English

 

الأحد. يوليو. 16, 2000

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عالمية

 

مجموعة الثمانية: الأيتام على موائد الأغنياء

مغاوري شلبي

تبدأ مجموعة الدول الثمانية الصناعية الكبرى اجتماعاتها السنوية يوم الجمعة 21 يوليو 2000، ولمدة ثلاثة أيام، وتعد المجموعة بمثابة نادٍ للكبار، يضم في عضويته سبع دول هي: ألمانيا ـ الولايات المتحدة الأمريكية ـ كندا ـ  فرنسا ـ بريطانيا ـ إيطاليا ـ اليابان ، وأصبح يضم ثماني دول بعد انضمام روسيا إليه عام 1998، وتعقد القمة سنويًا لبحث أهم القضايا السياسية والاقتصادية التي تهم هذه الدول، وتنظم علاقاتها البينية، وتقيّم العلاقات والمشاكل الاقتصادية الدولية.

وتأتي قمة هذا العام في ظل ثورة عارمة ضد تيار العولمة من قبل الدول النامية، وحتى من المجتمع المدني في الدول الصناعية المتقدمة نفسها؛ وهو ما اضطر قمة الدول الثمانية إلى أن تطرح على جدول أعمالها البحث عن مدخل جديد لمواصلة تحرير التجارة العالمية، بعيدًا عن المصادمة مع الدول النامية، ومحاولة وضع خطوط عريضة لمعالجة أهم مشاكل هذه الدول النامية، وخاصة مشاكل الفقر والمديونية، ونقص وسلامة الغذاء، والإيدز ومشاكل البيئة.

 كما تأتي هذه القمة وسط خلافات بين أعضاء النادي أنفسهم، حول قضايا سياسية واقتصادية؛ مما ترتب عليه طرح بُعد على جدول الأعمال لحل الخلافات القائمة بينها؛ حتى لا تفقد مصداقيتها أمام بقية دول العالم.

تناقض البيان الختامي لوزراء الخارجية

بعد فشل مؤتمر سياتل في تدشين جولة جديدة لتحرير التجارة في عام 1999، وفي ضوء ما صاحب ذلك من مظاهرات حاشدة، وكذلك المظاهرات التي اجتاحت مناطق عديدة من العالم في مناسبات أخرى، وخاصة الاجتماع السنوي للصندوق والبنك الدوليين.. أصبح واضحًا أن العالم ليس سلعة يمكن أن تباع أو تشترى، وأيقنت العديد من الدول أيضًا أن هناك خطورة من إعمال آليات السوق؛ لأنها تطلق يد الجميع –بما فيها الحكومات- لتبيع كل شيء، حتى الصحة والثقافة والماء.

ولأن الدول الصناعية الكبرى تخشى من الاصطدام بهذه القضايا الشائكة.. كان هناك تقديم للسياسة على الاقتصاد في الاجتماعات التحضيرية لاجتماعات مجموعة الثمانية؛ وذلك حتى لا يبدو قادة هذه الدول وكأنهم تجار، يلتقون سنويًّا لإبرام الصفقات الدولية، وتوزيع مناطق ومجالات النفوذ، دون مراعاة أوضاع الفقراء في العالم ، كما أن هذا يجنب الدول الثمانية الالتزام صراحة بأي تعهدات مالية تجاه حل مشاكل الدول النامية بصورة محددة، وهذا الاتجاه يتفق مع ما ذهب إليه بعض المعارضين لعمليات العولمة بشكلها الراهن، والذين يرون أنه لكي تغيّر العالم وتغيّر نظرة الدول النامية إلى العولمة لا بد من إضفاء وجه إنساني على عملية العولمة، وتحرير التجارة، وتقديم السياسة على الاقتصاد.

وفي البيان الختامي لاجتماع وزراء خارجية الدول الثمانية الذي سبق القمة بعدة أيام، أيدت الدول الثمانية جهود السلام في الشرق الأوسط، وحثت جميع الأطراف على سرعة التوصل إلى اتفاق، كذلك تم الاتفاق على وضع قيود لمنع تجارة الأسلحة الخفيفة، ووضع قيود على تجارة الألماس في أفريقيا؛ لأنها تُستخدم في تمويل النزاعات المسلحة.

ورغم أن البيان تطرق إلى حقوق الإنسان في إيران، وشجع على مزيد من الانفتاح الإيراني، إلا أن البيان أغفل حقوق الإنسان في مناطق أخرى من العالم، تُنتهك بأيدي الدول الصناعية نفسها، وفي مقدمتها حقوق الإنسان في الشيشان وفلسطين والعراق؛ وهو ما يعكس استمرار النهج غير الموضوعي الذي تنتهجه الدول الصناعية الكبرى إزاء حقوق الإنسان في الدول النامية.

ديون الدول النامية على أجندة القمة

احتلت المشاكل الاقتصادية للدول النامية مساحة ضيقة على جدول أعمال قمة مجموعة الثمانية -كما جرت العادة خلال القمم السابقة للمجموعة-؛ ففي عامي 1998 و 1999 كانت نفس المشاكل مطروحة على القمة، ولكنها لم تجد حلولاً عادلة لها؛ وهو ما يعني تراكم فشل هذه القمة في حل مثل هذه المشاكل، وأن هناك فرقًا بين ما تقوله وما تفعله الدول الثمانية الصناعية.

وفي عام 1998 بحثت القمة مشكلة الديون المستحقة على الدول الفقيرة، وإمكانية تيسير الإجراءات الكفيلة بخفضها، وقدمت بريطانيا مبادرة في هذا المجال، ولكن القمة لم تسفر عن أي إجراء فعلي لخفض ديون الدول الفقيرة، وعادت القمة مرة أخرى في عام 1999 لتناقش نفس القضية، ولكن في هذه المرة أقرت دول المجموعة اتفاقية لتخفيف أعباء الديون عن كاهل الدول الفقيرة، ووضعت خطة لإلغاء حوالي 70 مليار دولار، تمثل حوالي ثلث ديون العالم الأكثر فقرًا، ولكن في الواقع لم تتعهد هذه الدول صراحة بتمويل هذه الخطة، وتم اقتراح أن يتم تمويلها عن طريق بيع نحو 10 ملايين أوقية من احتياطي الذهب لدى صندوق النقد الدولي، ولكن هذا الاقتراح أثار العديد من التخوفات، وخاصة أن يؤدي بيع هذا الذهب إلى انخفاض أسعار الذهب في الأسواق العالمية؛ مما قد يضر الدول المصدرة للذهب، والتي يقع أغلبها ضمن الدول الأكثر فقرًا، وتم العدول عن هذه الخطة لتخفيض ديون الدول الفقيرة.

ولكن الملاحظ أن أسعار الذهب العالمية قد انخفضت في الأسواق طوال العامين الماضيين؛ مما أضر بالدول الأكثر فقرا المصدرة للذهب، وذلك دون أن تحل مشكلة الديون المستحقة عليها، وبسبب عدم إجماع الدول الصناعية على خطة موحدة لخفض ديون الدول الفقيرة، فُتح الباب أمام المبادرات الفردية من جانب هذه الدول؛ حيث أعلنت فرنسا أنها ستلغي ديون عدد من الدول الأفريقية، تقدر بحوالي 39 مليار فرنك فرنسي في عام 1999 ، كما أعلنت إيطاليا في 18 يوليو 2000 أنها ستلغي حوالي 6.5 مليارات دولار مستحقة لها لدى الدول الأفريقية؛ وهو الأمر الذي فتح الباب لجعل قرار إلغاء الديون قرارًا سياسيًا وليس قرارًا  قائما على حرص الدول الصناعية على المصالح الاقتصادية للدول النامية، وذلك يتضح من خلال الشروط التي تضعها بعض هذه الدول لتخفيض ديون الدول الفقيرة.

وفي قمة مجموعة الثمانية في عام 2000 عادت مشكلة الديون لتُطرح من جديد على المائدة، وتحركت الدول النامية لتوصيل صوتها إلى قادة الدول الثمانية؛ فقد قامت القمة السادسة والثلاثون التي عقدت في لومي خلال يوليو 2000 بتشكيل وفد رباعي برئاسة عبد العزيز بوتفليقة  -الرئيس الجزائري- ليمثل أفريقيا في القمة في اليابان، ويقدم مطالب الدول الأفريقية إلى القمة، إلى جانب ذلك استمع وزراء خارجية الدول الثمانية إلى آراء وزراء خارجية بنجلاديش وتايلاند حول بعض قضايا الدول النامية مثل المديونية وتحرير التجارة، والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل الدول الصناعية المتقدمة في حاجة إلى سماع آراء الدول النامية لتوضيح مشكلة الديون، أو لمعرفة مطالبها التي أصبحت معروفة للجميع، أم أن هذا المسلك يعد من قبيل النواحي الشكلية، وإضفاء طابع ديموقراطي على الحوار حول هذه القضية، التي لا يُتوقع أن يصدر عن القمة إجراء جماعي لإنهائها؟‍.

نقص الغذاء وجشع الكبار

من القضايا التي تهم الدول النامية، والمطروحة على قمة الدول الثمانية الصناعية، قضية نقص وسلامة الغذاء، والقضاء على المجاعات في العالم؛ فمن حق الشعوب أن تحصل على الغذاء الكافي وأن تختار نوعية الزراعة والغذاء الذي تعتمد عليه.

وعلى الرغم من وفرة الإنتاج في العالم إلا أن عدد الفقراء الذين لا مأوى لهم ولا يحصلون على الغذاء الكافي في تزايد مستمر، والمنطق يقول: إن الدول الصناعية الثمانية يمكن أن تتصرف حيال هذه المشكلة بطرق عديدة، تهدف في النهاية إلى مساعدة الدول الفقيرة على زيادة إنتاجها من الغذاء، ومساعدة الدول الفقيرة التي تعتبر مستوردًا صافيًا للغذاء؛ حيث سترتفع أسعار الغذاء في ظل اتفاقية منظمة التجارة العالمية، وإلغاء الدول المتقدمة للدعم المقدم للمزارعين في الدول الصناعية، ولكن الواقع يشير إلى عكس هذا المنطق؛ فالملاحظ أن الدول الصناعية، وخاصة مجموعة الثمانية، تلجأ دائما إلى الزيف والخداع لتبرير سطوة اقتصاديات السوق، وتحل مشكلة نقص الغذاء بالطرق التي تخدم مصالحها، وذلك عن طريق استخدام الهندسة الوراثية والجينات، وهو ما يعكس جشع آليات السوق، والمتاجرة بأقوات وحياة الشعوب؛ ففرنسا مثلا زعمت أنه بسبب حرصها على ألا تظل متأخرة عن الولايات المتحدة الأمريكية، فإنها تأخذ بأساليب الجينات المعدلة لإنتاج الغذاء النباتي والحيواني، وحجة فرنسا في ذلك واضحة، بمعنى أنه مادام ابن العم سام الأكبر قد قام بخوض التجربة دون أن يعبأ بالأضرار التي تلحق بالآخرين، فليس هناك ما يمنع فرنسا من ذلك.

والغريب في الأمر أن لجوء الدول الصناعية إلى هذه الأساليب لزيادة إنتاج الغذاء ينطوي على خطورة، حتى على المواطن في هذه الدول  نفسها، والدليل على ذلك أن مزارعي الولايات المتحدة قاموا برفع دعاوى أمام المحاكم ضد مروجي استخدام الجينات المعدلة وراثيًا في الإنتاج الزراعي، وفي أوروبا تأثر المجتمع الأوروبي قبل غيره بهذه الطريقة لزيادة إنتاج الغذاء؛ حيث أدى أسلوب إنتاج الأرز باستخدام الجينات إلى إفقار المزارعين الأوروبيين المنتجين له، وجعلهم ينضمون إلى كتائب الفقراء الذين يأكلون في المطاعم الأوروبية المجانية.

ومثال آخر في فرنسا؛ حيث كشفت دراسة ميدانية أن 60% من الفرنسيين يرون أن استخدام الجينات المعدلة في إنتاج الفواكه جريمة لا تغتفر؛ لأنها أدت إلى تغيير طعم الفواكه والخضراوات إلى الأسوأ في السنوات العشر الأخيرة، وفي بريطانيا من المعروف أن استخدام البروتين الحيواني المطحون لزيادة إنتاج اللحوم أدى إلى كارثة جنون البقر، وجنون الدواجن الذي دمر الثروة الحيوانية في أوروبا، وكان مصير هذه الحيوانات المريضة التصدير إلى أسواق الدول الفقيرة ليأكلها فقراء العالم.

وفي قمة اليابان للدول الثمانية هناك إدراك لخطورة هذه المشكلة المتعلقة بسلامة الغذاء، ولكن كل دولة من دول المجموعة تسعى إلى حماية المستهلكين لديها، ولكن لا أحد يتحدث عن حماية المستهلك في بقية دول العالم، وخاصة الدول الفقيرة؛ ولذلك فإن قمة الثمانية مطالبة بوضع قواعد ضد هذه الموجة من الأغذية الرديئة التي يلجأ إليها المنتجون في الدول الصناعية؛ من أجل الربح والجشع، وبدعوى المنافسة وآليات السوق، وهي في الحقيقة تضر بالإنسان.

التكنولوجيا وحرية التجارة والمعادلة الصعبة

من القضايا التي تركز عليها قمة مجموعة الثمانية، قضية حرمان الدول النامية من التكنولوجيا، وخاصة تكنولوجيا المعلومات، وكذلك قضية مواصلة تحرير التجارة العالمية، فبالنسبة لقضية التكنولوجيا من المعروف أن هذه الدول الثمانية تحتكر أكثر من 90% من التكنولوجيا العالمية، وتمنع وصولها إلى الدول النامية، وهذا يتنافى مع ضرورات التنمية، ومع حقوق الإنسان؛ باعتبار أن التكنولوجيا أصبحت موردًا من موارد التنمية، ومن حق الدول والشعوب الوصول إليها، ولكن من المستبعد في هذه القمة أو في القمم القادمة أن توافق الدول الثمانية على إتاحة مثل هذا المورد الخطير والحاكم في عملية التنمية للدول الفقيرة، ولديها الكثير من الأسباب التي تبرر هذا الموقف.

كما أنه ليس من المعقول أن تتاح تكنولوجيا صناعية أو علمية للدول النامية؛ لأنها أصبحت من أهم مصادر الدخل للدول الصناعية، كما أن إتاحتها للدول النامية سيفتح باب العديد من المشاكل أمام الدول المتقدمة؛ فعلى سبيل المثال لا يمكن أن تسمح الدول الصناعية الكبرى مثل أمريكا أو بريطانيا بحصول دول نامية على التكنولوجيا، أو الأبحاث التي تثبت أضرار السلع المعدلة وراثيًا؛ وذلك لأن اتفاقية منظمة التجارة العالمية تشترط على الدول أن تثبت أضرار هذه السلع إذا أرادت أن تمنع استيرادها، وهو ما يعني أن حصول الدول النامية على هذه التكنولوجيا سيجعل الدول الصناعية تفقد أسواقها في الدول النامية لهذه النوعيات من السلع، التي انتشر إنتاجها بكثرة في الدول الصناعية، ورغم ذلك فمن المتوقع أن تعمل الدول الصناعية الثمانية على أن يتاح للدول النامية جانب من تكنولوجيا المعلومات، ولكن بالقدر الذي يجعل الدول النامية مؤهلة للدخول معها في عمليات التجارة الإلكترونية، وبما يخدم مصالحها فقط.

صحوة ضد تحرير التجارة

أما بخصوص قضية تحرير التجارة العالمية، فقد اتضح أن هناك صحوة عالمية، وخاصة من الدول النامية لوقف مسيرة التحرير، وفقًا للقواعد التي وضعتها الدول الصناعية الكبرى؛ وذلك لأن العديد من الدول النامية بدأت تعاني من التحرير الأهوج لتجارتها الخارجية؛ فنجد كوريا الشمالية والفلبين اللتين كانتا من أول دول العالم إنتاجا للأرز، ولديهما اكتفاء ذاتي منه، ولكن في ظل قواعد تحرير التجارة اضطرتا إلى استيراد أرز أقل جودة وأرخص سعرًا؛ مما أضر بالسوق الداخلي وبالمزارعين المحليين، وكذلك الهند وباكستان اللتان لديهما شهرة عالمية في إنتاج الملابس والمنسوجات؛ فقد تضررتا من استيراد المنسوجات والألياف الصناعية من الخارج، وهناك العديد من الأمثلة في الدول النامية وهو ما جعل الدول النامية تحشد قواها لوقف تيار تحرير التجارة، وفقًا للقواعد التي وضعتها الدول الصناعية الكبرى؛ ولذلك فإن الدول الصناعية الثمانية مضطرة إلى تعديل المنهج الذي تتبناه في تحرير التجارة العالمية، وأن تقوم هذه القواعد بمراعاة حقوق الدول النامية، وألا تعتمد عملية تحرير التجارة على علاقات القوى الاقتصادية، وأن يتم إطلاع الدول النامية على ما يدور في كواليس منظمة التجارة العالمية؛ حتى لا تكون هذه المنظمة بمثابة "دراكولا" التجارة العالمية الذي لا يتحرك إلا في الظلام، وحتى لا تكون الدول النامية في قمة الثمانية كالأيتام على موائد اللئام.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم