطور سمح بانتشار هذه الصنعة بالقرية، وهو ابتكار آلة يدوية تدار بتروس تسمى "الونش" تستخدم لاستخراج شرائح الكاوتش من الإطار المستعمل بدلا من استخدام المجهود العضلي.

عملية سلخ شريحة الكاوتش

ويختلف ثمن هذه الآلة حسب حجمها، ولكنه يبدأ في كل الأحوال من ألفي جنيه (400 دولار تقريبا)، كما أن تأسيس ورشة لا يحتاج الكثير، فيكفي أرض مساحتها 50 مترا مربعا، ومعدات بسيطة منها: سكين وشاكوش ومسامير...

أما عن جلب الكاوتش القديم فيتم ذلك بطرق متعددة، إما بنظام تسريح عمال ميت الحارون في القرى والمراكز المجاورة، بحيث يمكن جلب أكبر عدد من الإطارات المستعملة من المحلات أو من أصحابها مباشرة بكل أنواعها وأحجامها، بدءا من إطارات السيارات الملاكي وحتى إطارات الجرارات واللوادر.

ويقول أحمد فتحي -دبلوم تجارة، 32 عاما-: إنه عمل في ورش للكاوتش ثم انتقل ليصبح تاجرا يجمع للقرية الإطارات المستعملة من الإسكندرية حتى أسوان.. حتى إنه يذهب أحيانا إلى بعض الدول العربية المجاورة -كليبيا- ليحضر إطارات مستعملة لتشغيل ورش ميت الحارون.

وتمثل شركات السياحة مصدرا مهما، خاصة أنها تمتلك أساطيل سيارات يتم فيها تغيير الإطارات كل فترة، كما تعد المزادات أيضا مصدرا مهما للحصول على هذه الإطارات، وما إن يُعلن عن مزاد، خاصة بالقاهرة أو الإسكندرية، حتى تجد تجارا صغارا وكبارا وأصحاب ورش بالقرية يذهبون إليه.

وهناك نظام يسمى "البنطات" أي توزيع المزاد بنسب عادلة وفقا لقوة التاجر، كما أن التجار يتفقون فيما بينهم على سقف سعر محدد، ومن لا يمتلك القدرة على المنافسة بالمزاد "يطهرونه" بمعنى يعطونه مبلغا لترضيته حتى يخرج ولا يتفتت المزاد.

ويعتبر مزاد شركة أتوبيسات النقل العام من أهم المزادات المصرية للإطارات المستعملة.. ويقترب حجم المطروح فيه من مليون جنيه تقريبا، ويعقد المزاد عدة مرات في السنة.

مهنة من 30 سنة

عبد الحميد يبدأ في شطر الكاوتش

عبد الحميد -37 عاما- أحد أصحاب الورش بميت الحارون.. مؤهل متوسط (دبلوم صنايع) ملامحه مصرية خالصة يعلوها الشقاء، تعلم مهنة تدوير الكاوتش في السابعة من عمره، فهو يعتبرها حياته، وعمل بالكاوتش داخل مصر وخارجها وهو صاحب ورشة يعمل بها أربعة عمال.

التقط عبد الحميد "فردة كاوتش" ليشرح لنا بيانا عمليا حول صنعته.. أمسك سكينا حادا ثم شطر إطار الكاوتش نصفين، ثم أمسك بنصف الإطار.. وبدأ يبحث عن مدخل لفصل الشرائح الداخلية للكاوتش.

وما إن أمسك عبد الحميد بشريحة من طرفها حتى التقط عامل آخر بالورشة نصف الإطار لتبدأ الدورة الثانية من خلال شد شريحة الكاوتش الداخلية بونش، وربطه في "زرجينة" (آلة شد) لتخرج الشريحة من الإطار على هيئة قطعة مسطحة نظيفة على هيئة نصف دائرة.

الدورة الثالثة من نصيب عامل آخر، حيث يتم تكوير الشريحة "المسلوخة من الإطار" لتأخذ شكل "المقطف أو القفة" ويتم عمل قاعدة من الكاوتش أيضا كما توضع "كباسين" أو مسامير لتربط القاعدة بالشريحة التي تم تكويرها.. كل هذه العملية التي قام بها عبد الحميد وعماله لم تستغرق سوى عشر دقائق.

ويقول عبد الحميد: إنه عمل في منتجات الكاوتش في السعودية والأردن والكويت، وكان يقوم بصناعة "شرائط" من شرائح المطاط لمقاعد الكراسي الكبيرة (الأنتريهات).

منتجات أخرى

لم يقتصر أهالي ميت الحارون على "المقاطف"، بل إن حبهم لهذه الصناعة جعلهم يبتكرون منها منتجات أخرى، فها هو عبده عبد الرحمن -39 عاما، بكالوريوس تجارة- وصاحب إحدى الورش يصنع في ورشته منتجا آخر من الإطارات المستعملة وهو "الطاقية السلك"، وهي تستخدم "لتجبير" الإطارات، أي لسد أي خروقات في الإطارات بحيث يتم استخدامها مرة أخرى، ويعمل معه عاملان.

فيما يركز الشيخ زين -43 عاما- في ورشته على صنع سيور عريضة من الإطارات القديمة للطائرات، وهذه السيور تستخدم لقوتها ومتانتها في حمل الحقائب بالمطارات، كما يستخرج أيضا من هذه الإطارات سيور للجرارات التي تستخدم للحرث.

أما عبد المجيد.. عم أحمد فتحي فهو مبدع ميت الحارون، فكل فترة يفاجأ الناس بمنتج يخرج من الكاوتش.. وكان آخر ما فعله أن عمل ماسورة كاوتش لماكينات ري الأراضي. كما اتجه البعض لإقامة ورش إصلاح للإطارات القديمة لتعود مرة أخرى للعمل.

التسويق سمعة

تسويق منتجات ميت الحارون ليس له إدارة منظمة بالقرية، إنما يعتمد على حذق وحركة صاحب الورشة وسمعته وجودة منتجه، ومع انتشار سمعة القرية أضحى الكثير من العملاء يأتونها من كل القرى المجاورة، بل ومن الإسكندرية والقاهرة.

ويقول عبد الحميد: إن التسويق ليس صعبا.. فهو يعتمد على جودة منتجك، مشيرا إلى أن شركات الطوب تقبل على شراء "المقاطف" التي تصنعها القرية؛ لأن جودتها عالية، وكذلك شركات مصرية تعمل في تصنيع الكاوتش.

ولعل هذه السمعة دفعت بعض الطامحين بالقرية إلى فتح منافذ لبيع إطارات السيارات الجديدة.. وظهرت محلات تبيع علامات تجارية عالمية مثل "بريد جستون" وغيرها.

مشاكل وأحلام

لكن ميت الحارون تعاني من مشاكل، أبرزها العلاقة مع السلطة، وخاصة في مسألة الضرائب، فأصحاب القرية يشكون من التقديرات الجزافية للحكومة والأخيرة تقول إنهم يكسبون كثيرا. ولعل هذا الهاجس جعلهم يعتبرون أن أي غريب قادم إلى القرية على أنه "بتاع ضرايب جاي ياكل كدنا".. وهذه النظرة كادت تعرقل رصدي لتجربة القرية؛ لولا الأستاذ صلاح عيسي -مثقف ميت الحارون- الذي صحبني في عملية الرصد.

كما أن الحكومة نفسها لم تهتم بتجربتهم أو تساعدهم على تطويرها بآليات حديثة، فلم يفكر أحد في إنشاء مركز متخصص من خبراء في صناعة الكاوتشوك يساعدهم في تطوير منتجاتهم أو حتى تقيم لهم بنية تتوافق مع متطلباتهم للجمع بين الصناعة والزراعة.

ورغم ذلك فإن ثمة أحلاما بالقرية، فصلاح عيسى "يفكر في إنشاء مدرسة ثانوية.. تدرس دبلوم تدوير صناعة الكاوتش.. لتنتقل صناعة الكاوتش بالقرية إلى آفاق أكبر تكفل لها الاستمرار وسط عواصف الركود، والمنتجات التي تدخل مصر".

كما يحلم صلاح بإنشاء شركة أهلية يساهم فيها كل أهل القرية، وتدير هذه الشركة عملية التسويق ووضع معايير لجودة السلع، وكذلك تنظم المزادات الكبرى حتى يكون لأهل القرية قوة فيها. ويعتبر صلاح أن هذه الأحلام ستحول ميت الحارون إلى نموذج للتنمية الجماعية المنظمة التي يحصل فيها كل أهل القرية على حقهم.

إنها أحلام قد تتحول إلى حقيقة.. فمن كان يصدق أن هذا الكَفر الذي ظل لسنوات يعاني الفقر سيطلق عليه الناس يوما ما "كويت الغربية"؟!


باحث وصحفي مصري.

[1]التقدير غير رسمي، فأهالي القرية يرفضون الحديث عن دخولهم خوفا من الضرائب، وهي عادة موجودة داخل المجتمع المصري وتعكس الإدراك السلبي للمواطنين في التعامل مع السلطة

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم