English

 

الخميس. مايو. 1, 2003

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات آسيوية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

"سارس" يهدد الأرزاق

د. محمد شريف بشير

سارس يهدد قطاعات اقتصادية آسيوية

تتزايد الآثار السلبية الناجمة عن تفشي مرض الالتهاب الرئوي اللانمطي "سارس" بوتيرة أسرع من انتشار المرض نفسه، وبات المرض يهدد كافة أرزاق المواطنين في دول جنوب وشرق آسيا. وربما ينعكس ذلك على الإنتاج في دول الإقليم الآسيوي وشركائهم التجاريين في العالم.

وكان المرض قد ظهر في منتصف مارس 2003 وانتشر في 24 دولة حتى الآن، منها الصين وهونج كونج وتايوان وسنغافورة وفيتنام وماليزيا والفلبين وتايلاند وإندونيسيا، وكوريا الجنوبية.

ويعتبر عدم السيطرة على المرض في الصين وسنغافورة على وجه الخصوص - أنشط الاقتصاديات في المنطقة وأسرعها نموًا - مؤشرًا واضحًا على التهديد المؤكد على النمو والانتعاش الاقتصادي في آسيا، ولا يستبعد أن يفضي المرض، إذا تعثرت جهود القضاء عليه واستمرت فترة طويلة، إلى نتائج سلبية على الاقتصاد العالمي بدرجة مماثلة لأزمة العملات الآسيوية في 1997-1998 لا سيما في ضوء تقرير لمنظمة الصحة العالمية في شهر أبريل 2003 يشير إلى أن الوباء يمكن أن يكلف 30 مليار دولار على المستوى العالمي، وبالطبع فإن آسيا ستتحمل الجزء الأكبر من هذا المبلغ.

السطور القادمة تحاول أن ترصد التداعيات الاقتصادية لمرض سارس خاصة في المنطقة الآسيوية سواء التي بدأت تتفاعل على أرض الواقع بالفعل أو المتوقعة، مع ملاحظة أن الأمر لا يزال يتعلق بتقديرات، وأنه لا توجد أرقام رسمية تحصي خسائر هذا المرض.

ومن أبرز الخسائر الناجمة عن المرض في آسيا:

1- تراجع القاطرة الصينية، فقد قتل المرض في الصين وحدها حوالي 148 شخصًا وأصاب حوالي 3300 حتى الأسبوع الأخير من شهر أبريل 2003، وهذا المعدل العالي من الإصابات والوفيات نشر الذعر في أوساط المستهلكين والمستثمرين ورجال الأعمال الصينيين، وبدأ ذلك يؤثر على الإنفاق الاستهلاكي، حيث تناقص تردد السكان على الأسواق والمجمعات التجارية وأماكن الترفيه، وانخفض عدد السياح بشكل لافت للنظر. ومما زاد من حدة الاضطراب والخوف إجراءات الحجر الصحي والتدابير الاحترازية الصارمة التي فرضتها السلطات الصينية على آلاف السكان، وسينعكس أثر ذلك على أداء قوة العمل، ومن ثم يكون التأثير سلبيا على الإنتاج.

وتقول مجموعة الاستثمار الأمريكية "سيتي جروب": إنها خفضت توقعات النمو في الصين من 7.6% إلى 6.7% لعام 2003، مضيفة أن تباطؤ النمو في الصين سيؤثر على الدول الآسيوية الصناعية.

ويعتقد تقرير لمصرف "دي بي إس" في سنغافورة صدر في أبريل 2003 أن القلق من الوضع في الصين بسبب مرض سارس أدى إلى تراجع توقعات النمو في آسيا بسبب الأهمية المتزايدة التي اكتسبتها في هذه المنطقة صادرات السلع إلى الصين. ويذكر أن الصين مثلت 39.3% من صادرات هونج كونج العام الماضي بارتفاع نسبته 36.9% مقارنة بالعام السابق.

2- انخفاض طلب القروض: يتوقع المصرفيون في الدول المصابة بالمرض أن يؤدي سارس إلى إعاقة التعامل مع الجمهور، وبالتالي انخفاض طلب القروض المصرفية إلى جانب التأخر في سداد القروض والديون؛ وهو ما يزيد من حجم الديون المتعثرة. وفي نفس الوقت سيدفع ذلك الوضع الحرج إلى التعامل المصرفي الإلكتروني بديلاً عن التعامل المباشر عبر الفروع المصرفية أو ماكينات السحب الآلي، وذلك بهدف إتمام المعاملات المصرفية، مثل دفع الفواتير والتحويل المصرفي والإيداع النقدي عبر الإنترنت.

ويقول رئيس مصرف "إتش إس بي سي" في هونج كونج، في تصريحات صحفية في أبريل 2003: إن عدد العملاء المستخدمين للمعاملات المصرفية مع البنك عن طريق الإنترنت زادوا بنسبة 40%. يذكر أن عدد الذين لديهم حسابات مصرفية إلكترونية في هونج كونج يصل إلى 1.6 مليون من إجمالي السكان البالغ 7 ملايين نسمة.

3- أضرار شركات الطيران والسياحة، حيث خفضت شركات الطيران الآسيوية رحلاتها الجوية، ووصلت عائداتها من الرحلات الخارجية على وجه الخصوص إلى مستويات متدنية، مثل شركة الطيران السنغافورية التي انخفضت بمعدل 74%.

كما قال بيان اتحاد شركات الطيران الأوروبية في نهاية أبريل 2003: إن الإقبال على الرحلات إلى الشرق الأقصى وأستراليا انخفض في الأسبوع المنتهي في 20 أبريل بنسبة 28%؛ وهو ما يشير إلى تنامي تأثير سارس على صناعة شركات الطيران. وقال الاتحاد ومقره بروكسل بأن 4 من كل 10 مقاعد على رحلات شركات الطيران الأوروبية التي تخدم آسيا، خالية.

وقد تأثر أيضًا قطاع السياحة في آسيا، ففي هونج كونج أعلن مجلس السياحة هناك أنه يتوقع أن يهبط عدد زائري الجزيرة بنسبة 70% أو أكثر في أبريل بسبب تفشي المرض القاتل. وذكر المجلس في بيان أن عدد زائري البلاد هبط بنسبة 9.9% في آخر 16 يومًا.

4- تناقص العمالة المهاجرة بين دول الإقليم: ستتضرر العمالة المهاجرة من دول الإقليم خاصة من إندونيسيا والفلبين والبالغ عددهم أكثر من 5 ملايين، في المزارع والمصانع والأعمال المنزلية. وترسل هذه العمالة عوائد التي تصل إلى 20 مليار دولار سنويًا، لبلادهم. وتبلغ نسبة العمالة الأجنبية الآسيوية من إجمالي العمالة حوالي 24% في سنغافورة و7% في هونج كونج، هذا إلى جانب القيود الجديدة التي فرضتها معظم الدول الآسيوية والتي تحد من حركة وانتقال العمالة الآسيوية بين دول الإقليم.

5- تراجع توقعات النمو الاقتصادي: خفض البنك الدولي من توقعاته للنمو الاقتصادي في آسيا بنسبة 0.5% وذلك للتراجع في عائدات قطاعات السياحة والسفر والنقل والتجارة المحلية، ومعدل النمو البالغ 5%. فانخفاض عدد السياح في الإقليم الآسيوي بمقدار 10% سيؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي في الصين بنسبة 0.2% وبنسبة 0.5% في هونج كونج. ويرى البنك الدولي أن مرض سارس وضع دول آسيا في ظروف بالغة الحساسية رغم توقعات النمو القوية خلال السنة الماضية والبالغة 6%. وكان البنك الدولي يتوقع نموًا بمعدل 5% هذا العام 2003 قبل أن يستأنف النمو القوى الآسيوي في العام المقبل.

وسيكون أكثر القطاعات تأثرًا قطاع الخدمات في الأجل القصير، ويشمل ذلك السياحة والنقل والأعمال التجارية وتجارة التجزئة. ويعتقد بعض خبراء البنك الدولي أن الانخفاض في السياحة سيؤثر على الإقليم بنسبة 0.3%، كما ستتأثر التجارة البينية بين الصين والدول الآسيوية المصنعة، حيث سيضعف طلب الصين للسلع الصناعية والمواد الخام المستوردة من الدول الآسيوية خاصة دول الآسيان. وما ينطبق على الصين يمكن أن يتكرر في اليابان، وذلك بانخفاض استيرادها من الدول الآسيوية الموبوءة؛ فاليابان أعربت عن مخاوف كبيرة من تأثير المرض على الاقتصاد المحلي، وأوضحت أن هناك فقط حالتين للمرض في اليابان.

كما أن تراجع النمو الاقتصادي في آسيا سيؤثر بالسلب على نمو الاقتصاد العالمي. ويذكر أن مساهمة الدول الآسيوية في التجارة العالمية، باستثناء اليابان وكوريا الجنوبية، بلغت حوالي 45% من إجمالي حجم التجارة العالمية في 2002، وكان يقدر لها هذا العام 30%.

من جهة أخرى فإن الشركات التي لها استثمارات في الدول الآسيوية، تتجه لتقليل حركة التنقل والسفر إلى هذه البلاد؛ وهو ما سيؤثر على عائدات النقد الأجنبي في هذه الدول مثل الصين وفيتنام وسنغافورة. وإذا لم تتم السيطرة على المرض فإن الكثير من الشركات والاستثمارات الأمريكية والأوربية ربما تنتقل من الصين وبعض الدول الآسيوية إلى أمريكا اللاتينية.

مواجهة المرض

وللحيلولة دون اتساع تداعيات المرض الاقتصادية دعت الصين خلال اجتماع زعماء دول الآسيان والصين والذي اختتم أعماله في بانكوك يوم 28-4-2003 حول المرض إلى إنشاء صندوق لدراسة ووضع طرق وإجراءات لمنع المرض والوقاية منه، وتعهدت مبدئياً بمبلغ 1.2 مليون دولار لهذا الغرض.

كما أعلنت تايوان إنشاء صندوق طوارئ لمقاومة المرض ومعالجة ضحاياه بمبلغ 1.4 مليار دولار. في الوقت نفسه بدأت بعض الدول الآسيوية في مواجهة التداعيات السلبية لسارس، حيث وضعت سنغافورة 129 مليون دولار لدعم قطاع السياحة المتضرر والنقل، وتدرس ماليزيا بعناية إجراءات لتقليل النفقات على القطاعات المتضررة.

على أية حال فإن الآثار الاقتصادية للمرض قد تكون كبيرة في الدول التي انتشر فيها خاصة في السياحة وتجارة التجزئة. لكن سيتوقف حجمها على حجم المرضى وسرعة السيطرة على هذا الفيروس القاتل.


  أستاذ الاقتصاد بجامعة العلوم الإسلامية – ماليزيا

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم