|
"لا تُوجَد حلاوة بلا نار".. حكمة قالها القدماء تتحقق الآن في دول شرق وجنوب آسيا، فأما الحلاوة فهي النمو الاقتصادي المثير للإعجاب وثماره التي ظهرت خلال العقود الثلاثة المتتالية متمثلة في زيادة معدلات الإنتاجية، وتراكم رأس المال المادي والبشري وتَحَسُّن مستويات الدخول، وهذا النمو شَمَلَ ثمانية اقتصاديات هي: اليابان ومجموعة النمور الأربعة: سنغافورة وهونج كونغ وكوريا وتايوان، والدول المصنعة حديثًا في جنوب شرق آسيا، وتضم ماليزيا وإندونيسيا وتايلاند.
وأما النار التي اقترنت بهذا النمو، وأخذت تهدده فهي ظاهرة التلوث الصناعي، وهذه الظاهرة تزايدت بمعدلات مذهلة في كل دول الإقليم خلال السنوات الأخيرة، بما يفوق معدلات النمو الاقتصادي نفسه التي تتراوح بين 5 - 10% سنويًّا، مقارنة بمعدلات التلوث التي تصل إلى 30% سنويًّا خاصة في قطاعات الصناعة والنقل والطاقة. وبسبب ذلك تتزايد تكاليف الصحة وحماية البيئة، بينما تتناقص الموارد الطبيعية ويَقِلُّ انتفاع الإنسان بها، إضافة إلى المتاعب الجَمَّة التي يتعرض لها الإنسان، وربما تؤدي إلى فقدان الحياة، فأرقام معدلات الوفاة نتيجة تلوث البيئة في ارتفاع مستمر.
تكلفة التلوث عُشْر الناتج المحلي
تقدر تكلفة التلوث الصناعي في العواصم الآسيوية بنسبة تتراوح بين 5 - 10% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تتراوح تكاليف عملية التنظيف وإصحاح البيئة بين 2 - 3% من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة، حيث تضم قائمة المدن العالمية السبع التي تعاني أسوأ حالات تلوث الهواء في العالم خمس عواصم آسيوية هي: بانكوك "تايلاند"، وجاكرتا "إندونيسيا"، وكوالا لمبور "ماليزيا"، وسيول "كوريا الجنوبية" وهونغ كونغ.
أسباب التلوث:
يُرْجِع المهتمون بالدراسات البيئية والاقتصادية أسباب تدهور البيئة في دول شرق آسيا وبقية المدن في جنوب آسيا التي تعاني من التلوث إلى الأسباب التالية:
1 - الاستخدام الكثيف للطاقة مما أدى إلى إحداث التلوث الجوي بزيادة كمية الجسيمات الدقيقة العالقة والغازات السامة بالجو مثل ثاني أكسيد الكربون، وأكسيد النيتروجين، إضافة إلى الأمطار الحمضية.
إن الاستخدام الكثيف للطاقة جاء نتيجة للتوسع الصناعي، وقد شكَّل استخدام الطاقة نموًّا أسرع من نمو الناتج المحلي الإجمالي، ففي كوريا كان نمو الناتج المحلي الإجمالي 9%، بينما نمو استخدام الطاقة 27% سنويًّا، وفي ماليزيا 18% للطاقة بينما النمو في حدود 8%، وفي إندونيسيا 12% للطاقة بينما النمو في الناتج 6% سنويًّا، ويتوقع الخبراء بحلول عام 2005م أن يصل استخدام الطاقة إلى معدلات أكثر في آسيا منه في أوروبا وأمريكا مجتمعين.
2 - ازدياد حركة النقل وعدد المركبات: وهي عناصر أساسية في زيادة مصادر التلوث في المناطق الحضرية، فعدد المركبات يتضاعف في جميع المدن الآسيوية خاصة المركبات التي تستخدم الديزل والمحركات ذات التلوث المرتفع، ففي كل من كوريا وتايلاند وتايوان وهونغ كونغ يتضاعف عدد المركبات كل ثلاث سنوات، ومعروف أيضًا أن المناخ الاستوائي في جنوب شرق آسيا لا يُبَدِّد بسهولة ملوثات النمو.
3 - التوسع الصناعي وزيادة عدد المنشآت والأنشطة الصناعية التي تعتبر مصادر أساسية للتلوث مثل صناعات الحديد والصلب والمناجم والتعدين ومنشآت الأسمنت وأعمال التكرير والكيماويات ومحطات التوليد الحراري.
ففي ماليزيا تعاني الولايات المكتظة بالمنشآت الصناعية تلوثًا مخيفًا فاقت معدلاته المعايير الدولية لنقاء الجو وفقًا لمقياس منظمة الصحة العالمية، حيث يشير مقياس المنظمة إلى أن نسبة الجسيمات العالقة والدقيقة تتراوح بين 40 – 60% في كل جرام من المتر المكعب، وتؤكد الأرقام أن هذه النسبة ترتفع في الولاية الفيدرالية كوالا لمبور وكبرى المدن الماليزية "جوهور بارو" إلى 75% لكل جرام.
كما تصل نسبة ثاني أكسيد الكربون في الطرق الرئيسة المزدحمة إلى 50 مايكروجراما في المتر المكعب، بينما المعدل العالمي لا يتجاوز 9 مايكروجرامات في المتر المكعب.
4 - انتشار القطاعات الصناعية الأكثر تلوثًا للبيئة في آسيا خاصة في إندونيسيا وتايلاند والفلبين إضافة إلى الهند وبنغلادش، وهو الأمر الذي يزيد من حجم المكونات السامة في الجو والمصادر المائية، فشواطئ معظم المدن المطلة على المحيط ملوثة، بمعدلات عالية سواء بسبب المياه الملوثة الواردة من المصانع أم فضلات السفن الراسية عليها مما أدى إلى تلوث الأحياء البحرية.
تلوث الهواء يقتل 12 ألف سنويًّا
لا تخفى التكاليف الباهظة للتلوث الصناعي على مستوى الصحة العامة والإنتاج القومي، وفي هذا الصدد يؤكد البنك الدولي أن تلوث الهواء وحده يؤدي إلى حالات وفاة تصل إلى 12 ألف حالة سنويًّا في كل من بانكوك وجاكرتا، وهناك أكثر من 100 ألف حالة مرضية تَسْتَجْدي العلاج، والملايين من الأشخاص تظهر عليهم أعراض أمراض الجهاز التنفسي من كل من تايلاند وإندونيسيا وماليزيا، إضافة إلى الأمراض الجلدية والتهابات العيون، وبالمناسبة شَكَّلت ظاهرة الضباب أو الدخان إشارة خطيرة للتلوث الصناعي في ماليزيا خلال السنوات 1990 – 1993 – 1997، حيث ازدادت حالات أمراض الجهاز التنفسي بجانب شيوع الأمراض الناتجة عن تلوث الأطعمة والمياه.
إن حكومات دول جنوب وشرق آسيا تبذل جهدًا لزيادة الخدمات الصحية وزيادة تأهيل المستشفيات، ولكن كل هذا يُعَدُّ معالجة شكلية للظاهرة لا تنْفَذ إلى أسبابها؛ لأن أكثر الوسائل فعالية للحَدِّ من مشكلة التلوث الصناعي تَكْمُن في اتباع المعايير التكنولوجية للتقليل من مخاطر التلوث واتخاذ تدابير فعَّالة تفرض ضوابط صارمة على استخدام التقنية والتوسع الصناعي المتسارع، فجانب من المشكلة يرجع إلى الإسراف في استضافة الاستثمارات الخارجية في مجالات الطاقة وتوطين الصناعات الملوثة للبيئة بواسطة الشركات متعددة الجنسيات.
الفقراء الأكثر تضررًا من التلوث
إن الفقراء في هذه البلدان بصفة عامة هم الأكثر تضررًا من التلوث الصناعي، فسبل تفادي خطر تلوث المياه والنفايات السامة منعدمة لديهم بسبب محدودية دخولهم وعدم استطاعتهم تغطية تكاليف العلاج رغم الدعم الحكومي أحيانًا، كما أن المناطق الريفية هي أكثر المناطق تعرضًا لاستيطان الصناعات الملوثة للبيئة، ولا تتوفر إجراءات السلامة التي تحقق حدًّا أدنى من الحماية ضد التلوث الصناعي، ولعل الحوادث المأساوية التي وقعت مؤخرًا في الهند خير شاهد على ذلك.
إن التحول إلى التصنيع عوضًا عن الزراعة بغية تحقيق النمو الاقتصادي له فوائده بالتأكيد، وفي نفس الوقت له مخاطر عديدة من بينها التلوث الصناعي، وإفساد البيئة والإضرار بنوعية الحياة، وإنه يتوجب على الدول الآخذة في النمو ألا تكرر خطأ القبول بتوطين الصناعات الملوثة للبيئة في دول شرق وجنوب آسيا.
أستاذ الاقتصاد بجامعة العلوم الإسلامية – ماليزيا
|