|
اعتمدت فلسفة التحولات الاقتصادية في الدول العربية على إعمال آليات السوق، وتوسيع دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، وتحول الدولة من دور اللاعب الأساسي والوحيد إلي دور الحَكَم، وراسم السياسات، وبعد أن قطعت الدول العربية شوطاً كبيراً في رحلة هذه التحولات من خلال برامج الإصلاح الاقتصادي، أصبح القطاع الخاص في معظم الدول العربية هو اللاعب الأول في النشاط الاقتصادي بجوانبه المختلفة: التجارة، والاستثمار.. وغيرها من المجالات، ولأن هذه المجالات هي أهم مجالات التكامل الاقتصادي العربي؛ فهل يصبح القطاع الخاص العربي بوابة التكامل الاقتصادي العربي، وينجز ما فشلت الحكومات في تحقيقه؟! وكيف يمكن تحقيق ذلك؟! السطور التالية تحاول الإجابة..
القطاع الخاص العربي من التهميش إلي الصدارة
عندما نتحدث عن القطاع الخاص في الوطن العربي؛ فإننا نقصد المعنى الواسع للقطاع الخاص سواء كان منظماً أو غير منظم، والذي يتسع ليشمل: جمعيات، واتحادات رجال الأعمال في جميع الدول العربية، واتحادات الصناعات، وما يندرج تحتها من اتحادات نوعية، واتحادات المصدرين والمستوردين، والغرف التجارية، والنقابات المهنية، والأفراد كأصحاب أنشطة اقتصادية والعمال الذين يتحركون بين الدول العربية، وقد مر هذا القطاع الخاص في العالم العربي بتطورات كبيرة تغير فيها دوره في النشاط الاقتصادي، وفي عملية التنمية في جميع الدول العربية من دور هامشي غير فعال إلي دور هام ورئيسي في النشاط الاقتصادي في الدول العربية، وقد تعرض القطاع الخاص العربي لتهميش دوره في الماضي لعدة أسباب أهمها:
- طبيعة القطاع الخاص العربي ذاته؛ حيث لم يكن هذا القطاع منظماً، وكان غير مؤثر من حيث حجم الاستثمارات أو قوة تأثيره على الحكومات العربية.
- عدم دعم القيادة السياسية في الدول العربية للقطاع الخاص، وعدم وجود إطار تشريعي فعال وشامل ينظم عمل القطاع الخاص ودوره في الاقتصاديات العربية.
- انفراد الحكومات في معظم الدول العربية بوضع الخطط المركزية للتنمية الاقتصادية، ورسم السياسات الاقتصادية، بل واحتكار الحكومات لكافة الأنشطة الاقتصادية في الدول العربية.
- سيادة الفكر الشمولي في الدول العربية، وانعدام روح المبادرة الخاصة في مجال النشاط الاقتصادي، واتسام الاقتصادات العربية بالانغلاق وعدم الاندماج في الاقتصاد العالمي.
ومع التحولات الاقتصادية في الدول العربية بدأ دور القطاع الخاص يتزايد تدريجياً حتى انتقل من الدور الهامشي إلي دور الصدارة في معظم الدول العربية، وجاء ذلك من خلال قيام القطاع الخاص في معظم الدول العربية بتنظيم صفوفه، وتشكيل قوى ضغط على الحكومات، وتزايد تركز رؤوس الأموال لدى القطاع الخاص، وتشجيع الحكومة لتوسيع دور القطاع الخاص من خلال إطار تشريعي مشجع للقطاع الخاص، ومنح مزيد من الحوافز التى هيأت المناخ لنمو وازدهار القطاع الخاص العربي، أيضاً نجح القطاع الخاص في الدول العربية في أن يحل محل الحكومات في المشروعات التي لجأت الحكومات لبيعها من خلال برامج الخصخصة، كما نجح القطاع الخاص في تكوين تحالفات واندماجات جعلته قادراً على الدخول في مشروعات كانت حكراً على الحكومات؛ لأنها تحتاج إلي استثمارات ضخمة، وقد نتج عن كل ذلك أن اصبح القطاع الخاص في الدول العربية هو المستثمر الرئيسي وهو المساهم الأكبر في تحقيق الناتج المحلي الإجمالي، وهو المستوعب الأكبر للعمالة، وذلك على حساب تراجع دور الحكومات.
معوقات تحد من دور القطاع الخاص في التكامل العربي
بالرغم من التغير في دور القطاع الخاص في العالم العربي، واتساع مساهمته في النشاط الاقتصادي، وبالرغم من مراهنة الحكومات على هذا الدور في تحقيق خطط التنمية وبرامج التعاون الاقتصادي مع التكتلات الاقتصادية، وبالرغم من مراهنة الحكومات على دور القطاع الخاص في التغلب على المشاكل الاقتصادية، مثل البطالة وضعف الصادرات، والمساهمة في علاج الآثار الجانبية لبرامج الإصلاح الاقتصادي، مثل مكافحة الفقر. وبالرغم من كل ذلك إلا أن القطاع الخاص العربي ما زال يواجه العديد من المعوقات التى تحول دون قيامه بالدور المتوقع منه في توثيق أواصر التكامل الاقتصادي العربي، كما فعل القطاع الخاص في التجربة الأوروبية، ومن أهم هذه المعوقات ما يلي :
- اعتماد الاقتصادات العربية على صادرات البترول الخام ومشتقاته وبعض المواد الأولية، وهى في الغالب من إنتاج قطاعات تخضع لسيطرة الحكومات العربية بطريقة أو بأخرى؛ مما يحد من دور القطاع الخاص العربي في الاستثمار والعمل في هذه القطاعات.
- الإجراءات البيروقراطية المعقدة التى تحكم مجالات التجارة والاستثمارات في الدول العربية، وضعف التنسيق العربي في هذا المجال مما يعوق انطلاق نشاط القطاع الخاص العربي؛ ليتوسع بالدرجة المؤثرة على العلاقات العربية.
- وجود العديد من القصور والمعوقات في مجال البنية الأساسية اللازمة لدعم التجارة والاستثمارات العربية البينية من جانب القطاع الخاص، وخاصة في مجال النقل والمواصلات.
- وجود بعض التشريعات التى تعوق انتقال وتملك رجال الأعمال العرب للأصول في بعض الدول العربية، مثل دول مجلس التعاون الخليجي، واشتراط نسبة عالية لمساهمة رؤوس الأموال الوطنية في بعض المشروعات.
- تجاهل معظم الاتفاقيات المبرمة بين الدول العربية ثنائية أو جماعية لدور القطاع الخاص في تنفيذ هذه الاتفاقيات، وتحقيق أهداف الحكومات منها، وفي الغالب لا يتم مشاركة القطاع الخاص عند التفاوض وصياغة بنود الاتفاقية في حين قد يكون القطاع الخاص هو صاحب المصلحة الحقيقي في هذه الاتفاقية، ومن ثم تأتي الاتفاقيات غير واقعية.
- استمرار العلاقات الاقتصادية العربية رهينة للعلاقات السياسية بين الحكومات، وهو ما يمثل قدر كبير من المخاطرة أمام القطاع الخاص العربي وأمام رؤوس الأموال الخاصة؛ لأنه هو أول المتضررين من التذبذب في هذه العلاقات السياسية، ويأتي في مقدمة المتضررين من هذا التذبذب في العلاقات السياسية العمالة العربية المهاجرة إلي دول عربية أخرى؛ حيث تتعرض هذه العمالة في الغالب للطرد أو التضييق عليها وعدم دفع مستحقاتها، والأمثلة على ذلك كثيرة، وأشهرها مستحقات العمالة والمصدرين ورجال الأعمال العرب في أعقاب الأزمة بين العراق والكويت، والتي لم يتم تسوية أغلبها حتى الآن.
دور الحكومات العربية في تهيئة المناخ لدور فاعل للقطاع الخاص
بالرغم من الجهود التي تبذلها الدول العربية لتوسيع دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي على المستوى القطري إلا أن هذه الجهود لا تأخذ في اعتبارها توسيع دور القطاع الخاص في تحقيق التكامل الاقتصادي العربي؛ حيث لم يتم مراعاة ذلك من جانب الدول العربية عند صياغة التشريعات المنظمة لعمل هذا القطاع الخاص، وخاصة في مجال المشروعات العربية المشتركة، والتي يرى البعض أنها سقطت سهواً من حسابات الدول العربية، بالرغم من أنها أحد المداخل الهامة لتحقيق التكامل الاقتصادي العربي، ولذلك فإن دور القطاع في تحقيق التكامل الاقتصادي العربي مرهون بإرادة الحكومات العربية بدرجة كبيرة، وإذا أرادت الحكومات العربية أن يكون لهذا القطاع الخاص هذا الدور الفاعل فعليها أن تهيئ المناخ لعمل هذا القطاع من خلال الآتي:
- أن تفصل الحكومات العربية بين السياسة والمصالح الاقتصادية، وألا يؤخذ القطاع الخاص، سواء مستثمرين أو مصدرين أو مشروعات مشتركة أو عمالة بذنب حكوماتها في حالة الخلافات السياسية، وعلى الحكومات العربية أن تحذو حذو دول الاتحاد الأوروبي في هذا المجال.
- أن تبادر الحكومات العربية بدعوة القطاع الخاص للمشاركة في ترتيبات التجارة والاستثمار بين الدول العربية، وخاصة في صياغة الاتفاقيات؛ ليعبر عن واقع المشاكل التى يصادفها في عمله في الدول العربية المختلفة؛ لتكون هذه الاتفاقيات قائمة على أساس واقعي، ولتحميس القطاع الخاص للمشاركة في تنفيذها وتحقيق أهدافها.
- مراجعة القوانين والتشريعات العربية التى تنظم عمل القطاع الخاص العربي، والتنسيق بين الدول العربية في هذا المجال؛ للتخلص من معوقات انطلاق القطاع الخاص، وليصبح القطاع الخاص هو المحور الرئيسي واللاعب الأساسي في تحقيق التكامل الاقتصادي العربي.
- إتاحة الفرصة للقطاع الخاص العربي للنفاذ إلي الأسواق العربية والمساهمة بدور فعال في رسم السياسات الاقتصادية العربية بشأن أهم القضايا الدولية، مثل قضايا البيئة والتنمية البشرية، وزيادة دور القطاع الخاص العربي في المجال الاجتماعي داخل الوطن العربي بصفة عامة، دون اقتصار هذا الدور على المحيط القطري للدول العربية.
- دعم الحكومات العربية للتنظيمات التي يشكلها القطاع الخاص، والأخذ بوجهات النظر التى تتبناها في قضايا العمل العربي المشترك وفي علاقات الدول العربية مع العالم الخارجي.
- قيام صناديق التمويل وصناديق العون الإنمائي العربية بتقديم برامج تمويل ودعم للقطاع الخاص العربي، وعدم اقتصار هذا التمويل والدعم على الحكومات العربية.
واجب القطاع الخاص تجاه نفسه
لا يقع عبء النهوض بدور القطاع الخاص في التكامل الاقتصادي العربي على عاتق الحكومات العربية فقط، ولن يكون هذا الدور فاعلاً بمجرد قيام الحكومات العربية بتحقيق ما تم الإشارة إليه لتهيئة المناخ لعمل القطاع الخاص العربي، ولكن يبقي هناك واجبات على القطاع الخاص العربي نفسه القيام بها من أجل التكامل مع الجهود الحكومية في هذا المجال، وتشير التجربة العربية في هذا المجال إلى أن أول مبادرة فعالة لزيادة دور القطاع الخاص العربي قد بدأت مع تفعيل دور رجال الأعمال العرب والمستثمرين العرب من خلال جامعة الدول العربية والمؤسسة العربية لضمان الاستثمار، وبالتعاون مع الاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة في البلاد العربية، وذلك بتنظيم المؤتمر الأول لرجال الأعمال العرب في الطائف عام 1982، والذي أصبح مؤتمراً دورياً وعقد حتى الآن أكثر من 7 اجتماعات، والملاحظ أن هذا المؤتمر منذ عام 1982 قد انبثق عنه عدد محدود من المشروعات العربية المشتركة في مجال التنمية الزراعية وفي مجال الثروة السمكية، ولكن ما زالت التجربة غير مشجعة للتوسع في مزيد من المشروعات، ولذلك فإن القطاع الخاص العربي مطالب بالآتي؛ حتى يكون له دور فاعل في تحقيق التكامل الاقتصادي العربي:
- لا بد من اقتناع القطاع الخاص العربي بأنه من النسيج الأساسي للمجتمع العربي، وغير منفصل عن الشعوب العربية، وما تعيشه من مشاكل ومالها من طموحات، وأنه أول من يتأثر بالأزمات التى تتعرض لها الدول العربية في المجالات المختلفة.
- لابد أن يقتنع القطاع الخاص العربي بأنه مطالب بأن يأخذ دوره الفاعل في تحقيق التكامل الاقتصادي العربي، وأنه مطالب بملء المساحات الشاسعة التى نتجت عن انسحاب الحكومات العربية من النشاط الاقتصادي.
- لابد أن يركز القطاع الخاص العربي على ثلاثة محاور لزيادة دورة في العلاقات الاقتصادية العربية، وهي تحسين جودة المنتج أو الخدمة التى يقدمها للمواطن العربي، وتكثيف عمليات التسويق، والترويج لهذه المنتجات في الأسواق العربية، وتحقيق السعر التنافسي المناسب لمنتجاته حتى يكون لها الأفضلية أمام المنتجات غير العربية.
- لابد من قيام القطاع الخاص العربي ببناء شبكة معلومات عربية للقطاع الخاص؛ وذلك لتوفير المعلومات لكافة القطاع الخاص في الدول العربية، وخاصة فيما يتعلق بالمواصفات القياسية، وفرص التجارة والاستثمار.
- أن يحقق القطاع الخاص العربي إعادة تنظيم صفوفه، وأن يركز على أن يكون له رؤيته الخاصة في الأمور الاقتصادية المصيرية للدول العربية، وأن يسعى إلي توصيل هذه الرؤية إلي الحكومات العربية بشتى الطرق.
- ألا يركز القطاع الخاص العربي في نشاطه في الأسواق العربية على الأرباح قصيرة الأجل فقط، ولكن يجب أن يأخذ في الاعتبار الأبعاد الأخرى حتى لا يحل محله في الأسواق العربية القطاع الخاص غير العربي.
وخلاصة القول: إن القطاع الخاص العربي أصبح مطالباً بأن يلعب دوراً فعالاً في تحقيق التكامل الاقتصادي العربي؛ خاصة في ظل التغيرات العربية والدولية، وتفعيل هذا الدور يأتي بدعم من الحكومات العربية ومباركتها له، وكذلك من إيمان القطاع الخاص العربي نفسه بهذا الدور، وسعيه لإقناع الجميع حكومات وشعوباً بأن القطاع الخاص العربي يمكن أن يكون بوابة التكامل الاقتصادي العربي.
باحث اقتصادي
|