|
لا تطرح الفقرات التالية دراسة منهجية وإن كانت حصيلة الاطلاع على دراسات وبحوث عديدة، فالمقصود هو ألاّ يبقى موقف الرأي العام من النفط الخام وما يرتبط به، وكأنّه قضية خاصّة بذوي الاختصاص وأصحاب القرار، وهو محور رئيسي - إن لم يكن المحور الأوّل - فيما يحدِّد معالم مستقبل النسبة الأعظم من سكان البلدان المصدِّرة للنفط، وربّما مستقبل المنطقة الإسلامية عمومًا. المقصود إذن الخروج بقضية النفط الخام ومستقبل التعامل معه، من فلك الاختصاص والاختصاصيين -دون التهوين من شأنه-، والنزول بالقضية من البرج العاجي لصانعي القرارات الاقتصادية والسياسية، مع العمل الهادف إلى نشر " تصوُّرات شعبية " قويمة وموضوعية عن هذه الثروة وموقعها، فعلى قدر انتشار الوعي بالمشكلة وأهميتها وجوانبها المختلفة، يتسع نطاق القاعدة العريضة الضرورية، التي يجب أن تنبثق منها القرارات المصيرية بعيدًا عن المساومات ومفعولها، وأن يعتمد صانعو القرار عليها في مواجهة الضغوط التي باتت من " العناصر الثابتة " في المعاملات الدولية في عالمنا المعاصر.
الخروج من قفص الأوهام
ومن الثابت بعد كلِّ دراسة وبحث أنّ مشكلة تعاملنا في المستقبل مع ثروة النفط، ليست مشكلة معلومات ناقصة .. فقد تراكم من المعلومات كمٌّ ضخم وقيِّم، ولا هي مشكلة تنبؤات مستقبلية مشكوك فيها.. فقد تواترت مضامين الدراسات المستقبلية، فلا يقول بتضاربها وتناقضها إلاّ بعض من ينتقون ما يستشهدون به منها لتبرير مواقف وقرارات سياسية يتخذونها من قبل تلك الدراسـات ومن بعدها.
إنَّ المشكلة الحقيقية تكمن في كيفية توظيف حصيلة المعلومات المتراكمة والدراسات المستقبلية، من أجل التوصُّل إلى مخططات بعيدة المدى .. ولخدمة سياسات قويمة .. ولتحقيق أهداف مرحلية قريبة .. تُعَزَّز إمكانات الوصول إلى الأهداف الأبعد بدلاً من زيادة العقبات والعراقيل في وجهها. المطلوب أن ترتبط الإجراءات على أرض الواقع بمقتضـيات ما أصبح يقول به المتخصصون وتؤكّده الدراسات، فآنذاك نخترق جدار التناقض الخطير القائم –ليس في ساحة النفط الخام فقط- بين المعلومات الثابتة وما تقتضيه، وبين تطبيقات عملية ذات منطلقات ارتجالية أو خاطئة أو ذات أغراض سياسية مرفوضة، فهي توصل بالضرورة إلى عواقب فادحة.
لقد تميَّزت ساحة الحديث عن ثروة النفط الخام والتصرُّف بها خلال الثمانينات والتسعينات الميلادية الماضية، بأطروحات متناقضة لا تعدو أن تكون بغالبيتها العظمى مجرّد تبريرات، استهدفت تمرير قرارات يكفي للتدليل على خطئها أن نلقي نظرة على نتائجها، وأدناها إلينا بمنظار التعميم القائم على معطيات موضوعية، إن النفط الخام تحوّل من سلاح يستخدمه أصحابه لتحقيق مصالح ما، إلى سلاح مسلَّط على مصالحهم وهو في أيديهم بعد!!..والأغرب من ذلك في هذا الوضع الأشبه بصورة كاريكاتورية، أنّ أهل الغرب الذين واجهوا استخدام النفط العربي في السبعينات الميلادية سلاحًا سياسيًّا بحجة تقول بضرورة عدم تحكيم الاعتبارات السياسية في العلاقات الاقتصادية، هم أنفسهم كانوا من الماضي البعيد، ومايزالون حتى اللحظة الحاضرة يستخدمون النفط الخام أداة لتحقيق أغراض سياسية مَحْضة، في خدمة مصالحهم الاقتصادية وغير الاقتصادية، وليس مجهولاً ما يفرضون من ألوان المقاطعة والحصار تجاه هذه الدولة أو تلك من الدول المنتجة.
ومن الثابت اليوم دون جدال، أنّه لا يمكن الفصل بين قضية الثروة النفطية في البلدان الإسلامية عمومًا، بأسعارها وإنتاجها وتصديرها واستهلاكها، وحتى باختيار مناطق تمرير الأنابيب الناقلة لها، والمرافئ الشاحنة لناقلاتها جميع ذلك لا ينفصل عن القضية الأكبر والأشمل في المنطقة الإسلامية، وهي تواجه بقضاياها المصيرية الحيوية، سياسات غربية تستهدف ترسيخ الهيمنة السياسية والأمنية لا الاقتصادية فقط، بل والهيمنة الفكرية والاجتماعية والثقافية والفنية، في ظلّ نظام عالمي جديد، يراد تثبيت أركانه على أعمدة السيطرة والاستغلال .. وإلاّ هل يمكن التمييز فعلاً بين ما يتخذ من قرارات في هذه الميادين وقرارات أخرى ترتبط مباشرة بالثروة النفطية، بدءاً بمنطقة الخليج، مرورا بالشمال الأفريقي وجنوب شرق آسيا، وانتهاءً بالمناطق الإسلامية وسط القارة الآسيوية ؟!..
ولقد آن الأوان.. أو كاد يفوت الأوان.. أن تربط صناعة القرار في البلدان الإسلامية، بين التوقعات المستقبلية شبه الثابتة، بشأن الثروة النفطية وسواها، وتوظيفها في خدمة مصلحة أصحابها الشرعيين، وبين ما تتخذه تلك البلدان من خطوات وإجراءات وما تبنيه من علاقات وتمارسه من معاملات، مع مختلف القوى الدولية، فضلاً عمّا ينبغي أن تصنعه فيما بينها محليًّا وإقليميًّا .. على أن يبدأ هذا الربط الآن في اللحظة الحاضرة ، فقد أصبح ذلك مسألة بقاء أو فناء، وليس مسألة "علاقات ودية" لا ينبغي تعكير صفوها، مع غرب أو شرق، كما أنّه ليس مسألة مستويات استهلاكية رفاهية مؤقتة، ناهيك أن يكون مسألة مزاعم متكررة أنّنا على الطريق الصحيح في الميدان الاستثماري، تنشرها موجات متتابعة من الأخبار الموهومة، كأنّ المقصود بها تهدئة بعضنا بعضًا، ونحن جميعًا، من يطلق الأوهام ومن يستمع إليها، لا نصدِّقُها إذ نعلمها على حقيقتها، ولكن نزعم لأنفسنا أحيانًا أنّنا صدّقناها، لاسيّما فيما يقال عن "منجزات تطويرية" فيما لو استوردنا بعض المصنوعات فركّبناها، أو بعض الآليَّات فشغَّلناها أو ما يقال عن منافسة الآخرين من أصدقاء وأعداء، إذا ما ضغطنا على "زرّ الشرف" لإطلاق أقمار صناعية اشتريناها .. أو حتى عندما نسبق سوانا فعلاً من حيث حجم ما نبثّ عبر عشرات .. بل مئات من الفضائيات التي تعمل بتقنيات استأجرناها !
أرقام ناطقة
لسنا في حاجة إلى تقديم الأدلة والبراهين على جوانب بات جلّها معروفًا، تحدّث المتخصصون عنها حديثًا مستفيضًا، وأشبعوها بحثًا ومناقشة ونشرًا، وأرفقوا دراساتهم بنداءات أشبه بالاستغاثات أو التوسّلات على أمل ألاّ تبقى حصيلتها القيمّة حبرًا على ورق، ولكن نستحضر في فقرات موجزة ودون تفصيل بعض الأرقام التي تشير إلى معالم أساسية في قضية النفط الخام، بماضيها وحاضرها ومستقبلها، ممّا يدركه المتخصّص وسواه بقليل من التأمُّل:
|
أوَّلاً : ارتفع حجم الاستهلاك العالمي من الطاقة، منذ بدء الثورة الصناعية عام 1860م تقريبًا، حتى عام 1985م، بما يعادل ستين ضعفًا، أي بنسبة سنوية وسطية تعادل 4.8 %، وعلى النقيض ممّا يتردَّد أحيانًا لن يتباطأ نموّ استهلاك الطاقة في العالم في القرن الميلادي الحادي والعشرين، مهما بذل من جهود لترشيد الاستهلاك، فأدنى التقديرات العلمية تقول إنّ حجم الإنجاز الاقتصادي العالمي سيزيد خلال 100 عام بنسبة 1400 % ، وتقول إنّ نسبة الزيادة في استهلاك الطاقة تعادل 47 % من معدّلات زيادة الإنجاز الاقتصادي، أي 658 % أو بوسطيّ سنوي يعادل 6.6 % ، وهو أعلى من الوسطي في القرن الميلادي الموشك على الرحيل، والسـبب هو أنّ الإنجاز الاقتصادي تركِّز حتى الآن بنسبة 75 % في نطاق 25 % من البشرية، وستنعكس هذه المعادلة لصالح ما لا يقلّ عن 25% من البشر ممّن لم يشملهم النموّ الاقتصادي بحجم مماثل، أي في البلدان النامية، فضلاً عن الزيادة السكانية التي تقول التقديرات بصددها إنَّ عدد سكان الأرض سيبلغ بعد قرن واحد ضعف عددهم الآن (على الأقل)، ويتضح المقصود من خلال مثال " السيارات " التي يبلغ عددها حاليًا 680 مليون سيارة في العالم، وقد يصل التطوير التقني إلى خفض نسبة استهلاكها للوقود، ولكن سيعوِّض ذلك زيادة ارتفاع عدد السيارات إلى ما لا يقل عن 4930 مليونًا عام 2100، والنسبة العظمى من ذلك خارج نطاق العالم الصناعي.
ثانيًا: سيقترن هذا التطوُّر إذن بتحوُّل جذري في توزيع خارطة اسـتهلاك الطاقة في المعمورة، وفيها حاليًا خلل كبير، لا ينبغي أن تعتمد عليه السياسات النفطية المستقبلية، عندما تنطلق وكأنّ تعاملها مع المستورد الغربي أمر أبديّ لن يتغيّر، فالفرد الأمريكي يسـتهلك في الوقت الحاضـر 40 ضعف ما يستهلكه الفرد في البلدان النامية وسطيًّا، والفرد الأوروبي 30-40 ضـعفًا، ولكنّ الزيادة السكانية وزيادة الإنجاز الاقتصادي - كما سبقت الإشارة - ستكون من نصيب الدول النامية أكثر من الصناعية، ويعيش حاليًا 25 % من البشر في العالم الصناعي، ويستهلكون 72 % من الطاقة عالميًّا، ولكن سيعيش فيه عام 2100م 15 % على الأكثر ولا يستهلكون أكثر من 30 % من الطاقة عالميًّا.
ثالثًا: انطلاقًا من إنتاج التيار الكهربائي كمقياس لاستهلاك الطاقة، بلغ نصيب النفط الخام من تغطية الاحتياجات العالمية حاليًا 35 %، والغاز الطبيعي 15 %، والفحم الحجري 10 %، والطاقة النووية 5 %، والمصادر الأخرى البديلة ( الشمس والريح والماء وغيرها .. ) 15 %، ولن تشهد هذه النسب تحوُّلاً يستحقّ الذكر في العقود المقبلة، وهذا على النقيض من سائر ما يقال "تخويفًا" من منافسة المصادر البديلة للنفط الخام. ومن المعروف أنّ السياسات الرسمية في الدول الصناعية لا تستجيب حتى الآن إلى مطالب حماة البيئة بصدد التحوّل إلى مصادر الطاقة البديلة، وأشدّها مضمونًا وإلحاحًا ما تطرحه منظمة "السلام الأخضر" العالمية، ولكن على افتراض الاستجابة " المطلقة " لسائر تلك المطالب، لن يسفر ذلك عن اضمحلال مكانة النفط عالميًّا خلال عقد أو عقدين أو حتى ثلاثة عقود من السـنوات، أي خلال جيل كامل، بل يبقى أقصـى ما يتنبّأ به حماة البيئة إذا تحققت مطالبهم، هو ارتفاع نسبة مصادر الطاقة البديلة إلى 30 % عام 2030م، ويقابل ذلك التخلِّي عن نصيب الطاقة النووية كليًّا ( 5 % ) والفحم الحجري جزئيًّا ( 10 % ) أي أكثر ممّا يصيب حصّة النفط الخام والغاز الطبيعي بالمقابل.
رابعًا: ليس مجهولا أنّ استغلال الطاقة النووية تطلّب إنفاق ما لا يُحْصَى من الاستثمارات بألوف المليارات على امتداد خمسـين عامًا كاملة، ولم يوصل في حصيلة المطاف إلى أكثر من 5% تمثِّل نصيب الطاقة النووية من إنتاج التيار الكهربائي عالميًّا، وقد بدأ التراجع عن استغلال الطاقة النووية لمخاطر رواسبها المشعة، ومن المفروض إنفاق أضعاف مضاعفة من الاستثمارات على المصادر البديلة، خلال جيل أو جيلين؛ لرفع نسبة الاعتماد عليها وفق تنبُّؤات أقرب إلى التمنّي منها إلى التقديرات المنهجية.
أين المُعْضِلة؟!
إنّ هذه الأرقام التي تحفل بها دراسات عربية وغربية تؤكّد عددًا من الأمور الجوهرية، وفي مقدّمتها:
أوّلاً : تبريرًا لسياسـة رفع الإنتاج رغم هبوط الأسعار في العقدين الماضيين، كان يتردّد أنّ ارتفاع تكاليف النفط الخـام سيُحَسِّن موقع المردود الاقتصادي لمصادر الطاقة البديلة على حساب النفط، فيفقد قيمته ومكانته، وظاهر ممّا سبق أنّ هذه مقولة " تبريرية " لا تعتمد على أسس اقتصادية منهجية، وقد أدَّت بالفعل إلى نقيض الهدف الرسمي المعلن لها، ذلك أنّ تدهور أسعار التصدير في التسعينات إلى أقلّ ممّا كانت عليه في السبعينات الميلادية (مع ملاحظة القوّة الشرائية للعائدات) أعطى الدول الصناعية المستوردة فرصة ذهبية لفرض مزيد من الضرائب والرسوم، كان من المستحيل فرضها لو حافظت أسعار النفط على ارتفاعها لأنّ المستهلك لا يحتمل أعباءً أكبر ممّا يحتمله حاليًا، وقد وفّرت هذه العائدات من الضرائب والرسوم الإضافية المصدر الرئيسي للدعم المالي الضخم لصالح الاستثمارات الهادفة إلى تطوير مصادر الطاقة البديلة المنافسة للنفط الخام، وبتعبير آخر: إن سياسة الأسعار المنخفضة جعلت الدول النفطية تموّل بنفسها ونتيجة انخفاض عائداتها إلى أقلّ من الثلث، تطوير المصادر البديلة عن ثروتها النفطية!.
ثانيًا: لا تصحّ أيضًا المقولة التي تردّدت مرارًا على سبـيل "التخويف" من ارتفاع مردود أسعار النفط الخام، بحجّة أنّ هذا يدعم مكانة البلدان الأخرى المنتجة خارج نطاق منظمة البلدان المصدرة للنفط، أو خارج نطاق المنطقة الإسلامية والبلدان النامية عمومًا، فجميع الدراسات تحسم في أمرين رئيسيين، أوّلهما: أنّ الاحتياطي النفطي بنسبة 75 % في البلدان الإسلامية، ومنه 62 % في العربية منها، لن ينضب خلال جيلين أو ثلاثة أي 60-90 سنة، بينما سينضب ما يوجد في الشمال الأمريكي وفي بحر الشمال خلال 10-20 سـنة، والأمر الثاني: هو أنّ دول المنظمة التي تغطّي حاليًا 40% من الإنتاج العالمي، ستحتفظ بموقعها وفق أشدّ الدراسات تفاؤلاً بالمنظور الغربي أو تشاؤمًا بالمنظور الإسلامي، إذ تقول تلك الدراسات إنّ حصة المنظمة لن تكون أقلّ من 50 % عام 2020م، كذلك فحصة البلدان العربية سترتفع من 28.5 % حاليًا إلى أكثر من 35 % عام 2020م.
نحن لا نواجه إذن معضلة " اقتصادية "، بل معضلة سياسية في قضية التعامل الراهن والمستقبلي مع الثروة النفطية ، وهـي معضلة لا تطرح أسئلة ذات طابع اقتصادي محض، بل ذات طابع سياسي في الدرجة الأولى، ومن أشدّ ما يثير الاستغراب والعَجَب أنّها أسئلة تكرّرت الإجابة عنها، فأصبحت الأجوبة معروفة، ثابتة، ومع ذلك لا ننقطع عن طرحها، مرة بعد أخرى، وكأنّها لم تجد جوابًا حتى الآن، ليست المعضلة كامنة إذن في أنّنا لا نعرف ماذا نريد أو ما نحتاج إلى صنعه، بل هي كامنة في التشكيك به أحيانًا والإحجام عن صنعه على الدوام !
يجب أن نخرج بقضية النفط الخام من قوالب الحديث عنها تخويفًا عن طريق التمويه على الحقائق أو طمأنة، كما لو أنّنا نتصرّف فعلاً وفق ما تقتضيه تلك الحقائق، وللتمويه سبل عديدة متبعة، ومن ذلك:
 |
مثال أوّل: تردّد الحديث لفترة من الزمن عمّا يسمَّى " خلايا الطاقة " التي تعتمد على مركب هيدروجيني- أوكسجيني، وتصلح لاستخدامها في تشغيل محرّكات السيارات مثلاً، ولكنّ الحديث عن ذلك من زاوية التحذير من رفع أسعار النفط خشية تطوير تلك البدائل الحديثة، يقوم على أساس التمويه؛ لأنّه يغفل أو يتغافل عن أمرين اثنين على الأقل، أحدهما: أنّ عملية التطوير جارية على كلّ حال، وأنّ من مصادر تمويلها ما سبقت الإشارة إليه من عائدات ضرائبية سمح بفرضها انخفاض أسعار النفط، فارتفعت من 30-40 % قبل 25 سنة إلى 60-80 % من الأسعار الاستهلاكية للوقود حاليا، والأمر الثاني: هو أنّه في أقصى ما يمكن أن تمضي إليه مخططـات الاعتماد على " خلايا الطاقة " –كما يقول أصحابها – لا يمكن أن يعطيها موقع المنافس الجديّ للنفط الخام، ويوضِّح ذلك ما تردَّد بهذا الصدد على هامش اندماج شركتي دايملر بنز الألمانية وكرايسلر الأمريكية عام 1999م، فمخططاتهما المتقدمة على سواهما، قد تصل بعد 10 أعوام إلى تصنيع ما لا يزيد على 250 ألف سيارة اعتمادًا على الوقود البديل من خلايا الطاقة، والرقم المذكور يمثّل نسبة محدودة من الزيادة المتوقعة في عدد السيارات التي ستقوم الشركة العملاقة على تصنيعها وتصريفها، فما هو الوقود الذي ستعتمد عليه بقية ما تصنعه بأضعاف الرقم المذكور سوى الوقود المستخلص من النفط الخام ؟..
المثال الثاني: استطرادًا للحديث عن دعم مصادر الطاقة البديلة ينبغي التأكيد أنّ المليارات التي أنفقت على النحو المذكور لاستغلال الريح، والماء، والمدِّ والجزر، وحتى روث الحيوانات، لم تصل خلال ربع قرن كامل ولا حتّى إلى نتائج مبدئية لاستغلالها اقتصاديًّا على نطاق واسع، باستثناء ما يرتبط بالطاقة الشمسية، التي يفتقر الغرب إليها نسبيًّا، ثمّ الطاقة الحيوية، والأهمّ من ذلك هو أنّ إشاعة عزم الغرب على التخلّي عن الاعتماد على الثروة النفطية في البلدان الإسلامية تمثّل "كذبة كبرى " تنكشف عند مقارنة ما تنفقه الدول الصناعية على تطوير المصادر البديلة، مع ما تنفقه بمعدّلات أكبر بكثير على ميادين ترسيخ سيطرتها على منابع النفط خارج حدود العالم الصناعي، والشواهد على ذلك معروفة، وأبرزها للعيان اسـتثمار مئـات المليارات في عقود طويلة الأجل لاسـتخراج النفط الخام في المنطقة الإسلامية وسط آسيا، مع سائر ما يرتبط بذلك من جهود مبذولة للهيمنة السياسية أيضًا.
المثال الثالث: تنكشف حقيقة النظرة الغربية إلى مستقبل الثروة النفطية في البلدان الإسلامية من خلال ظاهرة أشدّ خطورة من سـائر ما سـبق، وهي المساعي المبذولة للسيطرة على "الاحتياطي النفطي" وليس على ما يتمّ استخراجه من النفط فقط، وهذا ما تؤكّده العقود التي تمّ توقيعها تحت وطأة " أعباء تسـديد الديون " في السنوات القليلة الماضية، وتشـمل ما صنعته شركات " آجيب "، و" شـل "، و" إلف " مع نيجيريا، و" شـيفرون "، و" إلف " مع أنجولا، وكذلك "آجيب "، و" توتال " مع الجزائر، وجميع ذلك يؤكّد أنّ الحرص على استغلال الثروة النفطية داخل البلدان الإسلامية والنامية مستمرّ، بل ازداد حدَّة وشدَّة، وأنّه لا يجد حتى الآن سياسة مناهضة على المستوى الجدير به.
المخرج من البئر العميق
إنّ أعمق الآبار " النفطية " في البلدان المصدّرة للنفط في الوقت الحاضر، وأشدّها نضوبًا وأقلّها مردودًا، هو البئر السياسـي، ففيه – وليس في الاعتبارات الاقتصادية – سقطت الأسعار، وسقطت قرارات خفض الإنتاج وتوزيع كمياته، وسـقطت معها مشاريع التنمية والتطوير، كما سقطت السياسات الإعلامية نتيجة توظيفها للتمويه على الأخطاء أو تبريرها، وتكاد تسقط من وراء ذلك كلّه الدول النفطية نفسها أو بعضها على الأقل، تحت وطأة الديون الخارجية والعجز المتنامي في الميزانيات السنوية، فضلاً عن ضياع "مناعتها الذاتية" إزاء أساليب الحصار والمقاطعات الخارجية.
وإذا كانت المعلومات السابقة تثير " الاطمئنان " إلى مكانة النفط الخام لفترة جيل أو جيلين على الأقل، فهو اطمئنان مشروط بتعديل السياسات النفطية عمومًا، وانتشر الاعتقاد لفترة من الزَّمن أن المسؤولين بدءوا يدركون أهمية ذلك، وأن قرارات مؤتمر آذار / مارس 1999م لتخفيض الإنتاج ستعيد لمنظمة البلدان المصدرة للنفط مكانتها الاقتصادية العالمية المتلائمة مع موقعها وموقع الثروة النفطية من الاقتصاد العالمي، ولكن تعود الصورة إلى سابق عهدها مجددًا عند التأمل في مؤتمر آذار / مارس عام 2000م من حيث الإعداد له، ومن حيث مجراه، ومن حيث النتائج التي ستترتب عليه اقتصاديًّا وسياسيًّا.
إن أي تغيير أساسي وفعال لا يتحقق دون إجراءات مستقلة وجريئة وحاسمة، متوازية مع إجراءات عملية وتطبيق دقيق، والمطلوب كحدّ أدنى:
أوّلا: الربط بين قرارات خفض الإنتاج وتوزيع نسبه بين الدول النفطية وبين اتفاقات تعاونية شاملة فيما بينها؛ لتعويض من يتضرّر أكثر من سواه في مشاريعه الإنمائية والتطويرية، علاوة على تثبيت سياسات توفير تهبط بمخصصات الاستهلاك، وترفع مخصصات الاستثمارات الوطنية، وتحوّل عبر تحسين الشروط المحلية قسطًا كافيًا من الإيداعات المصرفية والاستثمارية في البلدان الصناعية، إلى البلدان النفطية نفسها والبلدان المجاورة في المناطق الإقليمية المرتبطة بها ارتباطًا عضويًّا.
ثانيًا: توظيف شطر من عائدات النفط لتمويل دراسات تقوم عليها جهات وطنية موثوقة؛ لتطوير الأساليب الراهنة في تكرير النفط الخام وتصنيع منتجاته واستهلاكها، تطويرًا يخفف تلويث البيئة، فهذا هو السلاح الحقيقي والرئيسي الذي يمكن أن يهدّد مستقبل النفط، من خلال حملات دولية جارية لحساب المصادر البديلة، والواقع أنّه لو أنفق على التطوير التقني لاستغلال النفط معشار ما ينفق على المصادر البديلة من استثمارات، لأمكن الوصول إلى نتائج تجعله هو المصدر "النظيف " بيئيًّا. ومن الضروري لهذا الغرض –على سبيل المثال-ربط كل اتفاقية مع شركة أجنبية لتسويق النفط الخام في البلدان المستهلكة ببنود ملزمة، تستهدف دعم تمويل مشـاريع هادفة لإيجاد تقنيات "نظيفة" لاستخراج النفط واستهلاكه.
ثالثًا: إعطاء الأولوية المطلقة في صرف عائدات النفط للمشاريع الاستثمارية المحلية والإقليمية، وفق الاحتياجات الوطنية والإقليمية، مع تقليص النفقات الباهظة لاستيراد البضائع الاستهلاكية والكمالية، جنبًا إلى جنب مع حملات توعية كافية للتأثير على " السلوك الشخصي " للفرد المستهلك في البلدان النفطية.
رابعًا: ربط مشاريع التطوير والتنمية الوطنية بشبكتين متكاملتين، إحداهما لتطوير المنشآت الأساسية للبنية الهيكلية المشتركة في البلدان النامية، كالطرق ومنشآت التعليم والإدارة والبحث العلمي، ولتنفيذ مشاريع التصنيع المحلية في اتجاه تحقيق الكفاية الذاتية "المشتركة" على أساس التكامل بين بلدان المنطقة الواحدة، والتي يملك بعضها الاختصاصات والخبرات، وبعضها الخامات، وبعضها الطاقة، وبعضها الأيدي العاملة، وبعضها أسواق التصريف الكبرى، ولكنّها تفتقر جميعًا إلى عنصر واحد سياسي هو التنسيق والتعاون بما يحقق المصلحة المشتركة رغم وجود خلافات يسـتحيل زوالها دون إيجاد أرضية مشتركة من المصالح ورعايتها وتعزيزها باطِّراد.
إنّ مشكلة النفط الخام ليست إلاّ جزءاً من قضية "النهوض"، وهذه قضية مجتمع وأمّة، لا ينبغي احتكارها ولا يفيد، وليس النهوض مشكلة بل هو هدف ومخطط وتنفيذ، وذاك ما لا يعرقله في البلدان الإسلامية والنامية "عجز موضوعي"، بل عجز يصنعه تباين السياسات، ليس بسبب تباين المصالح بل رغم تلاقيها عمومًا، فهو ناجم في الدرجة الأولى عن تغليب أسباب الخلاف على القواسم المشتركة في ميدان المصالح، في عالم لم تزل الخلافات قائمة بين سائر أقطابه الصناعيين إلى اليوم، ولكن تحقق تقدّمهم من خلال تقديم القواسم المصلحية المشتركة على أسباب الخلاف الباقية ودون انتظار زوالها المستحيل موضوعيًّا، وبالمقابل أصبحت عقدة العقد في بلادنا العربية والإسلامية، تحويل كلّ خلاف إلى حاجز منيع في وجه التعاون فيما لا خلاف حوله، وفيما قد يجلب عدم التعاون فيه إلى أضرار أكبر بما لا يقاس من أضرار الخلاف نفسه.
إنّنا في حقبة تاريخية وضعتنا – دون مبالغة ولا تهويل- على مفترق طرق خطير، فإمّا أن تحكم لغة المصالح الموضوعية التعامل بين بلادنا على أسس قويمة مشتركة، فننهض جميعا –شريطة توفير أسباب النهوض الأخرى التي لا مجال للحديث عنها في هذا الموضع- أو أن تحكمنا مصالح سوانا، بل تستمر على التَّحكم بثرواتنا وصناعة قراراتنا، فنتخلّف أو نبقى متخلّفين جميعًا، وهذا رغم الثروات الهائلة ورغم الإمكانات الكبيرة وكذلك رغم التمويه المتواصل الذي لا يصدِّق مقولاته حتى أصحابها أنفسهم، فكأنّهم يصرّون -مهما كان الثمن فادحًا- على البقاء في أعماق البئر السياسي الذي تردّينا فيه بأنفسنا، ولا نخرج منه إلاّ اعتمادًا على أنفسنا
* من الدراسات القيمة عن الثروة النفطية:
-النفط في مطلع القرن الحادي والعشرين: هوشانج أمير أحمدي / 1996م
-النفط العربي خلال المستقبل المنظور: حسين عبد الله /1998
وكلاهما صادر في سلسلة "دراسات استراتيجية " عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في أبو ظبي.
كاتب ومفكر عربي مقيم في ألمانيا
|