English

 

السبت. أغسطس. 26, 2000

  صباح نماء :
 

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عالمية

 

الجوع طاعون العصر:

800 مليون يصارعون من أجل البقاء!!

يواجه يوم الأغذية العالمي والمقرر له يوم  16 أكتوبر 2000  معضلة رئيسية تتمثل في تحويل الرؤية النظرية لحل مشكلة الفقر في العالم إلى واقع عملي ملموس، فالرؤية هي العيش في عالم يحصل فيه كل فرد على ما يكفي من غذاء يومي، أما التحدي فيتمثل في تحرير ما يقرب من 800 مليون نسمة من الجوع المزمن والخوف من الموت جوعاً.

غير أن مواجهة هذا التحدي وتحقيق هذه الرؤية لن يكونا بالأمر السهل اليسير، فتحرير الألفية الجديدة من الجوع يقتضي اتخاذ تدابير عاجلة، على جبهات متعددة لا تقتصر على مجرد توفير الغذاء للجياع، بل تشمل القضاء على الأسباب الكامنة وراء الجوع في مختلف أنحاء العالم بصورة سريعة ومستدامة ومتواصلة.

فاستئصال شأفة الجوع وانعدام الأمن الغذائي ليس مجرد مسألة زراعة المزيد من الأغذية، فالعالم ينتج بالفعل الآن ما يكفي لتوفير غذاء كافٍ لكل فرد، إذا ما وُزِّع هذا الغذاء بصورة عادلة، ولكنه ليس كذلك، فعلى سبيل المثال فإن الكثير من البلدان الفقيرة في العالم النامي، يقل فيها متوسط المتوافر من الأغذية عن 2100 سعر حراري للفرد يوميًّا، غير أن هذا المتوسط يزيد عن ذلك في بلدان الشمال الغنية بأكثر من النصف ليصل إلى 3200 سعر حراري.

180 مليار دولار خسائر الدول النامية بسبب الجوع

alt

ويمكن القول إجمالاً: إن نحو 20% من السكان في البلدان النامية يكافحون للبقاء على قيد الحياة على كمية ضئيلة من الأغذية لا توفر الطاقة الأساسية التي يحتاجونها لممارسة حياة كلها نشاط وإنتاج. وإذا جُمِع هؤلاء الناس كافة معًا، فإنهم يشكلون قارة من الجياع يزيد عدد سكانها عن سكان أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية مجتمعين.

والجوع لا يكون سببًا في قصر حياة الناس ويختزل آمالهم فحسب، بل يقوِّض أيضاً سلام الأمم ورخاءها. وتشير الدراسات إلى أن الجوع ونقص المغذيات الدقيقة يقللان من قدرة الأطفال على التعلم بنسبة تصل إلى 10%، ويكلفان البلدان النامية مبلغًا يصل إلى 128 مليار دولار سنويًّا بسبب خسائر الإنتاجية فقط.

1500 مليون نسمة في صراع من أجل البقاء

ويشير تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة بمناسبة قرب يوم الأغذية العالمي إلى أن الجوع لا ينتشر في معزل. فهو سبب ونتيجة للكثير من جوانب المعاناة الأخرى التي تعاني منها البشرية مثل الفقر والحروب وتدهور البيئة والتمييز.

ونظراً لأن الجوع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمشكلات الأخرى، فإن القضاء عليه سوف يسهم لا محالة في الحد من كثير من الأسباب الأخرى لمعاناة البشر ويستأصلها في نهاية الأمر، كما أن القضاء عليه يتطلب الحد من هذه الأسباب الأخرى، فمن المنطقي أن نتوقع - مثلاً - أن يكون العالم المحرر من الجوع:

* عالماً خالياً من الفقر المدقع؛ إذ تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن هناك نحو 1500 مليون نسمة يناضلون من أجل البقاء على قيد الحياة بأقل من دولار واحد يوميًّا، فمعظم من يعانون من الجوع في العالم يعتبرون أيضاً من بين أولئك الذين يعانون الفقر المطلق.

* عالمًا خاليًا من التفاوتات الشديدة في الثروة، مما ينعكس في عدم المساواة العنيفة في توزيع الأغذية، ففي عالم اليوم يتناول خمس سكان العالم الأكثر ثورة، 45% من جميع اللحوم والأسماك، في حين يحصل الخمس الأشد فقرًا على ما لا يتجاوز 5%.

* عالمًا دون حرب، فالصراعات تؤدي - لا محالة - إلى توقف إنتاج الأغذية وتوزيعها، ويجتث الأسر والمجتمعات من جذورها، وتتسبب في وجود أعداد ضخمة من اللاجئين المعرضين بشدة لنقص الأغذية.

* عالمًا خاليًا من التدهور البيئي واسع النطاق؛ إذ إن الجوع والفقر يزيدان من الضغوط على البيئات الهشة. ويتعرض الملايين من السكان الفقراء وإنتاجية النظم الزراعية للخطر نتيجة للتصحر والتعرية والملوحة وفقد التنوع البيولوجي.

* عالمًا متحررًا من الاختلالات الناجمة عن الجنس أو العرق، ففي حين تنتج النساء معظم أغذية العالم، فإن أغلبية كبيرة من الجياع هم من النساء، وتبين الدراسات أن النهوض بتعليم المرأة والارتقاء بمركزها كانا السبب في خفض أعداد ناقصي التغذية بأكثر من النصف منذ عام 1970م.

فتحرير البشرية من الجوع سوف يسهم بدرجة كبيرة في استئصال معظم جوانب المعاناة والبلاء هذه.

الجوع في بلدان الوفرة الغذائية

ويؤكد تقرير المنظمة على أنه لا شك في أن وضع نهاية للجوع يتطلب بالضرورة البدء بضمان توفير ما يكفي من غذاء لكل فرد. ويتعين تحقيق زيادة الإنتاج الغذائي زيادة كبيرة خلال الخمسين عامًا القادمة مع تزايد سكان العالم من 6 مليارات اليوم إلى 8.9 مليارات عام 2050م.

وتشير التجارب السابقة إلى أن ذلك أمر ممكن التحقيق، فخلال الأربعين عاماً الماضية، تضاعف عدد سكان العالم، إلا أن الإنتاج الغذائي زاد أيضاً بوتيرة أسرع، فعلى المستوى العالمي زاد نصيب الفرد من الكميات المتوافرة من الأغذية بما يقرب من 20%.

غير أن إنتاج المزيد من الأغذية لم يَقْضِ بمفرده على الجوع في الماضي، ولن يضمن استئصاله في المستقبل؛ إذ تشير الدراسات الأخيرة إلى أن أربعة أطفال من بين كل خمسة ممن يعانون من نقص الأغذية في العالم النامي يعيشون في بلدان زادت فوائض الأغذية لديها. فالتحدي الأكبر هو في ضمان وصول الأغذية إلى أيدٍ وأفواه السكان الذين يفتقرون إليها الآن - أي الفقراء والفتيات والنساء والمجتمعات الريفية المعزولة والأقليات العرقية التي تعيش على الهوامش الاقتصادية، وضحايا الحروب والكوارث الطبيعية.

وتعيش الغالبية العظمى من هؤلاء السكان الجوعى في بلدان تمثل فيها الزراعة المصدر الرئيسي لفرص العمل والدخل؛ ولذا ينبغي أن يُكرس جزء كبير من إستراتيجية مكافحة الجوع لزيادة الدخل في الريف وفرص الحصول على الأغذية من خلال النهوض بالزراعة والاقتصاد الريفي، وسواء توافرت الفوائض على المستوى العالمي أو القطري، فإن الإخفاق في تنمية الزراعة وزيادة الإنتاج الغذائي محليًّا يكمنان في غالب الأحيان في صلب مشكلات انعدام الأمن الغذائي. وقد يتمثل الهدف طويل الأجل في الحد من الاعتماد على الزراعة والضغوط التي تمارس على المواد الزراعية المجهدة، غير أن الطريق إلى تحقيق هذا الهدف قد يمر في المرحلة الأولى من خلال التركيز على تحسين الإنتاجية الزراعية.

عولمة التجارة طريق الأمن الغذائي!!

وادعى التقرير أن التغيرات العالمية التي تحدث بعيداً عن سيطرة المزارعين قد يكون لها أيضاً دور رئيسي في تحقيق الأمن الغذائي في العالم النامي، فزيادة عولمة التجارة ومفاوضات منظمة العالمية، وانخفاض أسعار السلع وتقلص المعونة الغذائية وتزايد الديون، والإستراتيجيات المقترحة لخفض أو إلغاء الديون  كلها عوامل تؤثر في قدرة الناس على إنتاج الأغذية وشرائها.

وسوف تتأثر حياة المزارعين والأمن الغذائي لأسرهم أيضاً بالتطورات العلمية والسياسية التي تشمل التكنولوجيا الحيوية والأغذية المحورة وراثيًّا، وتنطوي هذه التكنولوجيا الجديدة على إمكانيات كبيرة لتحسين الغلات والتوعية الغذائية، إلا أنها تفرض أيضاً مخاطر كامنة على صحة البشر والبيئة. وسوف يتعين اتباع منهج حذر يعالج كل حالة على حدة لضمان تطبيق التكنولوجيات بطرق تلبي الاحتياجات البشرية وتقلل المخاطر.

الحل الكامل لمشكلة الجوع

لا شك في أن استئصال الجوع يتطلب إجراءات في جميع هذه المجالات - أي زيادة الإنتاجية الزراعية ومضاعفة دخل المجتمعات الريفية، وتحسين فرص الحصول على الأغذية من جانب أكثر الفئات احتياجًا، وضمان حصول احتياجات البلدان النامية ومساهماتها على نصيب عادل في التجارة العالمية والبحوث والاستثمار، وإسناد الأولوية "للجوع المتخفي" الناجم عن نقص المغذيات الدقيقة - وذلك على مستوى من الالتزام لم يسبق له مثيل، غير أن الالتزام هو المورد الوحيد الذي يعاني من النقص.

وتقول المنظمة: إن خطة عمل مؤتمر القمة العالمي للأغذية هي تحدد الخريطة التي ينبغي اتباعها للوصول إلى عالم متحرر من الجوع، والكثير من مجالات العمل الرئيسية في إطار الخطة واضح لا لبس فيه ولا غموض؛ حيث يشمل الالتزامات التالية:

  • النمو الاقتصادي للحد من الفقر.
  • سياسات زيادة فرص العمل وإدرار الدخل للفقراء.
  • شبكة الأمن لحماية أشد الفئات تعرضًا للجوع.
  • الاهتمام الكافي بالتنمية الزراعية والريفية.

ولا شك أن الثمن الذي سيتعين دفعه - إذا ما أخفقت المنظمة ومنها المؤسسات الدولية في اتخاذ الإجراءات الحاسمة - معروف؛ إذ تُبَيِّن أحدث الأرقام أن عدد الجياع قد انخفض بنحو 8 ملايين نسمة سنويًّا خلال النصف الأول من عقد التسعينيات، ومع أن ذلك يمثل تقدماً حقيقيًّا إلا أنه يقل عن نصف المعدل اللازم للوصول إلى الهدف الذي حدده مؤتمر القمة العالمي للأغذية بخفض عدد الجياع إلى النصف بحلول 2015م وإذا ما استمر الأمر على هذا المنوال فسيظل ما يقرب من 700 مليون نسمة يعانون من الجوع المزمن عام 2015م، وتستمر الحلقة المفرغة من الحرمان البشري والركود الاجتماعي.

غير أن القصة لا ينبغي أن تنتهي على هذه الصورة، فبوسع المنظمة والدول بما تملك من التزام، وباستخدام الأدوات التي بين أيديها بصورة كاملة أن تنشئ حلقة جديدة "حلقة حميدة" تبدأ بامتلاك الأشخاص الأصحاء الحاصلين على التغذية الجيدة، الطاقة اللازمة لحل المشكلات التي تعرضت لها البشرية وقيدت طاقاتها، وعندئذ يمكن أن تتحول الألفية المتحررة من الجوع إلى ألفية خالية من التدهور البيئي وعدم المساواة والتمييز، ومن الفاقة والحروب.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم