English

 

السبت. سبتمبر. 30, 2000

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عربية عامة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

العرب والصندوق:

توحَّد الصوت وبقي الفعل!!

مغاوري شلبي

  نادراً ما يتوحد الخطاب العربي حول قضية من القضايا الاقتصادية أو السياسية خاصة إذا كانت القضية متعلقة بتوجهات الدول العربية نحو النظام الاقتصادي العالمي، ولكن فى الاجتماع السنوي لصندوق النقد والبنك الدوليين المنعقد فى براج خلال الفترة من 19-28 سبتمبر 2000 وحد العرب خطابهم أمام هاتين المؤسستين الدوليتين التوءم؛ حيث أعدت الدول العربية خطاباً مشتركاً لطرحه فى هذا الاجتماع لتحديد الأولويات التى تهم الأقطار العربية بشكل خاص، ومطالبين الصندوق والبنك الدوليين بإعطاء هذه الأولويات العربية مزيدًا من الاهتمام فى إطار إصلاح الطريقة التى يعمل بها كلٌّ من الصندوق والبنك الدوليين.

إشاعة جو من التفاؤل قبل الاجتماع

لقد قام صندوق النقد الدولي بإشاعة جو من التفاؤل العالمي قبل انعقاد الاجتماع السنوي للصندوق والبنك، وفي محاولة للرد على منتقدي سياساته الإقراضية، وذلك من خلال التقرير الذي أصدره؛ حيث أشاع هذا التقرير مناخا من الثقة فى الموقف المالي للصندوق والوضع الاقتصادي العالمي عندما أكد أن الصندوق يتمتع بسيولة نقدية كبيرة غير مسبوقة فى تاريخه، وبرر التقرير ذلك التحسن بسبب تراجع إقبال دول العالم على  قروض الصندوق خلال السنوات الثلاثة الماضية، وأن هذا يعود فى جزء كبير منه إلى حدوث تحسن أسرع من المتوقع فى العديد  من الأسواق الاقتصادية الناشئة وخاصة فى الدول التى تأثرت بالأزمة الآسيوية، وأن نجاحها يرجع إلى تبنيها إصلاحات اقتصادية يدعمها ويؤيدها الصندوق، ويؤكد صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد  العالمي تحسن بدرجة كبيرة في عام 1999 وخلال النصف الأول من عام 2000، ويتفاءل الصندوق بمستقبل الاقتصاد العالمي؛ حيث يتوقع أن ينمو الاقتصاد العالمي بمعدل 4.7% خلال عام 2000، وفي نفس الوقت واكب  صدور هذا التقرير المتفائل صدور تصريحات متفائلة عن المسئولين بالصندوق؛ حيث أعلن "توم  دوسون" رئيس إدارة الإعلام بالصندوق أن الصندوق سيدخل تعديلات على الطريقة التى يقدم بها القروض بما يساعد على ضمان استخدام موارده بفاعلية، وأن الصندوق سيعلن عن تسهيلات إقراض جديدة، ويبدو أن الصندوق يحاول تحسين صورته أمام المجتمع الدولي، وخاصة من الدول النامية، ويسعى جاهداً إلى بث روح التفاؤل حول مستقبل الاقتصاد العالمي خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية التى تعاني منها العديد من دول العالم، سواء المتقدمة أو النامية وفى مقدمتها أزمات السيولة والركود.

تمثل الدول العربية مجتمعة ثقلاً تصويتيًّا إلى حد ما في اجتماعات كل من الصندوق والبنك، وتبلغ حصة تلك الدول وقوتها التصويتية في الصندوق حوالي 7.5% بينما تبلغ في البنك 82% تقريباً، ويمكن بقليل من التنسيق والتعاون مع دول  أخرى خاصة النامية منها التأثير في القرارات علماً بأن الولايات المتحدة وحدها تملك أكثر من 17% من القوة التصويتية لكليهما.

الخطاب العربي يشيد بالإصلاحات

وتجدر الإشارة في بداية الخطاب العربي الموجه إلى الاجتماع السنوي للصندوق والبنك الدوليين إلى أن هناك إشارة وعرضا مطولا للإنجازات الاقتصادية التى حققتها الدول العربية في إطار جهود التصحيح الاقتصادي التي شملت مجالات تحرير الأسعار، وإصلاح القطاعات المالية والمصرفية، وتحرير وإصلاح النظم التجارية والنظم الضريبية العربية، إلى جانب الجهود العربية التى تجري حالياً لإعادة هيكلة المؤسسات العربية العامة لكي تعمل وفق آليات السوق.

وفي هذا المجال يشير خبراء صندوق النقد العربي إلى أن عام 1999 شهد تحسناً في مختلف جوانب الاقتصاد العربي، وهو الأمر الذى ارتبط بمعاودة ارتفاع الأسعار العالمية للنفط منذ أواخر ربيع عام 2000 من جهة واستمرار العديد من الدول العربية في تطبيق برامج وسياسات الإصلاح الاقتصادي من جهة أخرى، وذلك بغرض تحسين معدلات النمو لتنعكس بالتالي على تحسين مستويات المعيشة للمواطن العربي.

ورغم وجاهة هذه الآراء لخبراء صندوق النقد العربي فإنه لا يمكن إغفال حقيقة فى غاية الأهمية كشفت عنها التطورات الأخيرة في الاقتصاديات العربية، وهي أن أداء هذه الاقتصاديات العربية قد تأثر صعوداً وهبوطاً بمدى توفر ظروف خارجية مواتية وخاصة فيما يتعلق بتغير الأسعار العالمية لعدد من السلع الأولية وخاصة النفط، وهذا يعني أن الاقتصاديات العربية ما زالت غير ذاتية التنمية، وأنها عرضة للتأثر الشديد بالتغيرات والأحداث الخارجية؛ لأن الاقتصاديات العربية ليس لديها قاعدة إنتاجية وتصديرية واسعة ومتنوعة.

وفى ضوء العديد من التحديات التى ما زالت الدول العربية تواجهها يرى الخطاب العربي الموحد فى اجتماعات "براج"  أن الدول العربية فى حاجة إلى مزيد من التعاون مع المؤسستين الدوليتين خاصة في مجالات تخفيف حدة الفقر، وإنجاز مزيد من الإصلاحات الهيكلية، وتحقيق مزيد من التحديث لزيادة القدرة التنافسية للاقتصادات العربية، ومن هنا تأتي المطالب العربية من صندوق النقد والبنك الدوليين في هذا الخطاب الموحد.

قائمة مطولة من المطالب العربية

تضمن الخطاب العربي الموحد الموجه إلى اجتماعات براج قائمة مطولة من المطالب العربية التى تطالب الدول العربية صندوق النقد والبنك الدوليين بإعطائها مزيدا من الاهتمام، وتتمثل أهم هذه المطالب فى القضايا الآتية :-

1ـ زيادة حجم القروض والائتمان المقدم من الصندوق والبنك الدوليين للمنطقة العربية؛ حيث تطالب الدول العربية بتواجد ملموس للصندوق والبنك في المنطقة وضرورة تكييف سياساتهما لتلبية الاحتياجات المستجدة لتلك الدول، وتفعيل دور البنك الدولي كمحفز للمانحين الدوليين لحصولها على حزم تمويلية ميسرة، وتغيير الانطباعات السائدة لدى الصندوق والبنك عن احتياجات المنطقة، والتي أدت إلى إعطاء المنطقة العربية أهمية ثانوية فى هذا المجال خلال السنوات الماضية.

2ـ توسيع وتحسين الخدمات غير الإقراضية المقدمة للدول العربية: حيث تطالب الدول العربية بتوسيع وتحسين الخدمات التى لا تتضمن قروضاً، وذلك بتوسيع نطاق الخدمات الفنية والاستشارية التي تقدمها مجموعة البنك الدولي، والتي زاد الطلب عليها  مؤخراً من الدول العربية؛ لأن هذه الخدمات تساعد في تنمية قدرات الأقطار العربية في التعامل مع المتغيرات الدولية التي تعتمد على المعرفة والتكنولوجيا، وكذلك  الاستفادة من خبرات البنك فى مجال التعليم والتدريب والمعونة الفنية. رغم التحفظات العديدة على أهداف البنك من وراء هذه الخدمات.

3ـ زيادة دور الصندوق والبنك فى تنمية القطاع الخاص؛ حيث يشير الخطاب العربي إلى وجود حاجة ماسة لتوسيع وتطوير نشاط مجموعة البنك الدولي فى دعم هذا القطاع الحيوي، وأن عمليات الصندوق والبنك فى هذا المجال في الدول العربية ما زالت متدنية رغم أن الدول العربية قد اتخذت خطوات كبيرة من أجل الانفتاح وتحسين مناخ الاستثمار وزيادة دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، وتطالب الدول العربية بأن يقوم الصندوق والبنك الدوليان بوضع خطط محددة لتوسيع نشاط دعم القطاع الخاص فى المنطقة العربية وبشكل يتناسب مع تنامي دور هذا القطاع فى الاقتصادات  العربية وبما يخدم عملية التنمية العربية الشاملة.

4ـ قيام الصندوق والبنك الدوليين بدعم التعاون الإقليمي العربي؛ حيث يؤكد الخطاب العربي أن هناك مجالاً واسعاً لنشاط جميع المؤسسات التابعة لمجموعة البنك الدولي في دعم عمليات وأنشطة اقتصادية بشكل يعود بمردود اقتصادي ملموس على عدد من دول المنطقة ويدعم فرص التكامل بينها.

5ـ ضرورة زيادة المساعدات المقدمة للدول التي تعاني من الصراعات: وفي هذا المجال ترى الدول العربية أن مجموعة البنك قامت بدور فعال في تقديم العون للسلطة الفلسطينية إلا أن الظروف التي يعيشها الشعب الفلسطيني فى ظل الاحتلال الإسرائيلي تحتم على مجموعة البنك الدولي والدول المانحة أن تعجل بتقديم الدعم المناسب لتحسين الأوضاع الاقتصادية للشعب الفلسطيني، كما تطالب الدول العربية الصندوق والبنك بالمساهمة بشكل فعال ومناسب فى إعادة إعمار جنوب لبنان.

6ـ إعطاء فرصة أكبر للموظفين العرب للمشاركة فى الجهاز الوظيفي للبنك؛ حيث ترى الدول العربية أن التقارير الإدارية للبنك الدولي تعودت على اعتبار دول الجامعة العربية من المجموعات ذات النسبة المنخفضة في عدد الموظفين العاملين في البنك وأن عدد الموظفين العرب فى الجهاز الوظيفي للبنك لا يتناسب مع نسبة مساهمة الدول العربية في رأس مال البنك، وتنتقد الدول العربية هذا الوضع وترى أنه رغم تبني البنك الدولي لمبدأ توسيع المشاركة فى جهازه الوظيفي، فإن التجربة قد أثبتت أنه لا يمكن تحقيق ذلك دون ممارسه ضغوط من الدول العربية بشكل مستمر، وجعل هذا المطلب بندا دائما على الأجندة العربية.

هذه هي أهم المطالب التي تهم الدول العربية بطريقة مباشرة، والتي تم التأكيد عليها في الخطاب العربي الموحد المقدم إلى اجتماعات براج، وإلى جانب ذلك لم تغفل الدول العربية التعديلات والإصلاحات المزمع إدخالها على العمليات المالية للصندوق والبنك الدوليين والدور الجديد الذى يتم رسمه لهما فى إدارة الاقتصاد العالمي، وهي قضايا تتفاوت حولها وجهات النظر؛ لذلك كان لزاما على الدول العربية أن تطرح رؤيتها في هذا المجال بما يعكس مصالحها.

رؤية عربية لإصلاح الصندوق والبنك

تتفاوت وجهات النظر الدولية حول ماهية الإصلاح والتعديل المطلوب إدخاله على سياسات الصندوق والبنك الدوليين، ويتراوح هذا التفاوت بين توسيع أو تقييد دور الصندوق والبنك في الاقتصاد العالمي، ودرجة تدخلهما في السياسات الاقتصادية للدول وبين تسهيل أو تعقيد المعايير والشروط اللازمة لاستخدام التسهيلات المالية والائتمانية المقدمة من الصندوق والبنك الدوليين؛ حيث تتزعم الولايات المتحدة الأمريكية وجهة النظر المطالبة بتوسيع الدور الرقابي والتدخلي للصندوق والبنك في السياسات الاقتصادية للدول، وتعقيد الشروط والمعايير المصاحبة لاستخدام الدول للتسهيلات المقدمة منهما في حين يتزعم الاتحاد الأوروبي وخاصة فرنسا وتؤيدهم اليابان والدول النامية وجهة النظر المعاكسة. 
وفي الخطاب العربي الموحد يتبنى العرب وجهة النظر المعتدلة؛ حيث ترحب الدول العربية بحرص صندوق النقد على تكييف عملياته المالية للتماشي مع المستجدات المنبثقة عن عمليات العولمة وأهمها الترابط القوي والعضوي بين أسواق المال الدولية وتطالب الدول العربية بأن يراعي الصندوق الآتي عند تقديم هذه التسهيلات :-

1ـ ضرورة الإبقاء على الشروط اللازمة لاستخدام التسهيلات المقدمة لبرامج التصحيح الاقتصادي والهيكلي وعدم تقصير آجال تلك التسهيلات، والملاحظ أن ما أعلنه الصندوق قبل اجتماعات براج يخالف ذلك؛ حيث تم تقصير آجال تلك التسهيلات وتم رفع أسعار الفائدة عليها.

2ـ العمل على تجنب أن يكون تعديل أسعار الفائدة على هذه التسهيلات مؤديا إلى نقل العبء إلى عدد من الدول داخل مجموعة الدول النامية.

وكذلك ترى الدول العربية أن هناك أهمية لزيادة تمثيل الدول النامية في مؤسسات النظام النقدي الدولي والمحافل الدولية الأخرى المالية والنقدية؛ لأن تواجد الدول النامية في هذه المؤسسات ما زال دون المستوى رغم تأثرها الشديد بدور هذه المؤسسات، وإلى جانب ما سبق تتطرق وجهة النظر العربية إلى ضرورة أن تشمل عملية إعادة صياغة دور الصندوق والبنك الدوليين زيادة الشفافية في سياسات الصندوق والبنك الدوليين وخاصة في مجال السياسات المالية والنقدية، وأن يتم تفعيل دور صندوق النقد الدولي الخاص بالتنسيق بين السياسات المالية والنقدية خاصة بين الدول الكبرى للتغلب على التقلبات في أسعار الصرف للعملات الرئيسية الثلاث (الدولار، الين،  اليورو)، وترى الدول العربية أيضاً أن هناك أهمية لوضع نظام دولي للوقاية من انفجار الأزمات المالية ووضع معايير للتغلب على هذه الأزمات والتأكد من تطبيقها من كافة الأطراف المشاركة في النظام المالي الدولي أي الدول النامية والدول المتقدمة والقطاعين العام والخاص والشركات دولية النشاط.

ورغم وجاهة المطالب العربية من صندوق النقد والبنك وعدالتها في نفس الوقت فإنها تنطلق من أساس غير واقعي وهو إغفال دور الجوانب السياسية والتنافس بين القوى الاقتصادية الكبرى في إدارة وتوجيه سياسات كل من الصندوق والبنك؛ لأنه في الغالب لا تقوم هذه السياسات على أسس اقتصادية وموضوعية بحتة، ومن هنا تأتي أهمية وجود عوامل وقوى ضغط عربية لتدعيم هذه المطالب العربية، وهذا لن يأتي إلا من خلال استخدام وتفعيل الدول العربية لقوتها التصويتية في صندوق النقد والبنك الدوليين، والحصول على دعم أهم القوى الاقتصادية المتحالفة مع الدول العربية لهذه المطالب وخاصة الاتحاد الأوروبي، والذي أصبح له تأثير كبير في توجيه سياسات الصندوق والبنك الدوليين بعد الوحدة الأوروبية، ويمكن للدول العربية أن تحصل على هذا الدعم الأوروبي لمطالبها في إطار المشاركة العربية الأوروبية، وليس من قبيل المبالغة إذا قلنا إن توحد الخطاب العربي أمام اجتماع صندوق النقد والبنك الدوليين سيصبح مجرد ظاهرة صوتية وشكلية إذا لم يتوفر لهذا الخطاب قوى الضغط المشار إليها، ولكن يبقى توحيد الخطاب العربي أمام هذا المحفل الدولي الهام خطوة هامة على الطريق.


  باحث اقتصادي

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم