English

 

الاثنين. أكتوبر. 20, 2003

نماء » مشروعات وتجارب

 
   
روابط من إسلام أون لاين

صناعات تنقرض بفلسطين

عماد الدين سعيد

الحفر على الخشب

تعد الصناعات الحرفية (1) إحدى القطاعات الاقتصادية الهامة في الاقتصاد الفلسطيني إضافة إلى أنها جزء من الهوية الوطنية الثقافية الاجتماعية، التي يحاول الاحتلال الإسرائيلي طمسها.

غير أن هذه الصناعات (الفخار، الزجاج، الخيزران، التطريز، حفر خشب...) تواجه خطر الانقراض مع تصاعد حدة مشاكلها، وتراجع عدد العاملين بها وهو الأمر الذي يتطلب جهودا تتعدى النطاق الفلسطيني لإنقاذ هذا التراث الذي يمثل أحد أدوات مقاومة المحتل.

وتسعى السطور القادمة للتعريف بهذه الصناعات الحرفية، والخروج باقتراحات تساعد على إنقاذ هذه الصناعات من الانقراض.

أبرز الصناعات الحرفية

تبوأت فلسطين المراكز الأولى في الصناعات الحرفية منذ فجر التاريخ، فعرف أهلها الفخار منذ مطلع الألف الرابعة قبل الميلاد، وابتكروا الفخار الأحمر والأسود والملون.

كما ظهر فيها أيضا تشكيل وتلوين الزجاج وتطريز المنتجات الصوفية والحرير، والتي ظلت رائجة على مدار التاريخ الفلسطيني حتى نهاية الانتداب البريطاني وبداية الاحتلال الإسرائيلي في عام 1948 الذي يحارب هذه الصناعات ويسرق بعضها ويروجه على أنه تراث للإسرائيليين (2).

ومن أبرز الصناعات الحرفية في فلسطين ما يلي:

1- الزجاج:

يعود اكتشاف الزجاج في فلسطين إلى نحو عام 2500 قبل الميلاد، حيث يروي المؤرخ الروماني "بليني" أن إحدى السفن الفينيقية المحملة بمادة الصودا اضطرت للجنوح إلى شواطئ مدينة عكا، وعندما أوقد البحارة النار للتدفئة وضعوا أوعية الطبخ فوق الصودا لعدم وجود ما يرتكز عليه من حجارة، وعند انتهاء النار وجدوا مادة شفافة قد تكونت بسبب انصهار الرمل والصودا، وهي ما تعرف اليوم بمادة الزجاج.

تلوين الزجاج

وتعد حالياً مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية من أشهر مناطق فلسطين في صناعة وتشكيل الزجاج الملون، وذلك لتوفر الرمل فيها ونبات الأشنان الذي يحرق ويصبح مادة القلي الأساسية في صناعة الزجاج. علماً أنه لم يتبق حاليًّا في فلسطين سوى أربع مصانع فقط لتلوين الزجاج، ويعمل فيها نحو 60 عاملاً، ويتم تسويق منتجاتها في السوق المحلية بنسبة 70%، وإلى إسرائيل بنسبة 15%، والى أوربا بنسبة 15%، ويبلغ متوسط رأس مال معمل تلوين الزجاج من 3000 دولار إلى 7000 دولار. (3)

2- النسيج والسجاد اليدوي:

دلت الحفريات التي جرت في فلسطين على أن الأنوال التي استُخدمت في غزل النسيج في فلسطين قد ظهرت منذ 5000 سنة، وأهم المدن الفلسطينية التي اشتُهرت بحرفة النسيج والسجاد مدينة المجدل الفلسطينية (4)المحتلة منذ العام 1948.

كما تعد مدينة غزة حاليًّا من أعرق مدن فلسطين في زخرفة النسيج حتى قيل إن اسم الشاش في بعض المدن الأوربية يسمى "غوز" نسبة إلى مدينة غزة، وإن أنواعاً من القماش المصنوع من الحرير أو الكتان يسمى "غزون" ونسبة أيضاً إلى مدينة غزة.

أما بالنسبة لصناعة السجاد اليدوي فتعد حاليًّا منطقة الشجاعية في مدينة غزة من المناطق التي تشتهر بهذا النوع، وتعتمد في هذه الصناعة على الأصواف المحلية والمستوردة من نيوزلندا وبريطانيا.

واستناداً لدراسة أعدتها وزارة الصناعة الفلسطينية عام 1997، فإن عدد المعامل التي تعمل حاليًّا في مجال صناعة النسيج والسجاد اليدوي 9 معامل، ويعمل فيها نحو 29 عاملا بشكل دائم وأساسي، ويتراوح متوسط رأس المال العامل لكل معمل من 3000 دولار إلى 10000 دولار، علماً أن إجمالي الأموال المستثمرة في هذه الحرفة يبلغ نحو 216000 دولار.

ويتم تسويق منتجات هذه الصناعة بنسبة 20% إلى السوق المحلية، و80% إلى إسرائيل والتي تقوم بدورها بإعادة تصديرها للخارج كمنتج إسرائيلي (5).

3- الفخار:

قلة يجيدون العمل اليدوي

يعود تاريخ الفخار في فلسطين إلى أكثر من 4000 سنة قبل الميلاد، حيث كان المزارعون الفلسطينيون يستخدمون الفخار لتخزين محاصيلهم، وكأوانٍ للطعام.

وقد ارتبط الفخار بعمليات التنقيب عن الآثار في فلسطين، وخاصة في تل العجول بالقرب من وادي غزة، حيث عثر على قبور مصنوعة من الفخار على النمط المصري، ويعود تاريخها إلى 1200 سنة قبل الميلاد (6).

ومما يؤسف له أن صناعة الفخار حالياً في تدهور مستمر، وذلك للعديد من الأسباب والعوامل؛ فقد كان عدد مصانع الفخار اليدوي قبل قدوم السلطة الفلسطينية عام 1994 نحو 29 مصنعاً، ويعمل بها نحو 80 عاملا، أما الآن فقد تقلصت إلى 10 مصانع، ويعمل بها نحو 50 عاملا فقط.

وفي الدراسة التي أعدتها وزارة الصناعة الفلسطينية (7) يتبين منها أن متوسط رأس المال العامل المستثمر لكل معمل منها يتراوح من 3000 دولار إلى 12000 دولار، وتبلغ إجمالي الأموال المستثمرة في هذه الحرف نحو 53000 دولار، علماً أنه يتم تسويق منتجات الفخار للسوق المحلية بنسبة 10%، والنسبة المتبقية (90%) إلى إسرائيل، والتي تقوم بدورها بتصديره للخارج كمنتج إسرائيلي.

4- التطريز:

يعود فن التطريز في فلسطين إلى 4500 قبل الميلاد، وهو من الفنون الشعبية الفلسطينية التي يتم تناقلها عبر الأجيال، وتورثه الأمهات الفلسطينيات لبناتهن جيلاً بعد جيل.

ويتم حاليًّا إنتاج المطرزات عبر الجمعيات النسائية ومراكز التدريب التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأنروا)، حيث يبلغ متوسط الأيدي العاملة في حرفة التطريز نحو 1500 عاملة، منها فقط 500 عاملة في مراكز الوكالة.

5- الخيزران:

تعود بشكل عام حرفة الخيزران في أصولها التاريخية إلى بلاد الصين وبلاد شرق آسيا، وقد ازدهرت هذه الحرفة في فلسطين أثناء فترة الانتداب البريطاني، حيث كثر عدد الشهداء والأيتام مما استدعى فتح دور خاصة لهم، ومن خلال هذه الدور تعلم الكثير من الأطفال هذه الحرفة لتكون مصدراً لاكتساب الرزق. واستمر الوضع على ذلك حتى بعد الاحتلال الإسرائيلي، حيث تولت وكالة غوث وتشغيل الفلسطينيين توفير معامل الخيزران في قطاع غزة.

ويعمل حاليًّا في هذا المجال نحو 120 عاملا منهم 15 معاقاً، ويتراوح رأس المال المستثمر في المعمل الواحد من 3000 دولار إلى 5000 دولار، وقد بلغ إجمالي الأموال المستثمرة في هذه الحرفة نحو 352000 دولار، وهذا استناداً لنفس الدراسة التي أعدتها وزارة الصناعة الفلسطينية.

6- حرف أخرى:

أ- النحاسيات: تعتبر من الحرف التي تكاد تندثر في فلسطين في الوقت الحاضر، علماً أنه كان في غزة وحدها 6 مصاهر للنحاس، حيث كان يتم تجميع الأدوات النحاسية القديمة وإعادة صهرها، ثم تدويرها على صورة صفائح، وإعادة تشكيلها من جديد حسب الطلب، ومن الأدوات النحاسية التي لا زالت تستخدم بين الفلسطينيين وبصورة واسعة وعاء القهوة العربية (البكرج).

ب- حفر الأخشاب: تعتبر حرفة الأخشاب من الحرف التي توشك على الانقراض في فلسطين وخاصة في قطاع غزة، حيث لم يعد هناك من يمارس هذه الحرفة سوى عائلة واحدة، علماً بأنه تستخدم في الحفر أشجار الرمان والزيتون والحمضيات، حيث يتم منها تصنيع الهدايا والتحف وخاصة نموذج المسجد الأقصى والعديد من الرموز الفلسطينية الإسلامية والمسيحية.

ج- زخرفة البلاط: تنحصر هذه الحرفة في ورشة واحدة الآن، علماً بأن عددها كان في السابق نحو 30 ورشة، وقد حلت محلها الآن الورش الحديثة المعتمدة على التكنولوجيا.

توزيع عدد العمالة ورأس المال المستثمر حسب نوع الحرف

نوع الحرفة

عدد العمال

إجمالي رأس المال 

عدد الورش

متوسط رأس المال

الخيزران

120

352000$

15

3000$ -5000$

الفخار

50

53000$

10

3000$ -12000$

النسيج والسجاد

29

216000$

9

3000$ - 10000$

الزجاج

60

20000$

4

3000$ - 6000$

التطريز

1500

/

25

/

أخرى

/

15000$

/

5000$

المجموع

2759

656000$

63

/

المصدر: وزارة الصناعة الفلسطينية 1997

 معوقات.. وحلول مقترحة

نول تقليدي 

يواجه قطاع الصناعة الحرفية في فلسطين العديد من الصعوبات التي تحول دون تطوره وتحد من نموه، وهذا ما يتضح جليًّا من خلال عدد العمالة ورءوس الأموال المستثمرة فيه، والتي لا تكاد تذكر عند مقارنتها بقطاع الصناعة الفلسطيني بصورة عامة، ولكن وبصورة عامة يمكن إيجاز المعوقات الخاصة بالصناعات الحرفية كالآتي:

1- اقتصار هذه الحرف على أسر محدودة تمارس هذا النشاط منذ سنوات عديدة وتكتسبه بالوراثة، وهو ما يعني احتكار المهنة بأيدي عدد محدود، وتضاؤل هذا العدد مع مرور الزمن.

2- اعتماد العديد منها على المدخلات غير المحلية تجعلها تحت رحمة سياسات الاحتلال الإسرائيلي، والتي تقوم في الأساس على محاربة مثل هذا النوع من الصناعات الحرفية.

3-عدم وجود الاهتمام الكافي من جهات التمويل المحلي والأجنبي بهذا النوع من الصناعات الحرفية، والتركيز على المشروعات الكبرى، ومن ثم المشروعات الصغرى والمتوسطة.

4- صغر حجم السوق المحلية لمثل هذه المنتجات واعتماد الصناعات الحرفية بشكل رئيسي على أسواق الدول الأوربية وإسرائيل وبعض الدول العربية، وهذا ما يعني وقوعها تحت طائلة العوائق والعراقيل التي تضعها إسرائيل أمام التجارة الفلسطينية بصورة عامة، والحرف التقليدية بصورة خاصة، إضافة لاعتمادها على التسويق السياحي، والذي يتأثر سلباً بتطورات الأوضاع.

5- عدم تطور هذا النمط من الصناعات وبما يتناسب مع السلع البديلة، سواء المستوردة أو التي يتم إنتاجها ضمن الورش والمصانع الحديثة، وبتكلفة أقل.

أما بالنسبة للحلول المقترحة فهي كالتالي:

1- ضرورة تأسيس جمعيات تعاونية لأصحاب الصناعات الحرفية، والاهتمام الكافي بالتدريب الحرفي من قبل السلطة الفلسطينية عامة، وتشجيع إنشاء المعاهد والمدارس المتخصصة في التعليم الحرفي مثل مدارس التدريب المهني، وفتح أقسام خاصة بهذا النوع ضمن المعاهد والجامعات الفلسطينية.

2- ضرورة الاهتمام بالصناعات الحرفية من قبل مؤسسات التمويل المحلية والدولية، وذلك من أجل تطوير وتحديث وسائل الإنتاج، ولتتناسب منتجاتها بشكل أفضل مع ذوق المستهلك، ولتستطيع المنافسة في الأسواق الخارجية.

3- إقامة المعارض الدائمة لهذا النوع من الصناعات، بغرض المساعدة في تسويق منتجاتها، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، والاهتمام بالمشاركة في المعارض العربية والدولية.

4- تشجيع الصناعات الحرفية من قبل السلطة الفلسطينية من خلال منحها التسهيلات الضرورية، مثل الإعفاء الضريبي لسنوات يتم تحديدها من الجهات المختصة، وتخفيض الجمارك على بعض الواردات الضرورية لها وخاصة في الفترة الزمنية الأولى لإنشاء المشروع.


(1) هناك شبه اتفاق بين الباحثين الاقتصاديين على مفهوم الصناعات الحرفية، حيث تعرف بأنها إحدى أنواع الصناعات التحويلية التي تقوم بتحويل الموارد الطبيعية والوسيطة يدوياً، والتي تعتمد بشكل رئيسي على المهارات الإنسانية وأبسط الوسائل، وبأعلى قدر ومهارة إبداعية وفنية في الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة.

(2) تقوم إسرائيل في أحيان كثيرة بسرقة الصناعات الحرفية الدالة والمعبرة عن التراث الفلسطيني، وتسويقها للعالم كمنتجات إسرائيلية، ولتحقق من ذلك ثلاثة أهداف هي:-
- محاولة الادعاء الكاذب بأن الأراضي الفلسطينية التي قامت عليها لم يسكنها أحد قبل اليهود. 

- حرمان الفلسطينيين من المكاسب المالية الفعلية في حالة تصديرهم لمنتجاتهم للخارج بصورة مباشرة، حيث تقوم إسرائيل بشراء هذه المنتجات بأثمان بخسة، وتعيد تصديرها للخارج بأسعار مضاعفة، مستغلة سيطرتها المطلقة على المعابر والحدود الفلسطينية.

- العمل على إجبار الفلسطينيين بالاعتماد على إسرائيل في تجارتهم، وبذلك تضمن التبعية الفلسطينية التجارية الكاملة لها.

(3) وائل اللوح، أسعد صيام، "واقع الصناعات اليدوية في قطاع غزة"، 1997.

(4) تعتبر مدينة المجدل من أعرق المدن الفلسطينية، حيث عرف أهلها بالريادة وخاصة في مجال الصناعة والتجارة، علماً أن مدينة المجدل تم احتلالها من طرف إسرائيل عام 1948، وتم تغيير اسمها ليطلق عليها باللغة العبرية "أشكلون".

(5) وائل اللوح، مصدر سبق ذكره.

(6) وزارة الصناعة الفلسطينية، "معلومات حول واقع إنتاج وتسويق الحرف اليدوية"، 1998، ص6-7.

(7) وائل اللوح، مصدر سبق ذكره.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم