English

 

الأحد. مارس. 19, 2000

نماء » قضايا اقتصادية » مصر والسودان

 

سينسبري مصر غزو تجاري في ثوب العولمة!!

وسام فؤاد

تكسرت كل نوافذ وأبواب عالم التجارة الداخلية في مصر مؤخرًا بعد أن انفجرت قنبلة سينسبري فجأة ودون سابق إنذار؛ باعتبارها بداية لعبة الاحتكار الأجنبي للسوق المصري.. وجاءت تلك القنبلة بمثابة جرس إنذار شديد اللهجة لإيقاظ عالم التجارة الداخلية هناك بعد أن ظل يغط في ثبات عميق في أساليب التسويق التقليدية، واستغلاله الحماية الجمركية لتحقيق مكاسب تجاوزت أحيانًا 50% من سعر السلعة.

ورغم ما يبدو في الظاهر من أن القضية لا تعدو كونها قضية محلية إلا أن النظرة المتفحصة لها تكشف أبعادها العالمية الخافية في ظل عولمة التجارة وتأثيراتها الخطيرة على الاقتصاديات الوطنية في الدول النامية، ومن ثم فهي قضية جديرة بالرصد والتحليل والاهتمام.

سينسبري التاريخ والإمكانات

سينسبري شركة بريطانية نشاطها الأساسي التجارة والتوزيع والتسويق. وقد أُنشئت عام 1869، كشركة تمثل متجراً تخصص في بيع الألبان ومنتجاتها. وقد تطورت بعد ذلك لتصبح أكبر شركة للسوبر ماركت في بريطانيا. ولم يقف تطورها عند هذا الحد، بل قامت بتدويل نشاطها بدءاً من عام 1975 بالدخول إلى السوق الفرنسي، الذي سيطرت على 75% منه في سنوات قلائل، واجتاحت بعد ذلك دول أوروبا.

ولسينسبري قرابة الـ 1000 فرع على مستوى العالم، يعمل بها حوالي 170 ألف عامل، وتخدم قرابة 12 مليون عميل أسبوعياً.

وتعد شركة سينسبري من أكبر شركات السوبر ماركت العالمية. وهي في ذلك تنافس مجموعات كبرى تعمل في نفس المجال هي: مترو، وجانيتس، وكارفور، وسيفوي. وهذه الشركات هي نموذج لشركات "السوبر ماركت"، التي تطور اسمها في الدراسات الاقتصادية إلى "هايبر ماركت"، وهي تسيطر على 75% من مجمل السوق في أوروبا والولايات المتحدة.

وسينسبري بدأت تدخل السوق المصرية وتدرسه منذ مارس 1999. وقد ترددت قبل الدخول لفترة قاربت العام، بسبب قرب العهد بحادثة معبد الدير البحري في 1998، إلا أنها قررت الدخول إلى السوق المصرية، وقد دخلت من خلال مشاركة رجلي الأعمال هشام وعمرو النشرتي، وهما مالكا شركة "إيدج" للتوزيع والتجارة، ودخلت إلى السوق المصري عبر شراء 80% من أسهم شركة إيدج. واستثمرت في مصر قرابة نصف مليار جنيه. وبلغت خسائرها بسبب سياستها العمدية الإغراقية في الأشهر الأربعة الأخيرة 50 مليون جنيه منها 22 مليون جنيه خسائر في الشهر الأول.

فلسفة التجارة في سينسبري

وتقوم فلسفة النشاط التجاري لسينسبري التي هي في حقيقة الأمر فلسفة مؤسسات الأعمال في ظل العولمة وتحرير التجارة، على ثلاثة أركان:

الركن الأول: يتمثل في استثمار التناقض بين المنتجين والمستهلكين، وبما يوافق سعي المستهلكين للحصول على السلع بأرخص الأسعار، وسعي المنتجين لتحقيق زيادة في هامش الربح.

الركن الثاني: يتمثل في السيطرة على أهم احتياجين لأي بيت، وهما منتجات الألبان ومنتجات التنظيف، ومن هنا كان سعيهم لاحتكار جُلّ خطوط إنتاج كل من إنجوي وجهينة على صعيد منتجات الألبان، وبرسيل وبروكتور آند جاميل على صعيد أدوات النظافة، وهكذا تتمكن الشركة من استيعاب ما لا يقل عن 40% من احتياجات العملاء.

الركن الثالث: يتمثل في كسب المزيد من العملاء من خلال خفض أسعار هذه السلع إلى حد يصل بها إلى ممارسة سياسة الإغراق، وهي في ذلك كشركة عالمية على استعداد لتحمل مثل هذه الخسائر، وهي مستعدة في هذا الإطار لخسارة في أول عام تصل إلى 500 مليون جنيه. وهي طبعاً تخطط لتعويض تلك الخسارة، وفي هذا الإطار تعتمد على نجاح سائر فروعها العالمية. وتعويض هذه الخسائر بعد سيطرتها على خطوط الإنتاج، وسحق المؤسسات المنافسة، سواء الصغيرة أم المتوسطة. ولا شك أن لممارسات سينسبري دلالات اقتصادية وثقافية وسياسية يمكن تناولها على النحو التالي:

سينسبري اقتصاديًا

في هذا الإطار نود أن نتحدث عن شيئين؛ أولهما سينسبري كجزء من العولمة الاقتصادية، وثانيهما سينسبري في مصر.

أما عن سينسبري كجزء من عملية العولمة، ففيها نتحدث عن محورين أولهما: عن حالة الهايبرماركت Hyper Market وكلمة هايبر Hyper في اللغة الإنجليزية معناها: مفرط أو بإفراط، أو متجاوز: حيث قد تستخدم كلمة Hyper physic بنفس معنى استخدام Metaphysic أي متجاوز للطبيعة المادية. وكلمة "هايبر ماركت" استخدمت لنصف الجيل الثالث من شركات التوزيع والتجارة. فالجيل الأول هو الجيل التقليدي المتمثل في المحال التجارية البسيطة. والجيل الثاني: يتمثل في اتساع هذه المحال والمتاجر بصورة كبيرة على المستوى المحلي دون تجاوزه إلى المستوى العالمي، وهي المرحلة التي عرفت باسم Super Market غير أنه منذ الثمانينيات بدأت دراسات الاستثمار ومتعدد الجنسية تعرف مصطلح "هايبر ماركت" وهو مصطلح يعبر عن حال نمو المتاجر وتضخم رؤوس أموالها إلى حد دفعها لاستيعاب السوق المحلية وتجاوزها إلى السوق الدولي. وهذا يرتبط بالعولمة من حيث كون أحد أبعاد تلك الأخيرة على الصعيد الاقتصادي يتمثل في عولمة رأس المال، أو تحرير رأس المال، من قيود الدولة القومية وضوابطها.

ويتحدث عنها المنظرون باعتبارها عولمة لثلاثة عناصر، هي: عولمة المستهلك، وعولمة التاجر، وعولمة المنافسة. ويدخل ما تحدثنا عنه من عولمة رأس المال في إطار الحديث هنا عن عولمة التاجر، حيث إن حرية التجارة تختلف عن عولمة التاجر، فالأولى تعني إزالة القيود أمام انتقال السلع، أما عولمة التاجر فتعني إزالة القيود أمام انتقال مؤسسات التجارة نفسها، كما أن مصدر التفرقة الآخر يتمثل في أن التجارة تعي نشاطًا داخليًا في آن، بينما التاجر يرتبط بالمستهلك التاجر، كما أن المنافسة المقصودة في عولمة المنافسة التاجر المحلي لتاجر عبر قومي موجود في الخارج والداخل في آن، وهذا من قوالب العولمة، وأما عولمة المستهلك فلا تعني سوى تعامل المستهلك مع موزع عالمي بما لهذه العلاقة من دلالة استفادة المستهلك من القدرة التنافسية للتاجر العالمي.

وأما الشق الثاني من سينسبري كجزء من العولمة فهو يعبر عن حالة خاصة من حالات المنافسة التي فيها يواجه رأس المال المحلي برأس المال العالمي، وتكون المواجهة غير عادلة حين لا توجد أرضية قانونية تحمي رأس المال المحلي من الاحتكار والإغراق. والمشكلة في حالة مصر أن هذه الأرضية القانونية غير متوافرة حالياً، وحتى تتوافر في الأمد المنظور ستكون شركة سينسبري قد تمكنت من ربط مجموعة من خطوط الإنتاج بها، وهذه قد تتأثر سلباً إن غادرت السوق. والحل أن يصدر هذا القانون سريعاً، حتى يحفظ سياسات هذه الشركة في حدها الأدنى من خفض الأسعار، ويمنع الإغراق.

وأما البعد الثاني من أبعاد الحديث عن سينسبري على الصعيد الاقتصادي فيتمثل في أوضاع سينسبري في مصر. وقد دخلت سينسبري إلى مصر بالمشاركة مع شركة إيدج للتوزيع والتجارة، حيث اشترت 80% من أسهمها. وقد كان ما يميز شركة إيدج في ما دعا سينسبري للمشاركة فيها أن الأولى كانت قد ارتبطت من قبل مع وزارة التموين بعقد مشروع تطوير المجمعات الاستهلاكية. ولهذا ارتبط اسم شركة سينسبري بإشاعات عن عزمها شراء بعض شركات التجارة الداخلية والجمعيات الاستهلاكية المملوكة لقطاع الأعمال العام والمعروضة للبيع حالياً، وأن هذا هو سر هدوء الحكومة في التعامل مع شكاوى التجار من سياستها، وتباطؤها في إيجاد حلول. كما قامت سينسبري بشراء مجموعة ABC للسوبر ماركت، والتي تنتشر في الأحياء التي تسكنها الطبقة العليا، والشريحة العليا من الطبقة الوسطى كمصر الجديدة والزمالك والمهندسين.

ومن أهم ملامح عمل مؤسسة سينسبري في مصر أنها في علاقاتها بالموردين لا تحصل على السلعة من باب المصانع كما يفعل غيرها من المتاجر، بل تعمل على شراء خطوط إنتاج بكاملها من خلال تعاقدات مع المنتجين، وحتى تاريخ كتابة هذه السطور وقعت سينسبري مع كل من شركتي بروكتورآند جامبل وأنجوي، في حين رفضت شركات أخرى التوقيع معها مثل شركتي برسيل وجهينة. والشركات الأربع من شركات منتجات الألبان أو المنظفات الصناعية تمثل محل التركيز الأول عند شركة سينسبري.

كما تعمل شركة سينسبري وفق إطار سياسة إغراقية تسمى سياسة "حرق الأسعار"، حيث هبطت سينسبري بأسعار منتجات الألبان إلى النصف تقريباً، حيث تشير تقارير مجلة الأهرام الاقتصادي إلى أن سينسبري تعاقدت على الحصول على منتجات الألبان من شركة "إنجوي" بسعر 180 قرش بدلاً من 275، بينما سعر التكلفة الحقيقي 250 قرشاً، كما حصلت من شركة بروكتورآند مجامبل على المنظفات الصناعية بأسعار تقل عن أسعار البيع المنافسة بحوالي 30% مع إغراء الشركتين بالدفع النقدي. ولا تميل وجهة النظر المدققة لتصديق هذه الأقوال، فلماذا تتحمل الشركات تكلفة تفوق تكلفة البيع، حتى ولو كانت الشركة المنتجة هي شركة تابعة لسينسبري نفسها. كما أن خطاب التوضيح الذي أرسلته شركة بروكتور آند جامبل تشير إلى أن شركة سينسبري قد تساوت في عروض البيع مع غيرها من الموزعين، بل إنها حصلت على سعر أعلى لأنها طلبت الشراء بتمويل آجل لمدة 14 يومًا. وعلى الرغم من عدم ميلنا لتصديق إداريي شركة بروكتور آندمامبل، أو حتى المستندات التي أرفقوها، لأنها مستندات ورقية يمكن التلاعب فيها بالتضامن، إلا أننا نشير بالاطمئنان إلى أن سينسبري اشترت بأسعار أقل من غيرها، ولكن ليست أسعار إغراق، بل أسعار قليلة بصورة طفيفة لضخامة كم التعاقد. أما فارق السعر أمام المستهلك فتتحمل هي وحدها آثاره طالما كانت شركة مستقلة. وقد تجلى هذه الاحتمال فيما ذكره تقرير الأهرام الاقتصادي نفسه من أنها خسرت في أول شهر 22 مليون جنيه، وأنها مستعدة لتحمل خسارة تصل إلى نصف مليار جنيه خلال العام الأول، حتى تكتسب زبائن غيرها من المنافسين. وتشير التقارير إلى أن سينسبري لن تكتفي بحرق أسعار منتجات الألبان والمنظفات الصناعية، بل لديها قائمة تضم 70 سلعة تسعى لحرق أسعارها.

وقد ترتب على سياسة سينسبري، ما ورد في تقرير الأهرام الاقتصادي وصحيفة الأهالي الناقلة عنها- أن أغلقت 25 من المتاجر أبوابها فعلاً تمهيداً للبيع أو تغيير النشاط بعد إشهار الإفلاس، وأن من المتوقع أن يغلق 1500 متجر أبوابه في نفس المناطق التي افتتحت فيها سينسبري فروعها، كما أن من المتوقع خلال السنوات الثلاث القادمة إغلاق 10 آلاف متجر. كما ذكر تقرير الأهرام الاقتصادي أن رجل أعمال مصري "محترم" له نشاط في مجال "السوبر ماركت" تقلصت مبيعاته خلال شهر يناير بنسبة 55% بسبب متاجر سينسبري ومترو

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم