English

 

الأحد. يونيو. 11, 2000

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات آسيوية

 

الاقتصاد الروسي

بين "العبد الأجير".. والروس الجدد

عبد الكريم حمودي

تراجع الاهتمام الإعلامي الدولي بالاقتصاد الروسي ومشكلاته المعقدة منذ بدء هجوم القوات الروسية على جمهورية الشيشان، وبالتحديد منذ تولي "فلاديمير بوتين" لمهام الرئاسة الروسية في التاسع من آب (أغسطس) 1999م، وبشكل أوحى لكثير من المتابعين بأن مشكلات الاقتصاد الروسي قد حُلَّت، أو هي في طريقها إلى الحل، فيما كانت كل التقارير تؤكد قبل ذلك التاريخ أن الاقتصاد الروسي مصاب بكل الأمراض الاقتصادية المزمنة مثل انتشار الفقر، وتراكم الديون، والعجز عن دفع رواتب الموظفين والجنود في مواعيدها، وهبوط الإنتاج الزراعي والصناعي، وتفشي الفساد والرشوة وسيطرة عصابات المافيا على معظم مجالات النشاط الاقتصادي والمالي في الدولة.

ولو اقتصر الأمر على تجاهل وسائل الإعلام للمشكلات الاقتصادية لكان الأمر مقبولاً إلى حد ما، على اعتبار أن متابعة الحرب التي تشنها القوات الروسية ضد الشعب الشيشاني تحت يافطة "محاربة الإرهاب"  يحتل الأولوية في اهتمامات الناس على جميع القضايا الأخرى بما فيها الوضع الاقتصادي المتردي للدولة الروسية، لكن القضية انسحبت أيضًا على الدول الكبرى والمؤسسات الدولية الدائنة لروسيا وفي مقدمتها صندوق النقد والبنك الدوليين، والتي كانت قبل ذلك بعدة أشهر قد علقت القروض الممنوحة لروسيا لإجبارها على إتمام رزمة من الإصلاحات الضريبية والتشريعية المطلوبة، فما الذي تغير؟!

إسقاط ثلث الديون بعد دَكِّ جروزني

الدول الكبرى والمؤسسات المالية الدولية لم تكتفِ بعدم المبادرة إلى اتخاذ إجراءات اقتصادية ضد روسيا لوقف الحرب على غرار ما فعل الصندوق مع إندونيسيا في أيلول (سبتمبر) 1999م؛  لإجبارها على الانسحاب من تيمور الشرقية، كما لم تكتف بالسكوت على حرب الإبادة ضد الشعب الشيشاني فقط؛ بل اتخذت موقفاً مسانداً لروسيا، وقدمت الدعم الكبير للاقتصاد الروسي الذي كان قبل اندلاع الحرب على شفا الانهيار، حيث استأنفت هذه المؤسسات وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي تقديم القروض لدعم الاقتصاد الروسي، فبعد تولي بوتين لمقاليد السلطة بوقت قصير أعلن الصندوق عن استئناف دعمه للاقتصاد الروسي وقدم الصندوق قرضاً بقيمة 360 مليون دولار. 

وليت الأمر اقتصر على ذلك، فقد كُشِفَ النقاب مؤخراً عن أنه - وأثناء حصار العاصمة الشيشانية جروزني ودكها بالصواريخ - أعفت الدول الدائنة وصندوق النقد روسيا من ثلث الديون المستحقة عليها، وبما يزيد عن خمسة مليارات دولار، وقد توصل إلى هذا الاتفاق وزير المالية في الحكومة الروسية السابقة "ميخائيل كاسيانوف" الذي كافأه بوتين بتعيينه رئيسًا جديداً للوزراء بعد فوزه برئاسة الدولة الروسية. ومما يؤكد ذلك أن الديون الروسية لصندوق النقد الدولي انخفضت من 19.44 مليار دولار في تموز (يوليو1999) - قبل تسلم بوتين لمهام الرئيس - إلى 14.92 مليار دولار، وهو ما أكدته بيانات الصندوق التي نشرت في التاسع من كانون أول (ديسمبر) 1999 من أن روسيا تواصل تسديد قروضها القديمة للبنك الدولي.

ولكي نحيط بأبعاد الدعم الدولي للاقتصاد الروسي فإن خدمة الديون الروسية للعام الجاري 2000 تبلغ 6.7 مليار دولار، بالإضافة إلى أن الموازنة الروسية في هذا العام وضعت من ضمن الموارد تلقي نحو 6 مليارات دولار من القروض الجديدة - تمثل ربع إيرادات الموازنة الإجمالية لعام 2000 والبالغة نحو 24.5 مليار دولار، منها نحو أربعة مليارات من صندوق النقد الدولي، ما يرفع قيمة القروض والإعفاءات التي منحها الصندوق لروسيا منذ تولي فلاديمير بوتين إلى روسيا إلى أكثر من 8 مليارات دولار!، فلماذا يدفع صندوق النقد الدولي كل هذه المليارات ؟!

الاقتصاد السيئ على هامش برنامج بوتين

والآن ومع تواصل الحرب في الشيشان وعدم بروز أي مؤشرات على وقفها أو قرب انتهائها، بدأت الأنظار الداخلية تعود للتركيز على الوضع الاقتصادي المتدهور وفشل الإصلاحات الاقتصادية التي طبقتها روسيا بإشراف صندوق النقد الدولي خلال السنوات الثمانية الماضية، ولعل مما ضاعف القلق لدى المواطنين الروس أن برنامج بوتين الانتخابي خلا من أي تصور اقتصادي لمعالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية، أو على الأقل وعد بتخفيف حدة البؤس الذي بات يميز حالة غالبية المواطنين الروس.

ومما رفع من حدة التشاؤم ما جاء في خطاب رئيس الوزراء الروسي الجديد "ميخائيل كاسيانوف" في مجلس الدوما مؤخراً – الذي أقر ترشيحه برقم قياسي من الأصوات - من أن الإصلاح يجب أن يكون نشطاً ومناسباً ومتوازناً. وأن حكومته ستخصص الموارد اللازمة للصناعات التحويلية وتمضي قدماً بالإصلاح الضريبي، وهو ما اعتبره بعض النواب أشبه برواية عن كنز خيالي، فيما علق "أوليج موروزوف" رئيس جناح الأقاليم الروسية بالقول: ما سمعناه اليوم هو مجرد رسم تخطيطي، وهو ما ظهر في تفاصيل البرنامج الذي كشف عنه كاسيانوف في 26 أيار (مايو) 2000م، حيث أعلن رئيس الوزراء تفاصيل خطته للإصلاح الاقتصادي التي تضمنت مجموعة من الوعود التي يبذلها كل رئيس حكومة جديد بين يدي الشعب لدى توليه لمهام منصبه، منها وعده بخفض معدل الضريبة على الدخل إلى 13%، بعدما كانت تتراوح من 12% إلى 22%. كما أعلن عن حوافز لسداد الضريبة، وأشار إلى إقرار إعفاءات ضريبية كحوافز للاستثمار، فضلاً على تقنين أكثر لدور مكافحة التهرب الضريبي، والتي بلغ حد قصورها في العهود السابقة إلى تحصيل الضرائب من الفقراء لحساب تهرب الأغنياء.

ويرى بعض الخبراء أن بدء "كاسينا يوف" بالإصلاح الضريبي يمثل استجابة فورية لشروط صندوق النقد الدولي؛ لتوفير مبالغ مالية جديدة لتخفيض العجز في ميزان المدفوعات ولتسديد القروض وخدماتها المرتفعة باستمرار، فيما كان الأولى الالتفات إلى الأزمة الخانقة التي تعصف بجميع طبقات المجتمع الروسي  – باستثناء الطبقة المنفذة - ابتداء من تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع معدلات البطالة وتفشي الفساد والإرهاب الداخلي وانتهاء بارتفاع أعداد المرضى والمشردين والعجزة.

ولعل ما صرح به عضو مجلس الدوما الروسي السابق "سفيتوسلاف فيودروف" الذي خاض انتخابات الرئاسة الروسية ضد يلتسين عام 1996م يسلط الضوء على عمق الأزمة التي وصلت إليها البلاد بعد ثماني سنوات من إصلاحات الرئيس السابق يلتسين، حيث قال: "إن أزمة الاقتصاد الروسي تعزى إلى عوامل سيكولوجية ذلك أن 90% من سكان روسيا أصبحوا "تسيطر عليهم عقلية العبد الأجير"، ويعزو أسباب التخلف إلى أن ربع الطاقة العاملة في البلد يساهم في إنتاج السلع والخدمات، في حين أن 20 مليون موظف يتفرجون ويسرقون، والبقية الباقية عاطلة عن العمل".

هروب الأموال وانخفاض الاستثمارات الأجنبية

ويتفق كثير من المحللين على أن الانهيار البيئي قد يكون جرس الإنذار الوحيد الصادر منذ بداية الإصلاح عام 1992م، وجاء في تقرير صدر مؤخراً أن الاستثمار الرأسمالي يواصل الانخفاض منذ 12 عاماً وبلغ معدل الانخفاض في عام 1999م نحو 22% مقارنة مع أرقام عام 1991م. ومن أهم العوامل التي ساهمت في ذلك هروب رؤوس الأموال بكميات كبيرة من البلاد، حيث تشير التقديرات إلى خروج ما بين 130 إلى 140 مليار دولار منذ عام 1993م من البلاد، ولا يزال يهرب رأس المال حتى الآن بمعدل مليار دولار أو مليارين شهريًّا وِفْق ما قاله مسؤولون في الحكومة الروسية. وخلال الفترة ذاتها لم تتجاوز الاستثمارات الأجنبية مبلغ الـ 10 مليارات دولار، وفيما حصلت روسيا على دعم من صندوق النقد والبنك الدوليين مقداره 25 مليار دولار.

ومما يلفت النظر هو انخفاض قيمة الاستثمارات الأجنبية قياساً بالأموال الهاربة، وهو ما دفع رئيس اللجنة الاقتصادية في مجلس النواب الروسي "سيرجي جلازيف" العضو البارز في الحزب الشيوعي، إلى القول: إن أكبر تَحَدٍّ يواجه البلاد هو انخفاض الاستثمارات الأجنبية، وأضاف أن عنق الزجاجة سوف يظهر خلال الأعوام الثلاثة أو الأربعة المقبلة، فنحن في حاجة للتخلص من نحو ربع الأصول لدينا؛ لأنها قديمة وعفا عليها الزمن، وإذا لم نفعل ذلك فسوف يواجه الاقتصاد أزمة جديدة.

لكن الروس الجدد الذين يسيطرون على ناصية الاقتصاد الجديدة عقب فترة الاتحاد السوفييتي السابق، هم المسؤولون عن هروب رأس المال خارج البلاد، وهم الذين يشترون الشقق في جنوب فرنسا، وهم الذين اختاروا بوتين ليخلف يلتسين لتعزيز موقفهم به.

       ويجمع العديد من الخبراء على أن الإصلاحات الاقتصادية زادت الأوضاع سوءاً بالنسبة لكثير من الناس، باستثناء قلة قليلة يطلق عليها الروس الجدد والمقصود بهم رجال الأعمال، حيث أدت هذه الإصلاحات إلى أن حل محل الاقتصاد القديم في مؤسسات الدولة غير الكفء اقتصاد جديد أهم ما يتميز به الفساد، ومن ثم توقف الإصلاح في منتصف الطريق، وتم خصخصة أصول الدولة في مناخ تسود فيه فوضى قانونية مما أدى إلى عدم السيطرة الكافية. وقد أصبحت هناك زمرة غنية جدًّا بحيث لا يمكن أن يسيطر عليها أحد وينظم سلوكها، كما سيطرت هذه الزمرة على العملية السياسية؛ لذلك فإن الحديث عن الإصلاح سواء بدأ من النظام الضريبي أم من غيره لن يكون مجدياً.

تدهور الأوضاع الصحية

وبالإضافة إلى الأزمات السابقة، فهناك تدهور الأوضاع الصحية في البلاد والتي تهدد مستقبل الدولة ولم يلتفت إليها أحد حتى الآن، فعلى سبيل المثال أدت سياسات الانفتاح الاقتصادي وهجمة شركات التدخين على روسيا إلى انخفاض الأعمار وزيادة معدلات الوفاة بين الرجال الروس حتى غدت من أعلى المعدلات في أوروبا، كما جاء في دراسة نشرت في 22 أيار (مايو) الجاري، وقالت الدراسة: إن ثلثي الرجال الروس الذين يموتون في الأربعينيات والخمسينيات يدمنون على التدخين والمشروبات الكحولية.

وضمن هذا السياق قالت صحيفة/ واشنطن بوست/ الأمريكية إذا كانت الديموغرفيا هي المقياس فإن قَدَر روسيا في الخمسين سنة القادمة سيكون مروعاً، مضيفة أن الإصابات بمرض السل على سبيل المثال ستصل عام 2002م إلى مليون إصابة، بالإضافة إلى مليوني إصابة بالإيدز.

 الصحيفة في الحديث عن حجم المشكلة الصحية فتقول: إن نفقات معالجة المرضى الروس في الوقت الحاضر تحتاج إلى 30 مليار دولار، وهذا المبلغ غير متوفر ولا يمكن أن يقدمه صندوق النقد الدولي، ولا الموازنة الروسية التي ستعاني من عجز كبير بسبب الحرب الشيشانية.

ما يمكن قوله في ختام هذا الاستعراض إن الانهيار الاقتصادي الروسي يتواصل، وإن سياسة الدولة الروسية التي تُصِرُّ على استمرار الحرب ضد الشيشان لن تستطيع وقف هذا الانهيار، وأن صندوق النقد الدولي لن يستطيع أيضاً الاستمرار في تقديم القروض الجديدة وإعفاء الدولة الروسية من ديونها؛ لذلك فإن كافة المؤشرات تؤكد أنه لن يمر وقت طويل حتى يكتشف الشعب الروسي حقيقة الخديعة التي تعرض لها باختيار بوتين منفذ المجزرة في الشيشان، فإصلاحيو يلتسين – بوتين ورجال صندوق النقد الدولي وعصابات المافيا ما زالوا يوجهون السياسات الروسية الاقتصادية والعسكرية ويتحكمون في جميع المفاصل الاقتصادية ويهربون أموالها إلى المصارف الغربية، وبقاء الأوضاع على هذا الشكل سيؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى اندلاع النيران داخل الدولة، وإذا كانت القيادة الروسية قد أطلقت لجنودها العنان في الشيشان قتلاً وسلبًا ونهبًا، فإنها ستحصد ثمار هذه السياسة داخل الدولة الروسية ناهيك عن الدول التي ما زالت خاضعة للنفوذ الروسي.


  باحث اقتصادي

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم