|
"ندين التدخل في شئوننا الداخلية ونرفضه، نحن أصحاب كرامة ودولة ذات سيادة، نتخذ القرارات المناسبة وفق مصالحنا"، صدرت هذه الكلمات عن الرئيس الفنزويلي "هوجو شافيز، ردًّا على قول الناطق باسم الخارجية الأمريكية "ريتشارد بوشـر" عن زيارة شافيز للعراق: "لا يشرِّف أوّل رئيس منتخب ديمقراطيًّا في فنزويلا أن يزور الديكتاتور العراقي"، وقد أضاف شافيز بهذا الموقف بعد زيارته للعراق بُعْدًا سياسيًّا جديدًا على الساحة الاقتصادية النفطية يستحق الوقوف عنده، بغض النظر عن علاقته بالعراق على وجه التخصيص، فقضية التعامل مع العراق بحد ذاتها تحتاج إلى حديث مفصل، يشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والإنسانية والأمنية معًا، كما يشمل المصالح المشتركة وغير المشتركة لأهل المنطقة وبلدانها، إنما يكفي في هذا الموضع التنويه بأهمية الموقف المذكور ودلالاته في إطار الحديث عن الارتباط الوثيق بين الجانبين السياسي والاقتصادي في الساحة النفطية.
اقرأ في الموضوع:
1- سلاح مقبول لأمريكا.. مرفوض للعرب!!
2- بدهيات اقتصادية مغيّبة.. وسياسات ضاغطة
3- المصالح الذاتية وأكذوبة خطر الأسعار المرتفعة
4- 70% من عائدات النفط تنفق على الواردات
5- تمويل "الخصم الاقتصادي" وكنز الضرائب الغربية
6- هل تستطيع الدول النفطية المعاملة بالمثل؟!
1 - سلاح مقبول لأمريكا.. مرفوض للعرب!!
ومن عايش فترة ما سمّي "ثورة أسعار النفط" في السبعينيات الميلادية، رصد - ولا ريب - وجود قاسم مشترك بين النسبة الكبرى من الحملات السياسية والإعلامية ضدّ الدول النفطية العربية، بل وفي عدد كبير من "الكتب" التجارية التي عزّزت مفعول تلك الحملات على مستوى الفرد العادي في شارع الرأي العام الغربي، ويتلخّص ذلك القاسم المشترك في أنّه لا ينبغي للدول النفطية استخدام النفط، وهو سلعة تجارية اقتصادية، لأغراض سياسية، باعتبار أنّ ذلك خرق لقواعد التعامل الدولي، ومن البداية كانت هذه المقولة كاذبة – وليست خاطئة فقط - نظريًّا وتطبيقيًّا، فلم تكن الدول النفطية العربية أوّل من وظّف الموارد الاقتصادية، ولا كانت آخر من صنع ذلك، مع فارق رئيسي بالمقارنة مع ما يصنعه الأمريكيون في مقاطعاتهم الاقتصادية والتجارية كمثال، فقد جاءت الخطوة العربية – واقعيًّا - لتحقيق هدف اقتصادي مشروع وليس لتحقيق هدف سياسي مشروع فقط، فرغم تشكيل منظمة البلدان المصدرة للنفط عام 1960م لم ترتفع أسعاره ارتفاعًا يستحق الذكر ويوازي ما يحققه من أرباح للشركات ورفاهية للغرب، فإذا قفزنا من السبعينيات الميلادية إلى مطلع القرن الميلادي الحادي والعشرين وجدنا "استيراد النفط" قد تحوّل إلى سلاح سياسي تستخدمه الدول المستوردة، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية ضدّ الشعوب التي تملكه والدول التي تنتجه وتصدّره.. ولم يَعُد في الإمكان تفسير لعبة الأسعار والإنتاج في الأسواق العالمية في الوقت الحاضر، دون الرجوع إلى هذه المعادلة المقلوبة، وبالتالي إلى العوامل السياسية المحضة التي تؤثّر في تلك اللعبة وتوصل إلى نتائج يستحيل تفسيرها بالعودة إلى العوامل الاقتصادية وحدها، بل إن الدراسة الموضوعية بالمنظور الاقتصادي توصل صاحبها إلى "معضلة" إذا حاول استبعاد العنصر السياسي وتأثيره على حقيقة ما تشهده الأسواق النفطية تحت عناوين العرض والطلب وأسعار الإنتاج وأسعار الاستهلاك، وقرارات المنظمة ومواقف المستهلكين.
لقد دخل خلل كبير بمفعول سياسي محض على مجرى صناعة القرار الاقتصادي في المنظمة، ولهذا الخلل جوانب عديدة، منها ذلك الجانب الذي كشفت عنه زيارة هوجو شافيز إلى العراق، فهو يعيد إلى الأذهان قاعدة سياسية ثابتة تقضي بمعاملة أي دولة عضو في منظمة دولية كمعاملة سواها مهما كانت الخلافات بين الأعضاء، وهذا ما تمارسه سائر الدول الغربية فيما بينها، فلا تتعطل مؤتمرات قمتها ولا مؤتمراتها الوزارية ولا علاقاتها الاقتصادية ومعاملاتها التجارية، ولم يصنع شافيز سوى تطبيق هذه القاعدة فلم يستثنِ العراق من جولته على الدول الأعضاء ومشاوراته فيها حول قمة المنظمة القادمة في نهاية أيلول/ سبتمبر القادم.

2 - بدهيات اقتصادية مغيّـبة.. وسياسات ضاغطة
ولكن الأهم من ذلك ما أبرزته تصريحات ومواقف أخرى صدرت أثناء جولة شافيز، وجميعها مما يرتبط بقواعد من قبيل البدهيات في التعامل الاقتصادي، ولكن غابت عن التطبيق في ظلّ الضغوط السياسية المحضة، وكان من تلك التصريحات والمواقف على سبيل المثال دون الحصر:
1 - لن نعرّض الاقتصاد العالمي للخطر.. ولكن يجب أن نفكّر في مصالحنا أيضًا.
2 - لا ينبغي أن نركع مجددًا (كناية عن فترة العجز المالي المتزايد في ميزانيات الدول المصدرة للنفط).
3 - يجب أن ننظر في تحديد الأسعار إلى عائدات الدول المستهلكة من الضرائب العالية التي فرضتها على النفط.
4 - الأسعار لم ترتفع حاليًا، بل تأرجحت ارتفاعًا وانخفاضًا، والارتفاع ناتج عن مشكلات الطاقة الأمريكية وليس عن سياسات الإنتاج في البلدان النفطية.
ولا يعود عدم صـدور مواقف مماثلة – إلا نادرًا – عن مسـؤولين آخرين في البلدان النفطية إلى اختلاف في تقويم أوضاع السوق النفطية، بل يعود إلى حقيقة إعطاء الأولوية لاعتبارات غير اقتصادية، كالاعتبارات السياسية والأمنية، في علاقة بعض الدول الأعضاء في المنظمة مع الدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، وليس المقصود بذلك وجود علاقات ودية.. وتعامل على قدم المساواة.. ومصالح متبادلة.. ومعاملة بالمثل.. وما شابه ذلك مما يقال كشعارات أكثر مما يسري كتطبيقات عملية؛ إذ لا غبار على شيء من ذلك لو كان موضع الممارسة فعلاً وكان له تأثير على العلاقات الاقتصادية الثنائية والدولية، إنّما هي اعتبارات أخرى تعكس مدى الخلل السياسي القائم ومدى تأثيره السلبي على ميادين اقتصادية بالغة الأهمية، من حيث نتائجها المباشرة على مستوى معيشة الإنسان الفرد، وعلى مستوى "وجود الدولة" نفسها في إطار الأسرة البشرية.. إذ أصبحت العلاقات الثنائية القائمة – والدولية جزئيًّا - أشبه بشارع ذي اتجاه واحد، تنصب فيه عملية المراعاة.. وتقدير المصالح.. وتجنب الضرر.. وما شابه ذلك في صالح طرف واحد وليس في صالح الطرفين، ناهيك عمَّا يلحق بالطرف الآخر من أضرار.
إنما يعود صـدور هذه المواقف عن الرئيس الفنزويلي بالذات؛ لأنه – إذا اسـتثنينا ليبيا والعراق لأوضاعهما الخاصة حاليًا - يرأس دولة فنزويلا التي أصبحت الدولة "المتمرّدة" في المنظمة ضدّ هيمنة الإرادة السياسية الأمريكية وضد استبداد ما يوصف بالمصالح الأمريكية، بصناعة القرار على المستويات الوطنية أحيانًا وعلى المستويات المشتركة للدول الأعضاء.
والواقع أن التصريحات والمواقف المشار إليها ليست "بدعًا" من القول في عالم المصالح الاقتصادية العالمية المتشابكة، بل تبدو قيمتها الحقيقية من خلال تلخيصها لجملة من الحقائق الاقتصادية المحضة، التي يمكن – لو وجدت المراعـاة الموضوعية - أن تبرّر ارتفاع أسعار برميل النفط على الأقل إلى ضعف معدلاتها الحالية، ومن تلك الحقائق أو المعطيات الأولية ما تحاول الفقرات التالية بيانه بإيجاز.

3 - المصالح الذاتية وأكذوبة خطر الأسعار المرتفعة
لم يَعُد لسعر برميل النفط ذلك الأثر الكبير على بنية النفقات في الهيكل الاقتصادي للدول الصناعية، فما تنفقه الدولة الصناعية الواحدة رسميًّا أو تنفقه شركاتها الوطنية والدولية، على استيراد النفط الخام، لم يَعُد يمثل إلا نسبة ضئيلة من جملة النفقات الكبرى.. وتوجد دراسات عديدة على هذا الصعيد، ومنها مثلاً ما أكّده معهد بحوث الطاقة الفرنسي في باريس في نهاية عام 1999م؛ إذ أكّد أنّ رفع أسعار النفط الخام من المعدلات المتدنية التي كان عليها من قبل، إلى ما يعادل 28 – 30 دولارًا، لا يؤثّر سلبيًّا على نسبة النمو الاقتصادي في الدول الغربية بأكثر من واحد في المائة (1%).. فمن أين تأتي تلك الضجة "السياسية" الكبرى، على مستوى مسؤولين كوزير الطاقة الأمريكي وليس على المستوى الإعلامي فقط، والتي تقول إنّ الأسعار الحالية يمكن أن تشكل خطرًا على الانتعاش الاقتصادي في الدول الصناعية ؟..
ولكن نفترض جدلاً أنّ لأسعار النفط مثل ذلك التأثير على سرعة النمو الاقتصادي في الغرب أو تباطؤه، على نحو مشابه لما تركته "القفزة المفاجئة للأسعار" في منتصف السبعينيات الميلادية.. فآنذاك ينبغي مقابل هذا الافتراض أن نذكر أنّ هبوط الأسعار من معدّلاتها العليا في تلك الفترة إلى الحضيض الذي وصلت إليه عام 1998م، قد أدّى بالفعل إلى تباطؤ النموّ الاقتصادي في البلدان النفطية الأكثر ثراء من سواها، وإلى تخلّف وعجز وقروض خارجية مرهقة، وإلى توقف مشاريع التنمية وانخفاض في مستوى المعيشة الفردية في البلدان النفطية الأخرى ذات الكثافة السكانية العالية، كالجزائر وإيران وإندونيسيا ونيجيريا.. وجميعها دول انخفضت عائداتها من تصدير النفط وارتفع حجم نفقاتها على البضائع المستوردة من الغرب، وهنا تبرز أهمية العبارة البسيطة المشار إليها على لسان شافيز:
" لن نعرّض الاقتصاد العالمي للخطر، ولكن يجب أن نفكر بمصالحنا أيضًا"..
ولم يستخدم شافيز حتى كلمة "أولاً" بدلاً من أيضًا.. مع العلم أن هذا بالذات يمثل بدهية محورية في النظريات والممارسات الاقتصادية الغربية القائلة واقعيًّا:
يجب أن نفكر بمصالحنا، سيّان هل تعرّض الاقتصاد في البلدان النفطية والنامية للخطر أم لم يتعرّض !..

4 - 70% من عائدات النفط تنفق على الواردات
ارتفع سعر النفط الخام تدريجيًّا بعد عام 1960م، عندما تأسست منظمة البلدان المصدرة للنفط، وتأرجح مرارًا، ووصل في الوقت الحاضر إلى معدّلات تبلغ عشرة أضعاف ما كان عليه سعر البرميل آنذاك.. أي قبل أربعين سنة، ويعني ذلك بالأرقام أن الزيادة السنوية الوسطية كانت تعادل أقل من ثلاثة في المائة في كل عام بالمقارنة مع العام الذي سبقه. ولكن لا يمكن في عالم الاقتصاد تقويم "رقم أو نسبة مئوية" في ميدان ما، بصورة منفصلة عن سواها.. وهذا معروف من حياة أي فرد أو أسرة إذا ارتفع دخله بنسبة ثلاثة في المائة مثلاً، وارتفعت قيمة ما يشتريه شهريًّا من غذاء ودواء وسواه بنسبة ستة في المائة.. وهذا بالذات ما يسري على النفط الخام في معادلة العلاقات التجارية الخارجية للدول المصدّرة والدول المستهلكة، فأكثر من 70% من العائدات النفطية تنفق على بضائع وخدمات مستوردة من البلدان الصناعية، وقد ارتفعت أسعارها ارتفاعًا متواصلاً وبما يبلغ أضعاف نسبة ارتفاع سعر النفط.. وهو ما يعبّر عنه الاقتصاديون بحديثهم عن هبوط القيمة الشرائية للعائدات النفطية، فسعر النفط الخام وفق هذا المنظور أقل بكثير مما كان عليه – ليس في أوج ارتفاعه في نهاية السبعينيات الميلادية - بل في فترة انخفاضه الشديدة قبل ثورة سعر النفط الخام عام 1973م.
وهذا هو المنظور الذي تعنيه العبارة الواردة على لسان شافيز "لا ينبغي أن نركع مجددًا"، فهو يشير بذلك إلى نتائج هبوط سعر البرميل إلى أقل من 10 دولارات عام 1998م؛ إذ أوصل ذلك الدول النفطية إلى مرحلة "الاختناق".. وإذا تجاهلنا عنصر "الأخلاق" في الحديث تجاه من يفخر بأن السياسة التي يمارسها لا أخلاق لها، سيبقى رغم ذلك السؤال:
ما هو الأساس المنهجي، أو العرف الاقتصادي، أو المنطلق المالي، الذي يسمح للغرب أن يطالب الدول النفطية بخفض الأسعار للحفاظ على مستوى الرفاهية فيه، ولا يسمح بمطالبة الدول الغربية نفسها بخفض أسعار صادراتها إلى البلدان النفطية، بما يمنع من "تركيعها ماليًّا" ناهيك عن خفض أسعارها إلى الدول النامية، ليبقى فيها "رمق حياة" ؟!..

5 - تمويل "الخصم الاقتصادي" وكنز الضرائب الغربية
من أكبر حملات التضليل السياسي والاقتصادي التي شهدتها لعبة الأسعار والإنتاج في الأسواق النفطية، تلك الحملـة التي زعمت وتزعم أنّ رفع أسعار النفط الخام يؤدّي إلى ارتفاع نفقاته على المستهلك، وهذا ما يحقق "المردود الاقتصادي" المطلوب من مشاريع إيجاد مصادر بديلة للطاقة، فلا ينبغي أن يرفع منتجو النفط أسعاره كيلا يدعموا بذلك مصادر أخرى تنافسه !..
المغالطات في هذه المقولة متراكمة بعضها فوق بعض، فلا يسهل تعدادها وبيانها جميعًا فلا بد من الاكتفاء ببعضها، ولنقارن مثلاً:
القيمة (1): ما يسدّده المواطن كفرد مستهلك أو ما تستهلكه شركة إنتاج، ثمنًا للوحدة الحرارية في الغرب..
والقيمة (2): ما يحصل عليه المنتج النفطي في دولة نفطية ثمنًا لبرميل النفط الخام..
لا ينبغي هنا أن نغفل عن مفعول "القوة الشرائية للعملة" السالف الذكر، وسنجد أن القيمة الأولى ارتفعت عام 2000م إلى أكثر من عشرة أضعاف ما كانت عليه عام 1973م، أما القيمة الثانية فهي الآن دون ما كانت عليه آنذاك.
فهل تحمل الدول النفطية المسؤولية عن ارتفاع تكاليف الطاقة في الغرب فعلاً ؟..
وأين يذهب إذن الفارق الضخم بين القيمتين.. أي ما يدفعه المشتري وما يقبضه البائع ؟..
الجواب البسيط والواضح هو: "الضرائب في الغرب".. وهذا في مرحلة من مراحل تطوّر العلاقات التجارية الدولية ينطبق على ما يصنعه الغربيون فيها وصف "الصراخ" باسم حرية التجارة وتحرير السلع التجارية من الضرائب والجمارك والدعم المالي وما شابه ذلك.
إن الدولار الواحد الذي ينفقه أي مستهلك فرد أو تنفقه شركة غربية على الوحدة الحرارية التي يستهلكها وقودًا للسيارات أو للتدفئة – ثم في الدرجة الثانية - لتشغيل المصانع أو للسفريات الجوية، لا يصل منه إلى الدولة النفطية المنتجة للطاقة أكثر من 15 سنتا وقد يهبط إلى 10 سنتات مع تأرجح الأسعار، بينما يصل منه إلى صناديق وزارات المالية في الدول الغربية على شكل ضرائب ما يتراوح بين 65 و75%، والباقي هو أرباح الشركات وتكاليف النقل والتكرير.. وهذا ما تعنيه عبارة شافيز:
"يجب أن ننظر في تحديد الأسعار إلى عائدات الدول المستهلكة من الضرائب العالية التي فرضتها على النفط"..
ولكنّ ذروة المغالطة في المقولة المذكورة أعلاه، تتمثل في الزعم القائل: يجب تخفيض الأسعار لمنع تطوير مصادر للطاقة، بديلة ومنافسة للنفط واحتياطي النفط الكبير في منطقة الخليج على وجه التخصيص.. ذلك أنّ تلك العائدات الضرائبية الضخمة بعشرات المليارات، هي التي تمكّن الدول الصناعية من إنفاق عشرات المليارات كدعم مالي مباشر لمشاريع إيجاد مصادر بديلة للطاقة..
وبتعبير آخر:
أصبحت الدول النفطية بسياسة الأسعار المنخفضة، تسمح برفع الضرائب، فتموّل بذلك بنفسها مصادر الطاقة البديلة عن نفطها، فلا هي حصلت على العائدات الموازية لقيمة النفط المصدّر فعلاً، والضرورية لتحقيق نمو اقتصادي وطني، ولا هي تجنّبت فعلاً زيادة الدعم المتواصل لتطوير مصادر بديلة للطاقة لحماية مستقبل السلعة الرئيسية التي تمثل ثروتها، وبالتالي ثروة الشعوب والأجيال القادمة منها.

6 - هل تستطيع الدول النفطية المعاملة بالمثل؟!
ويكفي إضافة إلى ما سبق وطلبًا للإيجاز ذكر بعض الإشارات لجوانب أخرى من الموضوع دون تفصيل:
حتى لو بلغ سعر البرميل الواحد ستين دولارًا، فمن السذاجة الاستمرار في الحديث عن "الثروة النفطية الكبرى" في الدول المنتجة المصدّرة، فبغض النظر عن إنفاق النسبة الكبرى من تلك "الثروة الضخمة" على استيراد البضائع الاستهلاكية الغربية، وبالتالي "إنعاش اقتصاد الغرب" وليس الاقتصاد في الدول النفطية نفسها، يبقى أن لغة الأرقام عن تلك الثروة تقول:
إن حجم عائدات النفط لصالح الدول النفطية جميعًا، من سعر برميل يبلغ 60 دولارًا ( أكثر من ضعف السعر الحالي) لا يصل "عشر معشار" ما يستخدمه بعض الأفراد الغربيين المضاربين في أسواق الأسهم المالية، وترفض الدول الغربية تقييد "حرياتهم" الشخصية هذه ولو وصلت إلى مستوى ضرب الأسواق المالية والأوضاع الاقتصادية والاستقرار السياسي معًا في منطقة جنوب شرق آسيا..
بل يمكن الهبوط بلغة الأرقام إلى مستوى المقارنة بين عائدات الدول النفطية معًا.. وميزانية شركة غربية واحدة - وليس ميزانية دولة غربية أو مجموعة دول - مثل شركة إكسون النفطية، أو شركة دايملر -كرايسلر للسيارات..
ويمكن الهبوط خطوة أخرى إلى مقارنة مستوى العائد الصافي لفرد واحد مثل بيل جيتس، من شركة غربية تصدّر ما تصدره للدول النفطية، مع واردات بعض تلك الدول نفسها..
ومن المفارقات الكبرى أن تتحدث بعض التعليقات والتحليلات في وسائل إعلام الدول النفطية.. دون أي استغراب أو تنديد وإدانة، عن مطالبة مسؤول غربي الدول النفطية بخفض أسعار النفط بحجة أنّ بلاده اضطرت إلى اسـتخدام جزء من "المخزون الاحتياطي النفطي" لديها.. أو هي في مرحلة التفكير بذلك، كما يصنع المسؤولون الأمريكيون الآن قبيل انعقاد اللقاء الدوري لمنظمة الأقطار المصدرة للنفط (10/9/2000م) وقمتها الثانية (27-29/9/2000م).. فمن يتحدّث عن ذلك كبدهية في العلاقات الاقتصادية الدولية، يتجاهل كلية أنّ واشنطن والعواصم الغربية الأخرى لا ترفض خفض الأسعار فقط، بل هي على استعداد لإنفاق المليارات على إتلاف فائض إنتاجها الغذائي والزراعي كيلا تنخفض أسعاره من الأسواق..
وهي لا تقفز هنا قفزًا فوق "المعاملة بالمثل" أو "حرية التجارة" فتتجاهل ظاهرة من قبيل "انخفاض مخزون احتياطي الحبوب" في دول نفطية كمثال.. فحسب، إنّما تصمّ آذان مصارفها وشركاتها ومسؤوليها السياسيين حتى عن نداءات الرأي العام المتأثر داخل حدودها، بصرخات "الاستغاثة" نتيجة نضوب الاحتياطي وغير الاحتياطي من الأغذية والأدوية في كثير من بلدان الجنوب في "عصر الاستعمار الاقتصادي الراهن"، ونتيجة وقوع المجاعات وموت عشرات الملايين، بعد تفاقم العجز عن دفع ثمن غذاء مستورد من الغرب، أو دواء مستورد من الغرب.. نتيجة الخلل في سائر معادلات "التجارة الدولية الحرة" وفيما يسمّى "النظام" المالي والاقتصادي العالمي.
ولن يستقيم أمر الدول النفطية داخليًّا ودوليًّا، ولن تساهم في أن تستقيم الأمور في منطقة الجنوب عمومًا، دون أن تطبّق مبدأ المعاملة بالمثل في سـائر ما يرتبط بعلاقاتها التجارية وغير التجارية مع الدول الغربيـة، ومثال ذلك فرض الضرائب والرسوم الجمركية على الواردات من البلدان الصناعية كما تفرض مثل ذلك على النفط المستورد، للحدّ من استيراد السلع الاستهلاكية والكماليات أولاً، وتنشيط الصناعات الوطنية ثانيًا، وتعزيز التعامل البيني مع بقية دول الجنوب ثالثًا.. وكذلك توليد الضغوط المضادّة في معادلة العلاقات مع البلدان الصناعية بعد أن مالت كل الميل وبلغت مرحلة الاستغلال ونهب الثروات.. إنّما يحتاج تطبيق مبدأ "المعاملة بالمثل" إلى الإرادة السياسية التي توظف الإمكانات والقدرات المتوفرة وتوفر المفتقد منها لا سيما في ميدان التخطيط والتنفيذ وميدان التنسيق والتكامل..
في الإمكان بطبيعة الحال النظر إلى النفط إلى اعتباره سلعة تجارية محضة.. وآنذاك ينبغي أن يسري عليه ما يسري على سواه من مراعاة المصالح الذاتية أولاً، في إنتاجه وتصديره وتحديد أسعاره، ولكن إذا صح القول إن الدول النفطية لم تحرّر التعامل منه من الاعتبارات السياسية، فهو لا يمثل سوى "وسيلة واحدة" تمتلكها الدول النفطية لتحقيق أغراض سياسية ما.. مقابل عشرات أو مئات الوسائل "الاقتصادية" والسلع "التجارية" التي تستخدمها الدول الصناعية لتحقيق أغراضها السياسية المحضة عالميًّا، والتي تجاوزت فيها سائر الاعتبارات الإنسانية، ناهيك عن انتهاك القوانين الدولية في الميادين الأمنية والتجارية والاقتصادية وسواها
كاتب ومفكر عربي مقيم في ألمانيا
|