English

 

الأحد. يونيو. 11, 2000

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عالمية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

"الطريق الثالث".. قناع جديد للرأسمالية

نبيل شبيب

اختتمت "قمة الإصلاحيين" - التي جمعت 14 دولة -أعمالها ببرلين في الرابع من يونيو 2000.

عند الاطلاع على نص البيان الختامي الصادر عن "القمة" يتبادر إلى الأذهان للوهلة الأولى، أنه صدر عن مجموعة من المفكرين القلقين على البشرية ومستقبلها في ظل ما رافق العولمة وسواها من الظواهر المعاصرة، من مظالم تتمثل في الدرجة الأولى في هُوَّة الفقر والثراء، والتخلف والتقدم، بين شمال وجنوب الكرة الأرضية، وداخل نطاق فئات المجتمع الواحد في البلدان الثرية نفسها. ولكن قمة الإصلاحيين لم تكن ندوة فكرية ولا كان مَنْ وراءها هيئة من قبيل "نادي روما" التي أطلقت قبل ثلاثين عامًا "صرخة" في واد، عبَّرت فيها عن القلق الشديد على مصير البشرية في ظل تقدم تقني بلا حدود ولا ضوابط، وطالبت بوضع حدود له، ولم تجد آذانًا صاغية.

"الحلف الاجتماعي الدولي" شعار جديد بلا مضمون

قمة الإصلاحيين جمعت الرؤساء ورؤساء الحكومات من 14 دولة، وفي مقدمتها خمس من أصل سبع دول صناعية رئيسية تضمها "المجموعة السباعية"، فحضرت ألمانيا وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا، وتغيَّب رئيس الوزراء البريطاني المَدْعُوُّ للمشاركة في الأصل بسبب اهتمامه بوليده الجديد -كما قيل-، كما كان من المتغيبين رئيس الوزراء الإسرائيلي: إيهود باراك الذي وُجِّهت إليه الدعوة أيضًا، ولم يستطع تلبيتها لغرقه في تداعيات الانسحاب العسكري من جنوب لبنان، كما حضر القمة الرؤساء ورؤساء الحكومات من هولندا والبرتغال والسويد واليونان ونيوزيلاندا، ومن إفريقية الجنوبية، ومن الأرجنتين والبرازيل وتشيلي. القاسم المشترك الأعظم بين الحاضرين أنهم يمثلون "الوسط الاشتراكي" باستثناء كندا التي يحكمها "الليبراليون".

وكان أول طرح لفكرة لقاء من هذا القبيل في واشنطن قبل عامين، ثم حملت على لسان توني بلير وصف "الطريق الثالث" الذي أصبح عنوانًا لورقة عمل وضع صياغتها مع المستشار الألماني شرودر، وأثارت في حينه ضجة إعلامية وسياسية في ألمانيا وفرنسا، ثم اتخذت المبادرة شكلاً تنظيميًّا مبدئيًّا في فلورنسا بإيطاليا في العام الماضي، حيث اتفق على إعطائها أرضية فكرية بمشاركة عدد من الخبراء من خارج النطاق السياسي، على أن تعرض النتائج في برلين في القمة التي دعا إليها شرودر وخصصها بالبلدان المذكورة، فانعقدت يومي 3 و 4 حزيران/ يونيو عام 2000م.

القمة أطلق عليها شرودر وصف "لقاء السياسة الداخلية العالمي"، وأراد بذلك ما جرى الحديث عنه حول تحسين الأداء الحكومي لصالح الفئات الأضعف في المجتمع، وقال: إن الدعوة موجهة لحكومات الوسط اليساري الإصلاحية، فأطلقت عليها وسائل الإعلام وصف "قمة الإصلاحيين"، وقال إن: الهـدف منها "تبادل الخبرات"، وانعكس ذلك في تشكيل ثلاث لجان عمل حملت للإعداد لها تحت عناوين "المجتمع المدني" و"تطوير الدولة" و"الاقتصاد الجديد"، ثم حمل بيانها الختامي عنوان "الحلف الاجتماعي الدولي الجديد" و"الحكم المتطور في القرن الحادي والعشرين"، وقال المستشار الألماني بوصفه المضيف لها: "إن اهتمامنا مُنْصَبٌّ على القيم المشتركة للديمقراطية، والتضامن الاجتماعي، والنضال من أجل حقوق الإنسان، مكافحة كل شكل من أشكال العنصرية واللاسامية".

وكان البيان الختامي حافلاً -كالتصريحات الرسمية- بالحديث عن ضرورة التوازن بين النمو الاقتصادي والتضامن الاجتماعي، وبين العولمة وتكافؤ الفرص، وبين ثورة الاتصالات وتحقيق الرفاهية.

معطيات العولمة والنمو أساس الإصلاح

جميع ذلك لا يعتبر جديدًا على صعيد الحياة الفكرية والثقافية والإعلامية في الغرب، فقد انتشرت المخاوف من جرَّاء تسارع قطار التقدم الاقتصـادي في ظل دعوات العولمة وتحرير التجـارة والتدخل لحساب حقوق الإنسان، وما شابه ذلك، بعد أن خلَّف مِنْ ورائه قطاعات شعبية كبرى داخل الغرب فقدت نسبة كبيرة من الميزات الاجتماعية سابقًا، وعددًا كبيرًا من دول العالم التي تضررت أكثر من سواها ولا تملك القدرة على الخروج من أعباء الديون المتراكمة أو التخلف ونتائجه.

ولكن الجديد هو طرح هذه المخاوف وطرح محاولات الإجابة عليها على أعلى المستويات السياسية، وإن وقع الاختيار على مجموعة من دول العالم دون سواها. ويبدو أن هذا ما لعب دورًا في أن وكالات الأنباء ووسائل الإعلام كانت تركز بصورة ملحوظة على الجوانب الإيجابية وتُعَمِّم الحكم عليها، فتوحي بأن الدول المعنية ستخطو خطوات عملية؛ لتحقيق العدالة الاجتماعية وضبط هيمنة الاقتصاد والمال في الوقت الحاضر على مسيرة العولمة، وتكافح المظاهر السلبية كالبطالة المرتفعة في الغرب والديون الخانقة في الجنوب.

جميع ذلك ورد على ألسنة المشاركين في القمة، ولكن لم يكن بهذه الصيغة المطلقة، وإنما مقترنًا بشروط تحافظ على "الاستمرارية" في مسيرة النظام الرأسمالي الغربي، وأقصى ما يراد هو تلاؤم هذه المسيرة مع معطيات العولمة وثورة الاتصالات، كما سبق وتلاءمت مع الثورة الصناعية ومع المعطيات السياسية وموازين القوى التي أسفرت الحرب العالمية الثانية، وقسمت العالم إلى شرق وغرب وجنوب؛ ولهذا كانت الكلمتان الرئيسيتان الثابتتان في التصريحات التي تشرح المطلوب من البيان الختامي وتضع مضامينه في حدود ملزمة –هما: "اقتصاد السوق" أي النظام الرأسمالي، و"النمو الاقتصادي" أي المعيار المعتمد في التقدم الاقتصادي.

وبتعبير آخر يراد مكافحة الفقر على المستوى الوطني والدولي وفق آليات النظام الرأسمالي، ويراد تحقيق العدالة الاجتماعية مع التزام معايير الرأسمالية، ومحورها النمو الاقتصادي الذي يعكس "النمو المستمر" لطاقة الشركات الصناعية في الدرجة الأولى.

مقدمات  "الطريق الثالث" بدأت بعد الحرب الثانية

وليست هذه هي المرة الأولى التي يُطْرَح فيها عنصر "العدالة الاجتماعية" بصورة تسـتهدف التخفيف من وطأة سـلبيات النهج الرأسمالي؛ فمع قيام المعسكر الشيوعي الشرقي على أنقاض الحرب العالمية الثانية، ارتفع شعار "الرأسمالية الاجتماعية" الأشبه بطريق ثالثة بين الرأسمالية المتشددة، كما وضع نظرياتها آدم سميث، وثبتت أقدامها في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا في الدرجة الأولى، وبين الشيوعية التي قلبت المعادلة رأسًا على عقب، وكان مما يلفت النظر أن عنصر "العدالة الاجتماعية" كان يجد تطبيقاته على نطاق أوسع وأشمل بصورة تتناسب طرديًّا مع اقتراب حدود الدولة الرأسمالية المعنية من حدود المعسكر الشرقي جغرافيًّا، وهذا ما أعطى النظام الاجتماعي في كل من ألمانيا الغربية سابقًا، وفي الدول الاسكندنافية مكانة متقدمة على الدول الغربية الأخرى طوال حقبة الحرب الباردة.

وبالمنظور التاريخي لا يمكن فصل حركة  "التيار الرأسمالي الإصلاحي" الراهنة عن التطورات التي شهدتها البلدان الغربية بعد سقوط المعسكر الشرقي، والتي يمكن إيجاز معالمها الرئيسية في ثلاث نقاط:

النقطة الأولى: هي القفزة التي حققتها الشركات العالمية إلى مستوى شركات عملاقة في إطار عمليات اندماج ضخمة جعلت ميزانية بعض الشركات تزيد على حجم ميزانية عشرات الدول النامية معًا، كما أصبحت هذه الشركات قادرة على الانفلات من الأنظمة والقوانين الوطنية لبلدان المنشأ، فمجرد تحويل مصانعها الإنتاجية إلى بلد آخر، يكفي لنشر البطالة، وبالتالي للضغط على الأجور والضرائب، فإما أن تستجيب الحكومات لرغباتها على حساب الفئات الأضعف في المجتمع، أو أن تسبب خسائر كبرى على صعيد الاقتصاد الوطني.

والنقطة الثانية: تشدد الأحزاب اليمينية الغربية في تطبيق الرأسمالية فيما أطلق عليه وصف العودة إلى الرأسـمالية المتشددة كما وضع آدم سميث أسسها، وساهمت في إلغاء قدر كبير من المنجزات الاجتماعية المتحققة في العقود الماضية أثناء الحرب الباردة، وهذا ما عرف بالنهج الريجاني أمريكيًّا والنهج التاتشري بريطانيًّا.

 والنقطة الثالثة: هي عزوف الناخبين عن هذه الأحزاب اليمينية المتشددة تحت وطأة إرهاقهم اجتماعيًّا وماليًّا، والميل إلى تأييد الأحزاب التي حملت بصورة تقليدية وصف الاشتراكية والديمقراطية الاشتراكية، حتى أصبحت تحكم في غالبية الدول الغربية، ولم تجد إلا "نكسات" محدودة كما كان في النمسا مؤخرًا وفي بعض البلدان الأوروبية الشيوعية سابقًا، ولكن غالبًا لصالح أقصى اليمين وأقصى اليسار، وليس لصالح "اليمين التقليدي" المتشدد.

هذه التطورات بمحاورها الثلاثة اقترنت بظاهرة أخرى تركت آثارها العميقة في ظل التحولات الجارية حاليًا تحت عنوان "العولمة"، فالأحزاب اليسارية التقليدية تحولت قبل انتخابها جزئيًّـا وبعد انتخابها بصورة أوسـع وأظهـر للعيان، باتجاه اليمين الرأسمالي، وهذا ما اتخذ أشكالاً متشابهة، منها النهج الاقتصادي الذي اتبعه الرئيس الأمريكي كلينتون -من الحزب الديمقراطي- في السنوات الثماني الماضية، فأسفر عن تحريك عجلة النمو الاقتصادي، ولكن جنبًا إلى جنب مع ارتفاع حجم الثروة المتركزة في أيدي عدد محدود من أصحاب المال والشركات العملاقة -إلى أضعاف ما كان عليه في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان، الذي اعْتُبِر نهجه من أشد صور التشدد الرأسمالي وأعطي وصف "الرأسمالية الريجانية"، كما أسفرت سياسة كلينتون عن تخفيض نسبة البطالة إلى أدنى مستوياتها، ولكن جنبًا إلى جنب مع ظاهرة انخفاض الأجور، وبالتالي توسيع دائرة الفقر ليشمل أكثر من ربع المجتمع الأمريكي، حيث بات الدخل يكفي بالكاد للحفـاظ على الحيـاة فحسب.

وما يسري على الولايات المتحدة الأمريكية في عهد كلينتون يسري على بريطانيا في عهد بلير، الذي اعتبر تجديده لحزب العمال البريطاني بمثابة إيجاد حزب عمالي جديد، أقرب إلى اليمين منه إلى اليسار بمفاهيم الغرب الرأسمالي، فلم يُغَيِّر شـيئًا - على سبيل المثال - من القضاء على النقابات العمالية الذي بدأ في عهد مارجريت تاتشر من المحافظين، والتي أطلق على سياستها الاقتصادية الرأسمالية المتشددة أيضًا وصف " الرأسمالية التاتشرية"، وتحقق في بريطانيا نمو اقتصادي مماثل للنمو الاقتصادي الأمريكي، بينما أصبحت كلمة العدالة الاجتماعية غائبة عن مناهج حزب العمال.

ويمكن القول: إن حزب الديمقراطيين الاشتراكيين الألماني في عهد جيرهارد شرودر سار على النهج نفسه، فتحول بعد الانتخابات التي أسقطت عهد الرأسمالية المتشددة بزعامة المستشار السابق هلموت كول، وباتت النسبة الأعظم من السياسات المتبعة من جانب حكومة شرودر صورة مشابهة لما كان موضع المعارضة الشديدة من قبل، وهو ما أدى إلى ضمور الجناح اليساري في الحزب وسقوط زعيمه الرئيسي أوسكار لافونتين.

ضبط المضاربات ومراعاة الفقراء وهم يروجه الكبار

إن ما يوصف الآن بمبادرة الإصلاحيين، يمكن اعتباره الرد على المقاومة الشعبية المتصاعدة إزاء هذه التطورات، وهي مقاومة تشمل الأحزاب اليمينية واليسارية على السواء، دون وجود بديل عنها، مما يفسر ارتفاع أسهم أقصى اليمين كما في النمسا وأقصى اليسار كما في شرق ألمانيا، على أنها تعبير عن "الاحتجاج" في الدرجة الأولى، وينطبق ذلك على سلسلة من الأحداث كان أبرزها في الآونة الأخيرة المظاهرات العنيفة التي رافقت اجتماعات منظمة التجارة الدولية في سياتل، وصندوق النقد الدولي والمصرف المالي العالمي في واشنطن.

ولم يقتصر التعبير عن هذه المقاومة المتصاعدة على المستوى الشعبي ومستوى منظمات غير حكومية، بل امتدت إلى نسبة عالية من المعارضة الشديدة على مستوى المفكرين والمثقفين الناقدين لسلبيات العولمة، وما يتفرع عنها في ظل الرأسمالية المهيمنة، كتلك السلسلة من المقالات لعدد من كبار المفكرين التي نشرتها جريدة " دي تسايت" الأسبوعية الكبرى في ألمانيا تحت عنوان "مستقبل الرأسمالية"، وعَبَّر عن مواقف مماثلة عدد من كبار المسؤولين في أجهزة عالمية، من مستوى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.. بل ووصلت أصوات التحذير إلى مستوى الرأسمالي المضارب في الأسواق المالية العالمية: جورج زوروس مع أنه وأمثاله من أركان العولمة المالية الراهنة.

لا ريب أن هذه الموجة من الانتقادات هي التي أثارت المسؤولين السياسيين في البلدان الصناعية، ودفعت أصحاب الاتجاه  اليساري -بالمفهوم الضيق للكلمة في ظل الرأسمالية- إلى التحرك فيما يعرف الآن بمبادرة الإصلاحيين. ومن السابق لأوانه التقرير بمدى جدية ما يطرح نظريًّا في شكل بيان ختامي أو دراسة للخبراء أو تصريحات مطمئنة، ولكن المعطيات الأولية لا تُرجِّح حمل ذلك على محمل التفاؤل. وعلى سبيل المثال كان مما تتضمنه البيان الختامي لقمّة برلين: ضرورة ضبط تيار المضاربات المالية العالمية كتلك التي أدت إلى أزمة جنوب شرق آسيا، ولكن الدول الرئيسية المشاركة في قمة برلين، هي ذاتها الدول التي عارضت "ضبط المضاربات"  بشدة قبل عام واحد، عندما صدر الاقتراح عن لافونتين، وزير المالية الألماني السابق، وكان من المعارضين المستشار الألماني شرودر نفسه، وتكررت المعارضة في مناسبات أخرى كلقاءات القمة الغربية مع دول جنوب شرق آسيا.

كذلك فمما لا يستدعي التفاؤل أن الحديث عن مراعاة الدول النامية والفقيرة عن طريق صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، يقابله على أرض الواقع التطبيقي الخلاف الشديد الذي نشب حول رئاسة صندوق النقد الدولي قبل أسابيع معدودة، وكان محوره الرئيسي إصرار واشنطن على أن يتولى المنصب من يضمن استمرار سياساته المتشددة كما كانت حتى الآن، ولا يكون معروفًا -كالمرشح الذي رفضته واشنطن- بمواقفه لصالح تخفيف الشروط والقيود المفروضة تجاه الدول النامية، والتي ساهمت في أكثر من خمسين عامًا مضت في نشأة الهوة بين الشمال والجنوب وزيادة عمقها واتساعها وخطورتها.

ولا يتسع المجال لمزيد من الأمثلة، ولكن يبقى كحصيلة، أن ما يوصف بمبادرة "الطريق الثالث" يمكن أن يأخذ مكانه بين رأسمالية متشددة ورأسمالية أقل تشددًا، ولكن من العسير قبل ظهور انعكاسات تطبيقية للنوايا الحسنة المعلنة في بيان قمة برلين -القول بأنه طريق اقتصادية ثالثة بالفعل، تأخذ في مجرى التطورات التاريخية الجارية مكانها بين رأسمالية تخنق العدالة الاجتماعية على المستويات الوطنية والدولية خنقًا، ومنهج اقتصادي جديد يعيد لكرامة الإنسان وحقوقه الأصيلة الاعتبار، كما تقضي بذلك النصوص المعنية بحقوق الإنسان والجماعات البشرية والفئات الوطنية وحقوق مختلف بلدان العالم.


  كاتب ومفكر عربي مقيم في ألمانيا

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم