|
وسط ظروف ومتغيرات عربية ودولية مختلفة أبرزها التكتلات العربية شبه الإقليمية، عُقدت بالقاهرة اجتماعات المجلس الاقتصادي والاجتماعي بجامعة الدول العربية وعلى رأس جدوله متابعة تنفيذ منطقة التجارة الحرة والتكامل العربي.. وما بين اجتماع القاهرة والتكتلات شبه الإقليمية يظل السؤال المطروح على الساحة بقوة يقول: ما أثر التباين في التوجهات الاقتصادية العربية نحو التكتلات غير العربية، وما هو أثر التكتلات العربية شبه الإقليمية -خاصة في ظل إعلان دول مجلس التعاون الخليجي مؤخرا- عن بداية اتخاذ إجراءات توحيد العملة بينها على حلم التكامل العربي؟
توجه العرب نحو الاقتصاد العالمي.. كلٌّ يبكي على ليلاه
تعتبر الاقتصادات العربية بطبيعة هياكلها المتقاربة اقتصادات متنافسة فيما بينها، وذلك لتشابه هياكل الإنتاج في معظم البلدان العربية، ووجود تنافس بين بعض الدول العربية في إنتاج وتصدير بعض المحاصيل والصناعات. وعلى سبيل المثال نجد التنافس في إنتاج وتصدير الزيتون وزيت الزيتون بين تونس وسوريا ولبنان، وكذلك التنافس في مجال صناعة الغزل والمنسوجات والملابس الجاهزة بين مصر وسوريا وتونس. ويلاحظ وجود خلاف بين الاقتصاديين حول أثر هذا التشابه في الهياكل الإنتاجية العربية على عملية التكامل الاقتصادي العربي، حيث إن هناك من يرى أن هذا التشابه يشجع على نجاح التكامل الاقتصادي العربي في حين يرى آخرون العكس. وبعيدًا عن وجهات النظر التأصيلية، فإن عدم إحراز تقدّم يذكر في مجال التكامل الاقتصادي العربي يجعل لهذا التشابه في هياكل الإنتاج العربية أثره السلبي على مستقبل العلاقات الاقتصادية العربية. وقد أدى هذا الوضع إلى التنافس بين الدول العربية على عدة محاور بطريقة لا تخدم التكامل الاقتصادي العربي في معظم الأحوال، بل تضربه في مقتل. وهذه المحاور هي:
1 ـ عمليات الإصلاح الاقتصادي:
تبنت غالبية الدول العربية برامج للإصلاح الاقتصادي بعضها بتوجه داخلي من هذه الدول، وبعضها بتعاون وتنسيق مع المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين. والملاحظ أن أهم أهداف وملامح برامج الإصلاح العربية هو التركيز على إعادة هيكلة الاقتصادات العربية بما يتفق مع آليات السوق، وإعطاء دور أوسع للقطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، وذلك للتوافق مع مسيرة العولمة الاقتصادية. وقد تنافست الدول العربية وتسابقت في إدخال هذه الإصلاحات؛ لتكون أكثر قدرة على التعامل مع تلك المتغيرات، ولكن الملاحظ أن عملية الإصلاح في الدول العربية تمت، وما زالت تتم بطريقة فردية ودون تنسيق بينها في هذا المجال. فليس هناك ما يدل على أن هذه الدول وضعت قواعد للتنسيق فيما بينها تضمن أن تصب نتائج عملية الإصلاح في صالح التعجيل والإسراع بعملية التكامل العربي وتقليل ظاهرة التنافس والتسارع بين الهياكل العربية، ولكن ركزت هذه البرامج على زيادة اندماجها في الاقتصاد العالمي، ولو كان ذلك على حساب مستقبل التكامل العربي.
أيضًا أغفلت عمليات الإصلاح معالجة وضع المشروعات المشتركة ومدى اتفاق أو تعارض مواقفها مع الإصلاح التشريعي الذي أدخلته برامج الإصلاح العربية، وهو ما يعني أن هذه البرامج أغفلت مدخلا هاما من مداخل التكامل وهو مدخل المشروعات المشتركة، كما يلاحظ أن الدول العربية تنافست فيما بينها لجذب الاستثمارات الأجنبية من خلال ما أطلق عليه "تهيئة مناخ الاستثمار". فقد تنافست الدول فيما بينها في مجال منح مزايا للاستثمار الأجنبي المباشر الأمر الذي جعل المزايا التي تخصص لرأس المال العربي لا تختلف كثيرًا عن المزايا المخصصة لغيره من رؤوس الأموال الأجنبية. والسؤال المطروح في ضوء ذلك هو: ما أثر كل ذلك على إمكانيات التكامل الاقتصادي العربي؟ وهل ستكون أكثر فاعلية؟ وهل ينجح القطاع الخاص في تحقيق ما لم تحققه الحكومات العربية؟
2 ـ التنافس على أسواق أهم الشركاء التجاريين:
في ظل تعثر مسيرة التكامل العربي، وتدني العلاقات البينية، ومع زيادة الانفتاح تحركت معظم الدول العربية لتدعيم علاقاتها الاقتصادية بطريقة مكثفة مع أطراف دولية غير عربية، وذلك من خلال هياكل تنظيمية متفاوتة سواء ثنائية أو جماعية، ويلاحظ على توجهات الدول العربية تجاه العالم الخارجي أنها متشعبة ولا تصب في اتجاه واحد، وتوصف بأنها تأتي في إطار عمليات الاستقطاب الاقتصادي بعيدا عن مسيرة التعاون والتكامل. وفى هذا السياق نجد أن دول الخليج كتكتل شبه إقليمي تتوجه نحو تدعيم علاقاتها مع دول الغرب وخاصة أمريكا وإنجلترا، وكذلك تتوجه أكثر نحو إبرام اتفاق تجارة حرة مع دول الاتحاد الأوربي. والملاحظ أن هذه التوجهات تتحرك بقوة وفاعلية في حين أن التوجهات نحو العالم العربي ليست بنفس القوة، سواء في إطار جامعة الدول العربية أو في إطار إعلان دمشق أو غيرها. أيضًا نجد دول المغرب العربي تندفع بقوة نحو تدعيم علاقاتها الاقتصادية مع دول الاتحاد الأوربي وخاصة فرنسا، من خلال اتفاقات المشاركة دون أدنى تنسيق مع الأطراف العربية، كما نجد دولاً عربية مثل مصر وسوريا ولبنان والأردن تتنازع أدوارًا غير مفهومة ومتداخلة، سواء بالتوجه نحو الاتحاد الأوربي أو أمريكا. وتبدو في الصورة أيضًا دول عربية جمدت أوضاعها الاقتصادية والسياسية إلى درجة كبيرة مثل العراق وليبيا والسودان، والأسوأ من ذلك بدأت دول عربية أخرى تختفي من على الخريطة الاقتصادية للعالم العربي مثل الصومال والعراق.
3 ـ العلاقات مع إسرائيل:
برز التنافس بين الدول العربية على هذا المحور فيما عرف بعملية "الهرولة" حيث تتنافس بعض الدول العربية في أسبقية إقامة علاقات اقتصادية مع إسرائيل، وبرز ذلك على سبيل المثال في محاولات الدول العربية السبق للتعاقد مع إسرائيل لإمدادها بالغاز الطبيعي. وبالقدر الذي أثرت فيه الهرولة العربية على هذا المحور على الموقف السياسي والتفاوضي العربي أمام إسرائيل في عملية السلام، فقد أثرت بدرجة كبيرة على التحمس للتكامل العربي، وأرست قاعدة خطيرة لدى العقل العربي، وأصبح البعض يستخدمها مبررا لتصرفاته "وهى التحالف مع الشيطان من أجل المصالح الاقتصادية" وهو ما يفقد التكامل المأمول خصوصيته. والملاحظ أن التنافس العربي هنا يعكس تناقض التوجهات العربية حتى نحو عدو العرب الأول وهو إسرائيل.
والخطورة في هذا التفاوت نحو العالم الخارجي تكمن في إضاعة القوة التفاوضية التي كان يمكن للدول العربية أن تتمتع بها إذا كان بينها تنسيق. وإلى جانب ذلك، فإن الدول العربية في المستقبل ستتنافس فيما بينها على أسواق هذه الدول وخاصة أوروبا وأمريكا. ولا شك في أن هذا النوع من التنافس لا يخدم عملية التكامل، ويجعل الارتباط بين العرب والدول الأخرى أقوى من العلاقات العربية العربية.
4 ـ التنافس على قيادة المنطقة ماليًّا:
المقصود بالمركز المالي لمنطقة الشرق الأوسط هو المدينة المؤهلة لكي يتم من خلالها تقديم الخدمات المالية بأنواعها المختلفة لكل دول المنطقة مثل الخدمات المصرفية والتأمينية، والخدمات المتعلقة بالبورصات وأسواق المال، وخدمة المستثمرين المحليين والدوليين، مثل مدينة لندن التي تقوم بدور المركز المالي لدول الاتحاد الأوروبي، وفي إطار التنافس بين دول الشرق الأوسط لقيادة المنطقة اقتصاديا وماليا يثار تساؤل وهو: أي المدن في المنطقة مؤهلة للقيام بدور المركز المالي؟ هل هي القاهرة أم بيروت أم المنامة أم تل أبيب أم إسطنبول؟ والواضح أن الدول العربية لم تنسق فيما بينها لتكون إحدى مدنها مركز المنطقة، والأخطر من ذلك أنها دخلت في تنافس فيما بينها في هذا المجال، وهو ما يدعم الموقف التنافسي لدول أخرى غير عربية مثل إسرائيل وتركيا.
تعلية الأسوار بين العرب
الملاحظ –مما هو معلن- أن التكتلات العربية شبه الإقليمية في الغالب تهدف إلى إقامة تكتل بين مجموعة من الدول يكون له خصوصيته ويؤهلها بطريقة أفضل للاندماج في التكتل العربي الأشمل. وبالرغم من وجود مشاكل كثيرة في عمل هذه التكتلات شبه الإقليمية، فإن الآراء قد تفاوتت بصددها، فهناك من يرى أن هذه التكتلات -والتي أخذت صورة مجالس تعاون- هي التفكير العقلاني الذي يجب أن يسود، ولكن التحمس لهذه المحاولات لم يكن بصورة مطلقة، وكان له حدود، والشاهد على ذلك ما حدث عندما تم الإعلان عن قيام مجلس التعاون العربي من انزعاج شديد من بعض دول الخليج العربي من قيامه، وكذلك عدم ترحيب الأعضاء في هذه التكتلات بانضمام أعضاء جدد كما حدث مع مصر عند الانضمام إلى اتحاد المغرب العربي، وفى محاولة اليمن الانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي؛ وهو ما يؤكد أن العمل العربي في حقيقة الأمر لا ينظر إلى هذه التكتلات شبه الإقليمية على أنها خطوة نحو التكامل العربي الأشمل، وإنما كانت هذه المحاولات في الغالب مدفوعة برغبة الأعضاء في أن يكون لتكتل دولها خصوصية، وأن تبتعد بنفسها عن محاولات السيطرة من بعض الدول الأخرى، مثل الخوف التونسي من السيطرة المصرية على اتحاد المغرب. في مقابل ذلك هناك من يرى أن محاولات التكامل العربي شبه الإقليمي لا تخدم التعاون العربي الأشمل؛ لأنها تسبب تشتيت الجهود بسبب اختلاف أسلوب العمل في كل تكتل عن الآخر. يضاف إلى ذلك موضوع التكرار للأطر المؤسسية في التكتلات شبه الإقليمية، وحدوث ازدواج بينها من ناحية وبينها وبين الإطار المؤسسي لجامعة الدول العربية من ناحية أخرى، وهو ما يلقي أعباء مالية ضخمة على عاتق البلدان العربية؛ لأنها تكون ملزمة بسداد التزاماتها في الإطار المؤسسي على المستوى الدولي العام ( الجات ـ البنك الدولي ـ اليونسكو ـ الأمم المتحدة... وغيرها ) والتزاماتها على المستوى الإقليمي (جامعة الدول العربية ـ المنظمات العربية المتخصصة ـ وغيرها) ويضاف إلى كل هذا التزاماتها تجاه هذه التكتلات شبه الإقليمية، وهو ما يثقل كاهلها ويجعلها في الغالب تتنصل من دفع التزاماتها تجاه الإطار المؤسسي العربي العام، وذلك لأنها ترى أن هذه الالتزامات من الممكن التحلل منها، ولكن لا يمكنها التحلل من الالتزامات على المستوى الدولي أو على مستوى شبه الإقليمي، وهو ما يؤثر بالسلب على العمل العربي المشترك.
ومن وجهة نظر التحليل الاقتصادي لآثار التكامل فإن هذه التكتلات شبه الإقليمية لا تخدم التعاون العربي الشامل، وذلك لأن قيام التكتلات شبه الإقليمية بين بعض الدول يؤدي إلى تحويل لتجارتها من خارج الدول الأعضاء بما فيها الدول العربية غير الأعضاء في هذا التكتل إلى التجارة مع الدول الأعضاء في هذه التكتلات، وتظهر المشكلة عندما يقوم التكامل الشامل بإعادة تحويل التجارة بين الدول العربية ككل، وهو ما يحتاج إلي عملية فك وإعادة تركيب لتوزيع واتجاه التجارة البينية أو التجارة العربية الخارجية، مما يؤثر على العلاقات التجارية بين العرب، ويؤدي إلى تكرار عمليات إعادة التخصص وتقسيم العمل بينها بطريقة تؤدي إلى إهدار الإمكانيات وتضييع الوقت، وخلاصة القول إن التكتلات الاقتصادية العربية شبه الإقليمية بقدر ما تؤدي إلى التقارب بين الأعضاء بها فإنها تؤدي إلى تعلية الأسوار بين الدول العربية ككل، وترفع تكلفة التكامل العربي الشامل، وهذا الأمر ينطبق على فكرة توحيد العملة بين دول مجلس التعاون الخليجي؛ لأنه بعد تحقيق الوحدة النقدية سيكون من الصعب توحيدها مع بقية العملات العربية الأخرى، وهذا يضع علامة استفهام حول إمكانية وجود عملة عربية موحدة في المستقبل، ومن ثَمّ يمكن القول إن الإطار السليم لتحقيق التكامل العربي هو أن يكون هناك نواة لهذا التكتل يتم البناء عليها رأسيا، وعدم تضييع الوقت في العمل الأفقي الذي تقوم به التكتلات العربية شبه الإقليمية.
باحث اقتصادي
|