|
|
| التجارة العادلة لمقاومة الغبن العالمي المفروض
|
مثل ظهور مفهوم "التجارة العادلة"(Fair Trade) في السنوات الماضية بارقة أمل جديدة لدى منتجي ومصدّري الدول النامية "الفقيرة" في تحقيق نوع من العدالة المجتمعية في التبادل التجاري الدولي الذي يميل بشدة لصالح الدول الغنية. وقد حاولت منظمات غربية وأبرزها "أوكسفام" تطبيق هذا المفهوم من خلال شراء سلع الفقراء وبيعها في دول الشمال الغنية لحصد سعر عادل للفقراء، وتم ختم هذه السلع بشعار "صُنع بكرامة" (Made in Dignity).
وتقوم فكرة التجارة العادلة بالأساس على كيفية توفير فرص وسبل جيدة للمنتجين في الدول النامية لبيع سلعهم ومنتجاتهم بأسعار عادلة "قريبة" من الأسعار العالمية، وتقليل حالات الاستغلال التي يتعرض لها هؤلاء المنتجون، خاصة من بلدان الشمال المتقدم التي تدفع إليها قواعد التجارة التي تحكم النظام التجاري الدولي، وتؤصل لها منظمة التجارة العالمية.
وتتحقق الفكرة من خلال إحدى آليتين: أولاهما تحديد الجهات التي يمكن التفاوض معها لتحقيق أكبر عائد تجاري ممكن؛ بحيث تتولى جهات دولية معينة عملية التفاوض وتسهيل الشراء؛ بحيث تضمن تحقيق شروط عادلة للبيع؛ وهو ما تفعله أو تتبناه منظمات دولية منها منظمة "أوكسفام".
والآلية الثانية هي أن تقوم هذه المنظمات بشراء جزء كبير من منتجات البلدان النامية وتتولى تسويقها بنفسها؛ وهو ما يتيح لها فرصا جيدة للتفاوض مع كبار المشترين، ويحقق عائدا يرضي المنتجين.
لماذا المفهوم؟
بدأ ظهور فكرة التجارة العادلة في أوائل التسعينيات، عندما تبنت بعض المنظمات والمؤسسات الأوربية والأمريكية فكرة تحقيق سعر عادل لمنتجي ومصدري المواد الزراعية، سواء في العالم المتقدم أو النامي، وإن ركزت بالأساس على منتجي هذا الأخير، خاصة أنهم يتعرضون لظلم أكبر إما نتيجة لعدم القدرة على تسويق منتجاتهم في أوربا وأمريكا الشمالية؛ وبالتالي ضعف القدرة على التفاوض حول أسعار هذه المنتجات، وإما لعدم القدرة على التعاطي مع قواعد التجارة الحرة التي تصب بالأساس في مصلحة دول الشمال.
وبما أن الزراعة لا تزال تشكل النشاط الأساسي في الدول النامية؛ حيث تعيش الأغلبية العظمى من إجمالي السكان في المناطق الريفية، وتعتمد في سبل معيشتها على تنمية القطاع الزراعي؛ فإنها تتأثر بشدة بقرارات وقواعد منظمة التجارة العالمية التي تهدف إلى تحرير هذا القطاع بما سيوقع الضرر بالمزارعين الفقراء. فبسبب المفاوضات مع منظمة التجارة يتم حاليا تعزيز السياسات الزراعية المناوئة؛ إذ يجري خفض الدعم؛ وهو ما يؤدي إلى انخفاض في الأرباح، وبالتالي زيادة أسعار المنتجات؛ مما يؤثر على كل من فقراء الريف والحضر. وفي الوقت نفسه فالحبوب الخارجية المدعمة والمنتجات الزراعية الأخرى يتم استيرادها؛ مما يتسبب في رفع تكلفة الإنتاج المحلي للأغذية وانعدام ربحيته.
ولا نبالغ إذا قلنا بأن اتفاقيات التجارة في مجال الزراعة لا تعدو أن تكون مجرد خدعة. فالدعم على صادرات منتجات الزراعة في الدول الصناعية لم يخفف تدريجيا كما هو وارد في اتفاقيات منظمة التجارة، بل تصاعَد، وذلك في الوقت الذي يعاني فيه صغار المزارعين في الدول الفقيرة من آثار تحرير الاستيراد الذي يؤدي إلى تدمير منتجاتهم ومصادر عيشهم.
وتكشف الأرقام عن ظلم بيّن في توزيع التجارة الدولية؛ فإحصائيات المؤسسات الدولية تشير إلى أن الدول الغنية تتحكم الآن في 87% من واردات العالم، و94% من صادراته، وترتب على ذلك أن 20% من أغنياء العالم تفوق دخولُهم دخولَ أفقر 20% من البلدان الفقيرة بنحو 60 مرة. وغالباً ما تذهب ثمار التجارة الدولية لمصلحة الدول الغنية.
من ناحية أخرى فإن منتجي الدول النامية يدفعون ثمناً باهظاً لهذا الظلم؛ فعلى سبيل المثال عندما انهارت أسعار السلع الأولية كالبن والسكر والكاكاو... بنسبة 30% في الفترة ما بين 1985 وحتى 1993 فقد عانت أغلب الدول النامية المنتجة لهذه السلع. ( انظر تفاصيل حول الآثار السلبية لاتفاقات منظمة التجارة،قمة كانكون.. بداية النهاية؟).
نمو التجارة العادلة
The embedded asset does not exist: Asset Type: Image_C Asset Id: 1178193337815 PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic |
|
شعار اتحاد التجارة العادلة
|
كل هذه الظروف دفعت نحو ظهور مؤسسات ومنظمات إنسانية تهدف بالأساس إلى توفير جو ملائم من التجارة العادلة، وتنامت هذه الظاهرة في مختلف بلدان أوربا وأمريكا، وتقدر قيمة الأعمال التي تمارس في هذه المجال بنحو 400 مليون دولار حسب إحصاءات اتحاد التجارة العادلة FTFلعام 2002.
وقد تبنت منظمة أوكسفام مفهوم "التجارة العادلة"، وبدأت حملة تهدف إلى تغيير قواعد التجارة العالمية وتمكين منتجات الدول الفقيرة من دخول أسواق الدول الغنية، وإنهاء قواعد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي؛ بمعنى آخر فقد حاولت المنظمة توجيه التجارة والعولمة إلى العمل لخدمة الشعوب الفقيرة وليس ضدها.
واستهدفت حملة أوكسفام الساسة والمسئولين القادرين على تغيير قواعد التجارة والشركات والمستهلكين الذين يمكنهم شراء منتجات التجارة العادلة والاستثمار بشكل أخلاقي.
وتتلخص أهداف هذه الحملة في الآتي:
- حظر دعم الدول الغنية لصادراتها الزراعية بهدف خفض الإنتاج الزائد.
- العمل على تحقيق استقرار أسعار السلع الأولية على مستويات أعلى، ودفع ثمن أكبر لصغار المزارعين.
- اتباع قواعد أكثر عدالة فيما يتعلق ببراءات الاختراع لضمان حصول الدول الفقيرة على التكنولوجيا الحديثة والأدوية الأساسية والبذور.
-تحسين معايير العمل والصحة والتعليم خاصة بالنسبة للنساء.
-وضع سياسات إقليمية ومحلية في الدول النامية تساعد الشعوب الفقيرة على حرية دخول الأسواق والاستفادة من التجارة.
كيفية التنفيذ
اعتمدت أوكسفام في سبيل تحقيق حملتها للتجارة العادلة على آليتين هما:
أولاً: آلية فتح الأسواق وهي فتح أسواق الشمال أمام منتجات الجنوب، فضلا عن المناداة بإصلاحات متعددة في اتفاقية "التريبس TRIPS"، وذلك في محاولة للتصدي لنفوذ الشركات الضخمة ولمصالح حكومات الشمال التي تقف خلف هذه الاتفاقية.
فضلا عن رفض الوضع الذي تستخدم فيه منظمة التجارة العالمية كأداة لفتح الأسواق أمام الاستثمار الأجنبي، وتحرير سوق الخدمات، وفرض القضايا الجديدة التي تتضمن المنافسة والتوريدات الحكومية على أجندة منظمة التجارة العالمية.
ثانياً: آلية الزراعة الموجهة للتصدير، وهي تقوم على تشجيع الزراعات النقدية التي يمكن من خلالها زيادة دخول الدول النامية، ومساعدتها على التفرقة بين المحاصيل الزراعية والأخرى النقدية.
وقد قامت أوكسفام بتطبيق تجربتها في بلجيكا من خلال قيادتها لبعض المؤسسات التجارية الجديدة التي تضمن لمنتجي الدول الفقيرة في العالم بيع منتجاتهم بسعر أعلى من سعر السوق الذي تتحكم فيه الشركات المتعددة الجنسيات. وتتمثل آلية عمل هذه المؤسسات في شراء بعض السلع التجارية من الفلاحين والمنتجين في البلدان الفقيرة، وتتولى بيعها في الدول الأوربية بأسعار تقترب من أسعارها الحقيقية في الأسواق الأوربية؛ وذلك لتحقيق سعر عادل يستفيد به منتجو الدول الفقيرة.
وحسب أوكسفام فمن مبادئ التجارة العادلة للفقراء أن يدفع المشترون لسلع مؤسسة أوكسفام 50% من السعر عند طلب المنتجات؛ مما يشكل عملية تمويل تشتري من خلالها أوكسفام سلع الفقراء بسعر أفضل، وقد خُتمت منتجات أوكسفام -التي تقوم بترويجها لصالح المنتجين الفقراء- بشعار "صُنع بكرامة"؛ وذلك في إطار حملتها للترويج لتلك المنتجات. فعلى سبيل المثال ففي عام 2001 ورغم أن سعر السوق يبلغ حاليا 65 سنتا لكل نصف كيلوجرام، كانت أوكسفام تدفع للمزارعين 1.26 دولار.
ولتطبيق شعار "صُنع بكرامة" تشترط أوكسفام التعامل مباشرة مع المزارعين في الدول النامية دون وسيط حتى تحافظ على السعر الذي يبغيه، كما تشترط أيضا احترام البيئة وحقوق العمال، وإنتاج أصناف ذات نوعية جيدة.
الضجة الكبرى
كما بدأت أوكسفام في يناير 2004 هي و3 اتحادات لمزارعي البن في أثيوبيا حملة "الضجة الكبرى" التي تهدف إلى الضغط على قادة العالم وشركات البن لإيجاد حل دائم للأزمة الحالية في تجارة البن.
وقال ألبير تولا مدير حملة أثيوبيا للتجارة الحرة في منظمة أوكسفام العالمية لوكالة أنباء عموم أفريقيا في 13 يناير 2004: "إن الضجة الكبرى هي وسيلتنا لإعلاء صوت الفقراء، وإظهار التأثير المدمر الذي أحدثه انهيار تجارة البن في أثيوبيا".
وأضاف أن "هذه الحملة تعتبر فرصة للمواطنين في أثيوبيا للعمل مع بعضهم وممارسة الضغط على قادة العالم وشركات تسويق البن لتغيير قوانين التجارة الظالمة التي جلبت الفقر لملايين الأشخاص".
وتعتبر سلعة البن أوضح مثال على ما تقوم به الشركات المتعدد الجنسية من غبن لأسعارها؛ فمنذ يناير 1999 تدهور سعر البن في العالم بسرعة، بعد تفكيك نظام حماية الإنتاج الذي اتُّبع منذ عام 1989. وقد أثر هذا الانخفاض على حياة ملايين العاملين في زراعة البن؛ لأن هذه المادة تشكل أكثر من نصف صادرات أوغندا وبوروندي ورواندا وأثيوبيا. ويمكن أن يؤدي تقلب الأسعار في السوق والمضاربات بين سنة وأخرى إلى خفض دخل عائلة أو حتى بلدة بكاملها إلى النصف.
مزايا التجارة العادلة
بدون شك.. فقد حظيت فكرة التجارة العادلة باهتمام ملحوظ خاصة في أوساط المنظمات المناهضة للعولمة التي تطالب بعدالة النظام التجاري الدولي، بيد أن المكسب الحقيقي لهذه المبادرة هو أنها لفتت الأنظار وبشدة إلى مقدار ما يعانيه منتجو الدول الفقيرة من ظلم وعدم مساواة في جني أرباح منتجاتهم كما ينبغي. والأكثر من ذلك أنها وجدت من يشجعها في البلدان المتقدمة، وتشير البيانات التي أحصاها "اتحاد التجارة العادلة" (Fair Trade Federation) إلى أن نسبة هذه التجارة العادلة قد ارتفعت بمقدار 37% عام 2002، وذلك في دول أمريكا الشمالية؛ حيث زادت قيمتها من 180 مليون دولار أمريكي في 2001 إلى نحو 251 مليون دولار أمريكي في 2002. وقد شهدت تجارة البن -تحديداً- ارتفاعاً ملحوظاً بنسبة بلغت 54% (من 6.8 ملايين في 2001 طن إلى 10.6 ملايين طن في 2002)، وبحلول عام 2003 بلغ عدد العاملين في مجال التجارة العادلة نحو 3200 عامل في دول أمريكا الشمالية.
من ناحية أخرى فإن حملات التجارة العادلة لا تهدف إلى توفير سبل بيع ملائمة لمنتجي ومصدّري الدول النامية فحسب، ولكن أيضا تراعي البعد البيئي في هذه المنتجات؛ بحيث تكون المنتجات الزراعية المبيعة غير مضرة للبيئة أو لصحة الإنسان. فضلا عن أنها توفر سبل عمل مشروعة للعديد من العاطلين عن العمل، سواء في البلدان النامية أو المتقدمة من خلال مكاتبها المنتشرة في مختلف بقاع الأرض.
وخلاصة القول: إن مبادرة التجارة العادلة تدفع باتجاه تحقيق نوع من العدالة النسبية تقلل من شراسة النظام التجاري الدولي، وترفع بعض العبء عن كاهل الدول النامية؛ وهو ما قد يطرح تساؤلا كبيرا حول مشروعية قواعد هذا النظام ونصيب الدول النامية منها.
خبير اقتصادي مصري
|