|
يتبين الحجم الحقيقي للكلمات التي توصف عادة بالإعراب عن نوايا حسنة، وتزدان بها البيانات الرسمية للقاءات الدولية مثل قمة أوكيناوا، عند المقارنة المباشرة بين المعلومات والوقائع والأرقام ذات العلاقة بالكلمات المعنية، وهذا ما يمكن متابعته في حصيلة قمة أوكيناوا للدول الصناعية السبع الرئيسية على الصعيد الاقتصادي، من مجموعة الثمانية التي تضم الاتحاد الروسي أيضًا.
-أبعاد الهوة الرقمية الجديدة
-ردم الهوة الرقمية أم ترسيخها
-تأبين قروض ميتة
- الإرهاب الرأسمالي
أبعاد "الهوة الرقمية" الجديدة
صدر ما يسمّى " بيان أوكيناوا " حول مكافحة الهوة التقنية الشبكية -أو الهوة الرقمية (ديجيتال) كما شاعت تسميتها- بين الشمال والجنوب، وجاء فيه أن لتقنية المعلومات أهمية بالغة في التطور الاقتصادي والتنمية الاجتماعية باعتبارها مصدرًا للمعلومات ووسيلة للعلاقات الاقتصادية؛ فلا ينبغي أن تكون الدول النامية خارج إطار هذه التقنية الحديثة، وأكد البيان ضرورة "عدم استثناء أي فرد من الاستفادة من تقنية المعلومات، وكان من التصريحات الرسمية أيضًا: " نريد مواجهة الهوّة الرقمية في الوقت المناسب "
وإذا تحقق بالفعل "عدم استثناء أي بلد .. وأي فرد" من البشرية من خدمات التقنية الحديثة، ينقلب حال العلاقات البشرية انقلابًا جذريًّا ولا ريب، ولكن حتى في حدود النظرة الواقعية والتساؤل عن حدّ أدنى يراد تحقيقه من هذا الهدف أو هذه النية المعلنة عن لقاء قمة على أعلى المستويات الدولية، ومن جانب أقدر دول العالم على تنفيـذ ما تعلنه في الأصل .. حتى في إطار التوقعات المتواضعة، لا بد من القول بعد التحقيق والتمحيص، إن البيان الرسمي لا يعدو أن يكون كلامًا خاليًا من المضمون، أقرب إلى تضليل الرأي العام الذي يزداد قلقًا من مسيرة "العولمة" منه إلى إعراب عن نوايا صادقة، يراد العمل على تنفيذها فعلاً .
والمقصود بالحديث عن الهوة الرقمية ما بدأ رصده من تطوّر جديد متسارع الخطى، يزيد حدّة الخلل القائم في العلاقات الدولية وأوضاع " الأسرة البشرية " بصورة حادة ستفوق حصيلتها -خلال فترة وجيزة- سائر ما سبقها في القرن الميلادي العشرين؛ إذ يمكن للفوارق الجديدة على صعيد استيعاب التقنيات الشبكية الحديثة وتوظيفها، والمتزايدة بسرعة كبيرة تقاس تطوراتها بالسنوات أو الشهور بعد أن كانت سرعة تطورات هوة التقدم والتخلف عمومًا تُقاس بالعقود من السنوات.. يمكن لهذه الفوارق أن تمتد بآثارها إلى سائر الميادين الأخرى، وأن تضاعف حجم الخلل في بقية جوانب الهوة الراهنة للثراء والفقر عمقًا واتساعًا، بأضعاف ما كان من قبل .
هذا عن الهوة الرقمية بين الشمال والجنوب موضع الحديث في بيان أوكيناوا، أمّا الهوة الرقمية المشابهة التي بدأت تنشأ بين فئات المجتمع الواحد داخل البلدان الغربية، فلا يجري التعامل معها بأسلوب البيانات والإعراب عن النوايا، ثم تشكيل لجان لدراسة الوضع، ثم الإهمال .. إنّما تُختزل تلك الخطوات ويبدأ تنفيذ بعض المشاريع والإجراءات العملية المباشرة، للحدّ من تلك الفوارق الاجتماعية الداخلية على الأقل، وتجنب احتمالات أن تؤدّي إلى مضاعفات خطيرة.
والدول الصناعية التي تعرب عن نواياها الحسـنة في قمة أوكيناوا، يعيش فيها 16 في المائة من البشرية، وانتشر فيها حاليا 93 في المائة من الوصلات الشبكية في أنحاء العالم، وأصبح يوجد من هذه الوصلات في مدينة نيويورك مثلا من بين المدن الكبرى في الشمال، ما يزيد على ما يوجد في القارة الأفريقية بمجموعها .. فالدول النامية المقصودة في البيان، والتي يعيش فيها حوالي ثلثي البشرية، تواجه –قبل هذه الظاهرة التي توصف بالأمّية الشبكية- مشكلة أمية القراءة والكتابة والتي تشمل زهاء خمسين في المائة من السكان وسطيًا، كما تواجه –قبل نشر التقنية الشبكية التي توصف بالثورة الصناعية الثالثة أيضا- مشكلة افتقاد المنشآت الأساسية والمعطيات التقنية الضرورية للأخذ بالتقنية الجديدة أصلا، فنسبة انتشار أجهزة الهاتف على سبيل المثال لا تتجاوز حدود جهاز واحد لكل مائة فرد وسـطيًا، أما انتشار خطوط الألياف الزجاجية الضرورية لنقل الكميات الضخمة من المعلومات بالسرعة اللازمة، فيعتبر منعدما في الدول النامية حتى الآن .
وتوضح هذه الأرقام والمعطيات حجم المشكلة التي تقول الدول الصناعية إنّها عازمة على حلّها، فما الذي تنوي صنعه وفق النوايا التي أعلنتها، والتي دفعت إلى اعتبار بيان أوكيناوا عن تقنية المعلومات أهم نتائج مؤتمر القمة ؟. 
ردم الهوة الرقمية أم ترسيخها؟
الجدير بالذكر هنا أنّ الدول الغربية عمومًا تحمل مسؤولية كبيرة عن مكافحة مضاعفة الهوة الجديدة على صعيد التقنية الشبكية، باعتبارها تحمل من الأصل القسط الرئيسي من المسـؤولية عن الخلل الكبير القائم بين الشمال والجنوب، ليس من خلال السياسات الاستغلالية في ميادين التجارة والاستثمارات والقروض وسواها فقط، وإنما بممارستها سياسة الاحتكار التقني على أوسع نطاق أيضًا، وبدرجة لم تعرف عن العلاقات البشرية في ظل حضارات سابقة، وقد أوصل ذلك في هذا الوقت إلى سيطرة الدول الصناعية في الشمال على أكثر من تسعين في المائة من التقنيات الحديثة، رغم كل ما كان يُنشر من نوايا حسنة عبر سنوات عديدة ماضية عن نقل التقنية بمختلف أنواعها المعروفة من قبل الثورة الشبكية إلى الجنوب.
والبلدان التي وصلت إليها التقنية الشبكية من بين البلدان النامية المعنية، إنّما وصلتها في شكل "منتجات استهلاكية" في الدرجة الأولى على غرار ما هو معروف عن ميادين أخرى، وحتى في هذا الإطار لم تصل الوصلة الشبكية أصلا إلى 35 في المائة من تلك البلدان.
وعند البحث عمّا يراد -تبعًا لكلمات بيان أوكيناوا- صنعه لتعويض هذا النقص، لا نجد أي حديث يستحق الذكر عن خطوّات تنفيذية عملية، إلاّ ما ورد خارج نطاق البيان على لسان المسؤولين في البلد المضيف (اليابان)، التي أعلنت عزمها على تخصيص 15 مليار ين(150مليون دولار) في السنوات القادمة، لتغطية دعم مشاريع التأهيل الشبكي في البلدان النامية .
والجدير بالذكر أنّ تثبيت قضية الهوة الرقمية على رأس جدول أعمال قمة أوكيناوا، يعود إلى البلد المضيف، وصلاحيته في تحديد مضمون هذا الجدول، ولليابان مصلحة كبيرة في تنشيط منافسة شركاتها في التقنية الإلكترونية والشبكية بعد النكسة التي أصابتها في فترة الركود الاقتصادي الماضية، ويمكن القول إنّ المبلغ المذكور أقرب إلى استثمار مالي في الاقتصاد الياباني نفسه.
ويتردّد في الدول الغربية ـ باستمرار ـ أن رفع مستوى المعيشة في الجنوب يرفع القوة الشرائية، فيفيد الدول الصناعية عبر حركة التصدير .. ولكن هذا العنصر الذي كان يُوظّف كدافع لتحريك الاستثمارات الخاصة في الدول النامية، فَقَد مفعوله التقليدي لحساب عناصر استغلالية محضة تسمح بها تطوّرات تحرير التجارة الدولية، وحركة رؤوس الأموال عالميًّا في ظل "العولمة الاقتصادية".
بغض النظر عن ذلك يبقى أن رقم 15 مليار ين المذكور تحت عنوان: "دعم ياباني للتأهيل التقني" هو الوحيد في حصيلة قمة أوكيناوا، فلا مجال لاعتماد سواه عند المقارنة مثلا مع حجم الاستثمارات والموازنات المالية الغربية في قطاع التقنية الشبكية عام 1999م، وقد بلغ 5000 مليار دولار .. أو للمقارنة مثلا مع ثروة بيل جيتس مؤسس أكبر شركات برامج الحاسوب في العالم مايكروسوفت، وكان حجمها أكثر من مائة مليار دولار، وهبطت قيمتها بعد هبوط قيمة أسهم الشركة نتيجة إدانتها بانتهاك قوانين المنافسة، فأصبحت تتراوح بين ستين وثمانين مليارًا .
فيما عدا ذلك .. لا نجد في نتائج أوكيناوا ما يشير إلى خطوة عملية، سوى القرار بتشكيل " لجنة عمل " لدراسة تعميم التقنية الشبكية عالميًّا، وهو قرار يفوح برائحة التسويف والمماطلة، وإلاّ فلم يكن عسيرًا على القمة التي أصبحت تضم الألوف من المسؤولين ومساعديهم سنويًّا، أن تعدّ مثل تلك الدراسة قبل انعقادها، إنّما ينطوي حتى هذا التسويف على احتياطات مستقبلية، فالنص واضح على أن المشاريع المحتملة ستكون من اختصاص الأمم المتحدة ومنظمات مالية دولية، أي صندوق النقد الدولي والمصرف المالي العالمي، وكلاهما يُحمّل أكثر من جهات دولية أخرى المسؤولية عن السياسات المالية والاقتصادية التي أوصلت في العقود الماضية إلى هوّة الثراء والفقر بما يتضمن أزمة الديون الخانقة، ولا ينتظر أن يؤدّي قيامهما بمشاريع ما إلى ردم الهوة الرقمية الحديثة فعلا، وإنّما المتوقع هو ترسيخها ومضاعفة خطورة نتائجها. 
تأبين قروض ميتة
القضية الرئيسية الثانية في جدول أعمال الجانب الاقتصادي من قمة أوكيناوا، التي تصلح للمقارنة بين الإعراب عن حسن النوايا، والإجراءات العملية على أرض الواقع هي: قضية إلغاء الديون المتراكمة على الدول الشديدة الفقر في العالم، التي تراكم عليها من القروض الأجنبية وفوائدها الربوية وخدماتها، ما بلغ حجمه 220 مليار دولار تقريبًا، وبات من المستحيل سداده، وهو ما يعادل زهاء عشرة في المائة من مديونية الدول النامية عمومًا .
وما جرى الحديث عنه في أوكيناوا يسـتأنف ما سـبق تقريره في قمة كولونيـا عام 1999 م، وتضمّن العزم على إلغاء قروض بقيمة 70 مليار دولار على الدول الفقيرة، وتمّ تطبيق هذا القرار حتى الآن مع تسع دول منها.
وترى نتائج قيمة أوكيناوا الآن " توسيع نطاق عملية إلغاء الديون لتشمل 20 دولة أفقر من سواها ".. فالكلام يدور حول توسيع نطاق عملية بدأت، والمقصود هنا هو متابعتها في إطارها القائم من قبل وليس توسيع حجمها ولا إضافة خطوات جديدة عليها كما قد يتبادر إلى الأذهان، كذلك فلا يصحّ تمامًا تعبير " إلغاء مستحقات " في حدود فهمه اللغوي بمعنى الإلغاء دون مقابل، إنّما يتخذ الثمن شكل شروط اقتصادية ومالية وتشريعية قانونية في الدول الفقيرة المعنية، قد تكون على المدى البعيد أشدّ وطأة من أعباء الديون الراهنة نفسها .
وقبل النظر في ذلك يمكننا ـ من حيث الأرقام ـ الإشارة إلى أن الجزء المتراكم من القروض على الاتحاد الروسي تجاه الدول الغربية حاليًا، والذي ورثه عن الاتحاد السوفييتي، يزيد على سبعين مليار دولار، وقد كان من النتائج الجانبية لقمة أوكيناوا الموافقة على جدولة ما استُحق من تلك القروض في العام الماضي والحالي ولم تسدده موسكو -وعلى وجه التخصيص لصالح ألمانيا- بحجم ثمانية مليارات من أصل 41 مليار دولار .
ولعلّ الأهم من المقارنة بين الأرقام، النظر في المضمون الفعلي للكلام الوارد في البيان بالنسبة إلى الدول الفقيرة؛ فكما هو معروف لا يشمل " إلغاء الديون " سائر المستحقات، ولا يشمل سائر الدول الفقيرة، بل يقتصر الوعد المعلن في القمة الماضية ولم يتبدل في أوكيناوا، على تلك المستحقات التي بات من المستحيل سدادها، فقد وصلت الدول المدينة المعنية حد الإفلاس واقعيًّا، أي أن المبلغ المذكور لن يصل إلى الدول الدائنة سواء قررت إلغاءه أم لم تقرر، فهو بحكم القروض الميتة، وهو التعبير المستخدم في الدول الرأسمالية الغربية لوصف قروض تسقطها الأحكام القضائية عادة عن الشركات، إذا ما وصلت أوضاعها المالية إلى درجة الإفلاس.
واستطرادًا في هذه المقارنة تحسن الإشارة إلى أنّه إذا كان لأصحاب العلاقة من الشركة المفلسة، المسؤولين عن إفلاسها، دخل مالي ما، يُوِجب القضاء عدم المساس بحدٍّ أدنى؛ لتغطية النفقات المعيشية لهم.
ولكن رغم الضجة الإعلامية الكبيرة لتوظيف " إلغاء الديون " كقرار تاريخي في العلاقات بين الشمال والجنوب، فإنه لا ينطوي في تنفيذه حتى على تلك الصورة المذكورة بشأن التعامل مع الشركات المفلسة، الذي لا يوجد فيه ما يشابه الشروط المقررة في الاتفاقات مع الدول الفقيرة التسع حتى الآن، والأهم من ذلك أنّ إلغاء المستحقات بحجم 70 مليار دولار، عندما يشمل التنفيذ بقية الدول الفقيرة، لا يعني –نظرًا إلى حالة الإفلاس واستحالة السداد- تمكين تلك الدول من " تحرير طاقات مالية " محلية يمكن توظيفها لصالح مشاريع اقتصادية واجتماعية وطنية؛ وبالتالي لن يؤدّي الإجراء الدولي إلى تحسين أوضاعها المنهارة، وهذا ما يظهر من مثال الدول التسـع التي تم الاتفاق معها، ولم تكن الأفقر أو الأشدّ مديونية من سواها، فكأن المقصود اختيار بلدان لا يزال فيها " بقية رمق مالي واقتصادي " إذا صحّ التعبير، فلم تحصل على وعد بإلغاء المستحقات إلا بعد تثبيت سلسلة من الإجراءات المستقبلية المقررة عن طريق صندوق النقد الدولي والمصرف المالي العالمي، وهي إجراءات لا تختلف في جوهرها عن الشروط التقليدية المعروفة من جانب المؤسستين الماليتين، فيصعب القول إنها ستوصل إلى غير ما أوصلت إليه سياساتهما السابقة، بل يشير شرط إلغاء الحواجز التجارية والجمركية مثلا وشرط فتح الأبواب أمام الاستثمارات الأجنبية مثلا إلى أنّ الحصيلة أقرب ما تكون إلى صفقة بيع الطاقات الوطنية الباقية، فيما يشبه " المزاد العلني " المعتاد عند إفلاس الشركات وعجزها عن تسديد مستحقات الدائنين . 
الإرهاب الرأسمالي
إذا تجاوزنا القضايا الرئيسية الملحّة، وتجاوزنا القضايا ذات العلاقة بالتقنية الشبكية وبأزمة الديون، فلا يمكن القول: إنّ قمة أوكيناوا أتت بجديد، إنّما تكررت التعهدات المعتادة بشأن مكافحة المخدرات، والعصابات الإجرامية المنظمة، والإرهاب الدولي، وما شابه ذلك من النقاط التي باتت تقليدية في البيانات الختامية لمثل هذا اللقاء، ولعلّ النقطة الرئيسية الجديدة هي تأكيد الرغبة في وضع التقدم المتحقق في ميدان الهندسة الوراثية في خدمة تطوّر أوضاع الأسرة البشرية، ولا يزال من المبكر القول بما يمكن أن يترتب على ذلك على أرض الواقع، وهل يتخذ شكلا جديدًا أم مشابهًا للتعامل مع التقنيات الإلكترونية والشبكية التي غدت تعاملا احتكاريًّا نسبيًّا.
وكان من الملاحظ على القمة التي توصف أيضًا بالقمة الاقتصادية العالمية، أنّها لم تطرح في أوكيناوا العلاقات بين الدول الصناعية نفسها بالكثافة المعتادة في قمم سابقة، ولا يعود ذلك على ما يبدو إلى أنّ الأوضاع الاقتصادية العالمية استقرت نسبيًّا بعد زوال حدّة الأزمات المالية الرئيسية في جنوب شرق آسيا وفي الاتحاد الروسي، كما خرجت اليابان من أزمتها الاقتصادية نسبيًّا، وبدأت تستقر حركة الازدهار الاقتصادي في غرب أوروبا .. إنّما قد يكون وراء غياب " مواقف اقتصادية " لافتة للنظر في القمة، ما تردّد عن فتور العلاقات بين واشنطون وطوكيو؛ لأسباب عديدة أوسع نطاقًا من تنامي المعارضة الشعبية للوجود العسكري الأمريكي في اليابان، لا سيما في جزيرة أوكيناوا بالذات، وسلوك الجنود الأمريكيين بعد حوادث اغتصاب فتيات يابانيات ناشئات.
فمن أسباب الفتور بين الجانبين اختلاف وجهات النظر فيما يتعلق بقضايا البلدان النامية، وطوكيو أحرص نسبيًّا على دعم الأوضاع الاقتصادية في البلدان النامية بما يكفي لرفع القوة الشرائية فيها كأسواق استهلاكية للمصنوعات اليابانية نفسها، وانعكس ذلك في جدول الأعمال الذي قررته الحكومة اليابانية، فبرزت فيه القضايا ذات العلاقة بالعولمة والدول النامية، بغض النظر عن نتائج القمة لاحقًا، ويبدو أن هذا ضاعف فتور العلاقات مع واشنطون، بينما رافقت أيام القمة حملة إعلامية يابانية مضادّة للتوجهات الأمريكية، وبما يتضمّن اتهام واشنطون بالعمل عن قصد للحيلولة دون تحقيق نجاح كبير لقمة أوكيناوا .
والواقع أن جدول الأعمال لا ينسجم مع ما يمارسه الأمريكيون من سياسات متشدّدة تجاه البلدان النامية، إلى درجة "عدوانية "، كما ينعكس في صندوق النقد الدولي والمصرف المالي العالمي، وتحت عنوان: " تحرير التجارة "، وعولمة حركة الاستثمارات، وبلغت هذه السياسات التي يمليها أصحاب المال والأعمال ـ واقعيًّا ـ مبلغًا يثير المعارضة في الأوساط الفكرية الغربية نفسها، بما في ذلك المفكرون الأمريكيون، من الجناحين اليميني واليساري للفكر الرأسمالي، وهم يحذرون من أن الرأسمالية الغربية تقضي على نفسها بنفسها، وفق تعبير مفكرين فرنسيين مثل: آندريه جورتس، وبيير بورديو، وأمريكيين مثل: بيتر دروكّر وجون كينيث جالبيرت وغيرهم، فضلا عن الانتقادات الشديدة التي بدأت تنتشر على نطاق واسع تجاه " الرأسمالية المطلقة " أو " المتشدّدة "، ممّا يوجب تصحيح المسيرة الراهنة على حساب الأضعف والأفقر باستمرار، كما يقول مايكل وولتشر الأمريكي وتشارلس هاندي البريطاني، ويحذر كثير منهم من مخاطر " العولمة الاقتصادية " على النحو الراهن، كما هو معروف عما يسمّى مجموعة لشبونة، وعلى رأسهم أستاذ العلوم الاقتصادية الإيطالي: ريكاردو بيتريّلا، ومجموعة المكسيك التي أصدرت بهذا الصدد بيانًا عام 1995 م وصفت فيه ظاهرة العولمة بأنّها " جيش جديد من رؤوس الأموال والحكومات الفاسدة، يتقدّم للسيطرة عبر التدمير، فإعادة توزيع الثروات كما يجري الآن، يمكن أن تقضي على البشرية ".. وهذا سلوك تطلق عليه الكاتبة الفرنسية المتخصصة في علوم الاجتماع: فيفيان فورستر وصف "الإرهاب الاقتصادي" كما يقول عنوان كتاب من تأليفها.
كاتب ومفكر عربي مقيم في ألمانيا
|