English

 

الثلاثاء. سبتمبر. 23, 2003

نماء » مشروعات وتجارب

 

الحل اسمه "شينار"..!

سعد عبدالمجيد

مبنى مدرسة شينار كولج

في منتصف التسعينيات رصد رجل الأعمال التركي سامي قيلنش فاتورة ما تنفقه عائلته الكبيرة على تعليم أولادها، فوجد أن المبلغ الإجمالي وصل 60 ألف دولار، وهو ما دفعه للتفكير في إنشاء مدرسة "أسرية" تحت اسم "شينار كولج Cinar Koleji " تضم أطفاله، وكذلك أبناء زملائه وأقربائه لتقليل التكلفة والحصول على تعليم متميز.

وقيلنش ليس وحده الذي فكر في حل لمشكلة ارتفاع تكلفة العملية التعليمية التي تعاني منها الأسر التركية؛ فهناك العديد من الجهات الأهلية والحكومية حاولت تقديم حل يحقق المعادلة الصعبة، وهي "تعليم جيد بتكلفة معقولة"، إلا أنه قبل استعراض هذه الحلول نلقي الضوء على الوضع الاقتصادي للتعليم في تركيا.

ميزانية ضعيفة

رغم أن عدد الطلاب والطالبات في تركيا يصل إلى 13.5 مليونا من إجمالي عدد السكان البالغ 68 مليون نسمة؛ فإن ما يخصص للتعليم في ميزانية الدولة لا يتجاوز 65 مليار دولار؛ أي 3 % من ميزانية 2003، وهي نسبة ضئيلة إذا ما قورنت بما يخصص للإنفاق العسكري الذي يتجاوز الـ10%.

وهذه النسبة القليلة التي تخصص للتعليم تنقل عبأَه للأسر التي تعاني ارتفاع الأسعار؛ فعلى سيبل المثال فإن تكلفة الكتب والكراسات لطالب بالصف الابتدائي تبلغ 179 مليون ليرة (الدولار= 1.4 مليون ليرة تركية تقريبا)، وهذا المبلغ يعادل 70% من الحد الأدنى لأجر العامل الذي يعادل 250 مليون ليرة شهريا. كما أنه يمثل 5% من دخل الفرد السنوي.

بل إن طلاب الكليات العملية المجانية (طب، هندسة، صيدلة...) يدفعون رسوما للعام الدراسي الواحد تصل إلى مليار ليرة، وفقا لشبكة "إن تي في" التركية. وهذه الرسوم تعادل مرتب لواء بالجيش أو مدير عام أو رئيس محكمة أو كبير أطباء أو أستاذ جامعي!

وحتى توصيل الطلاب للمدرسة يكلف الأسر مبلغا كبيرا؛ فأقصر مسافة لحافلات المدارس -وهي 3كم- ستكلف جيوب الآباء مبلغ 73 مليون ليرة شهرياً، بينما سيسدد التلميذ مبلغ 174 مليون ليرة إذا كان منزله يبعد عن المدرسة مسافة من 15-20كم.

الأمر لا ينتهي عند ذلك؛ فالمدارس تطلب تبرعات من أولياء الأمور؛ فعلى سبيل المثال طلبت مدرسة "شهر أميني" الثانوية الحكومية في إستانبول من أولياء الأمور مبلغ ملياري ليرة كتبرع ليمكن قيدهم بالمدرسة.

هذه التكاليف المرتفعة دفعت الصحفية "سيبَل أرأصلان" بجريدة "وقت" للتساؤل عن معنى أن تكون مصروفات المدارس الخاصة المتوسطة بين 8 و12 مليار ليرة سنويا؛ أي ما يعادل نسبة تقارب 200-300% من متوسط دخل الفرد السنوي، طبقاً لتقرير هيئة التخطيط التركية بدون الطعام والكتب والمواصلات والأنشطة الاجتماعية المختلفة.

مدارس أسرية

الحلول المطروحة لمواجهة هذه الأوضاع تنوعت؛ فبعضها أهلي جماعي، وبعضها حكومي، وبعضها فردي. ومن أبرز ما طرح هي فكرة المدرسة الأسرية التي طرحها سامي قيلنش التي تتيح خلافا لتكلفة معقولة الإشراف المباشر على المدرسة والاطمئنان على ما يتلقاه التلاميذ، وكذلك السياق الاجتماعي الأسري الذي قد يوفر بيئة جيدة لنمو شخصية الطالب، كما أن هناك مزايا تمنحها الحكومة لبناء مدرسة خاصة في تركيا؛ حيث يرفع عن صاحبها الضرائب.

وقد أقنع قيلنش بعض زملائه وأقربائه من رجال الأعمال بالفكرة، واتفقوا على بناء مدرسة خاصة متوسطة الحال بحي جونشلي بإستانبول الأوروبية، لكنهم اصطدموا بعقبة أن القانون لا يسمح للأفراد ببناء المدارس أو المعاهد.

إلا أن قيلنش ورفقاءه لم ييأسوا، واتفقوا مع وقف "صفا" الخيري على القيام ببناء المدرسة والمسئولية عنها، على أن يقدموا هم الدعم المالي والمعنوي الكامل للمدرسة، وقام الوقف بتأجير مبنى من 3 طوابق في شارع أتاتورك أمام مبنى بلدية منطقة باغجيلار، وتم استغلال مكان وفناء واسع يقع في خلف المبنى لكي يكون مكانا لتجمع التلاميذ وملعبا لكرة القدم والطائرة والسلة. كما اتفق الوقف مع شركة حافلات خاصة لكي تنقل التلاميذ لمنازلهم بشكل منتظم على حساب الأهالي.

غير أن رجال الأعمال بالاتفاق مع الوقف وجدوا من المناسب بناء مدرسة بدلا من مسألة الاستئجار. وتم ذلك بالفعل في عام 2000 حيث افتتح المبنى الجديد المكون من 3 أبنية كبيرة وواسعة وعدة ملاعب ومسرح ومطبخ ومطعم كبير، في ضاحية إكيتالى بمنطقة غرب إستانبول الأوروبية. ويدرس بالمدرسة التي سميت بـ"شينار كولج" اليوم حوالي ألف تلميذ وطالب بالمرحلة المتوسطة.

ويعدد قيلنش مزايا إنشاء هذه المدرسة بأن أسر التلاميذ تستطيع الاستفادة من التسهيلات التي يتم الاتفاق عليها مع هيئة الوقف المشرفة على المدرسة.

ورغم أن مصاريف الطالب تصل إلى 5 مليارات ليرة بـ"شينار كولج"، وهو انخفاض ليس كبيرا عن تكلفة المدارس الخاصة.. فإن هذه التكلفة ينظر لها البعض على أنها معقولة قياسا على الخدمات التي تقدمها المدرسة؛ فيقول يعقوب قيصرلي من إدارة الوقف المشرف على المدرسة: "إننا حققنا هدف تقديم تعليم جيد وبتكلفة اقتصادية معقولة"، كما أن الفكرة نفسها طبقتها شرائح أخرى في المجتمع، وظهرت مدارس كثيرة خاصة بإستانبول مثل "أنصار كولج" و"مافى جونلار كولج" و"جوك قوشاغى كولج"، "وجونشلى كولج"، و"جوك يوزو"، و"داوران كولج".

دور الوقف

مساعدات الأوقاف تساعد الطلاب على الاستمرار في التعليم

و"الوقف" له دور هام في تمويل نفقات التعليم في تركيا؛ فيقول الدكتور تحسين أوزجان مدير سكن طلاب الدراسات العليا بوقف "وفا" الخيري بإستانبول - القطاع الإسلامي: "ندرك مصاعب الإنفاق على التعليم؛ لذا فهو يقدم إعانة مالية بقيمة 75 مليون ليرة شهرياً لكل طالب يتم الموافقة على حالته، علاوة على تقديم السكن والإعاشة الشهرية".

أما محمد بنجولى مدير سكن طلاب المرحلة الجامعية الأولى لنفس الوقف الخيري؛ فيقول: "لدينا هنا 350 طالبا معظمهم من الفقراء والمحتاجين، نقدم لهم السكن والطعام والخدمات الأخرى مجانا".

بدوره يتبنى وقف "واقصا" الخيري -القطاع العلماني- التابع لمجموعة شركات الملياردير ثاقب صابانجي التجارية الإنفاق على ألف طالب في السنة، كما أنه أنشأ 35 مدرسة، و17 دار سكن للمدرسين، و4 مكتبات، وجامعة. ويقدم "واقصا" هذا العام منحًا مالية لكل طالب بقيمة 155 مليون ليرة شهريا.

كما أن البعض الآخر من رجال الأعمال يدعم تعليم بعض الطلاب الفقراء بشكل فردي، كما هو الحال مع الحاج حسين آنلار رجل الأعمال بمدينة إزمير الذي يكفل سنويا مجموعة طلاب، بسداد مبلغ 70 مليون ليرة شهرياً لكل طالب.

جهود الدولة

خلافا للجهود الأهلية فإن؛ حكومة حزب العدالة والتنمية بزعامة طيب أردوغان التي تولت الحكم في نوفمبر 2002 تحاول هي الأخرى التخفيف من أعباء ارتفاع تكلفة التعليم عبر إجراءات، منها:

1- الإعلان عن حملة تحمل اسم "دعم 100% للتعليم". وبالفعل فهناك مشروع قانون يسمح بتعليم 10 آلاف طالب من الفقراء المتفوقين سنويا على حساب الدولة، إلا أنه لم يتم المصادقة عليه لرفض رئيس الدولة. لكن سيتم على الأقل هذا العام تقديم كتب مدرسية مجانا لتلاميذ المرحلة الابتدائية هذا العام للمرة الأولى في تاريخ البلاد.

2- اللجوء إلى الضرائب والرسوم لتمويل التعليم؛ فقد رفعت الحكومة مؤخرا قيمة رسم التعليم المفروض على تذاكر السفر بالطائرات من حوالي دولار إلى دولارين.

3- مطالبة أردوغان لبورصة الأوراق المالية بإستانبول بدعم التعليم، وبالفعل بعد زيارة رئيس الوزراء التركي إلى البورصة وعدت الأخيرة بتقديم مبلغ 450 تريليون ليرة كمساعدة للتعليم.

4- شارك رئيس الوزراء التركي وزوجته في حملة شعبية لجمع تبرعات للتعليم بمحافظة سِيرت بشرق تركيا. علاوة على قيامه يوم 11 سبتمبر 2003 بتوزيع شهادات فخرية لمطربة ومطرب ومدرب فريق كرة القدم التركي، بسبب جهودهم الخيرية في دعم التعليم.

5- بلديات تركيا هي الأخرى تلعب دورا في تقليل العبء على الجمهور؛ فعلى سبيل المثال تدعم بلدية إستانبول سنويا 100 ألف طالبة وطالبة، ويحظى كل طالب بـ 90 مليون ليرة، كما توزع أدوات وحقائب وملابس مدرسية لعدد 30 ألف طالب وطالبة.

هذه الجهود في دعم التعليم ومحاولة تيسير مصاريفه لا تقتصر على العمل الجماعي، أو حتى رجال الأعمال القادرين؛ فـعلى سبيل المثال قام "خالص أوزجوان" مدير مدرسة "شِمنَت تبّه" بمحافظة أزمير بنفسه بدهان الحوائط، وإصلاح المقاعد ودورات المياه؛ لعدم وجود اعتمادات مالية لهذه الأمور.


مراسل إسلام أون لاين.نت في تركيا.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم