|
|
| التريبس ضربة قاضية للدواء العربي
|
هل يتكرر نموذج جنوب إفريقيا مع باقي الدول النامية (خاصة العربية والإسلامية) فيما يتعلق بتأثير اتفاقية الجات وحقوق الملكية الفكرية على صناعة الدواء المحلية؟!
هذا التساؤل طرحه عدد من الخبراء العرب عقب تنازل 38 شركة دواء عالمية عملاقة الفترة الماضية عن القضية التي رفعتها بالاشتراك مع جمعية منتجي الدواء المحليين في جنوب إفريقيا، وطالبت فيها بمنع استخدام بديل لدواء حديث لعلاج الإيدز وقصر استخدامه على المنتج الأصلي لأصحاب براءات الاختراع (الشركات الـ38).
وتعود وقائع القضية إلى العام 1998 إبان فترة حكم الرئيس السابق نيلسون مانديلا، عندما دخلت هذه الشركات في صراع قضائي مع حكومة جنوب إفريقيا إثر إصدارها تشريعًا يسمح باستيراد أدوية وعقاقير معروفة عالميًا من دول تبيعها بأسعار أرخص مما تباع به في جنوب إفريقيا، وخاصة العقاقير التي تستخدم في علاج مرض الإيدز الذي يصاب به نحو 25 مليون شخص في هذا البلد، وهو الأمر الذي أدى إلى وقوع مظاهرات احتجاج واسعة النطاق ليس في جنوب إفريقيا فحسب، بل في عدد من العواصم العالمية التي تعاطفت معها.
وإزاء هذه الضغوط من الرأي العام المحلي والعالمي تنازلت الشركات الـ38 عن القضية.
وفي الإطار ذاته يتساءل البعض: هل تنسحب تجربة جنوب إفريقيا على دول نامية أخرى ومنها الدول العربية مع اقتراب تطبيق اتفاقية حماية حقوق الملكية الفكرية "التريبس" في يناير 2005، لا سيما أن معظم شركات الأدوية العالمية تعمل في البلدان العربية، وما هي السياسات الواجب اتباعها مستقبلاً لحماية صناعة الدواء في العالم العربي؟!
وقبل الإجابة عن هذه التساؤلات تجدر الإشارة إلى أن الشركات المتعددة الجنسيات العملاقة (40 ألف شركة تسيطر على نصف الاستثمارات العالمية في جميع المجالات، وثلاث أرباع عمليات ونتائج البحث العلمي في معظم التخصصات العالمية) كانت المحرك الرئيسي لتضمين اتفاقيات الجات، اتفاقية "التريبس"(حقوق الملكية الفكرية)، وتم ذلك من خلال ورقة قدمتها في هذا الخصوص إلى سكرتارية "الجات" في يونيو 1988 رغم عدم عضويتها في المفاوضات، حيث العضوية للدول، وتم ذلك أيضًا من وراء ظهر منظمة الأمم المتحدة للملكية الفكرية "الولايبو" والتي تختص بالموضوع في الأصل.
وبعد شهرين من تقديم الورقة وقَّع الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان قانونًا يُعطي للولايات المتحدة الحق في توقيع عقوبات على الدول التي ترى واشنطن أن لها ممارسات غير عادلة في التجارة خاصة ما يتعلق بحقوق الملكية الفكرية.
هذا وقد تم التوقيع على اتفاقية التجارة العالمية وملحقاتها في إبريل 1994 لتكون سارية اعتبارًا من يناير 1995، أما اتفاقية "التريبس" فستسري اعتبارًا من يناير 1996.
ونظرًا للأعباء التي تُلقيها "التريبس" على الدول النامية فقد أُعطيت هذه الدول فترة سماح حتى سنة 2005. إلا أن الشركات متعددة الجنسيات نجحت من خلال ممارسة الضغوط في دفع بعض الدول النامية إلى إنهاء فترة السماح وتطبيق الاتفاقية، ولعل هذا يُفسر النزاع القضائي بين بعض هذه الشركات وحكومة جنوب إفريقيا السابق الإشارة إليه.
واقع صناعة الدواء العربية
لم يتخط سوق الدواء العربي حاجز 2% من حجم تجارة الدواء في العالم رغم أن تعداد السكان العرب 265 مليون نسمة.
وتشير الإحصائيات إلى أن استهلاك الدواء في الوطن العربي يقدر بـ 5 مليارات دولار سنويًا (10.5% من الاستهلاك العالمي) ؛ فيما يُقدَّر إنتاج الدواء المحلي في الدول العربية بـ 1.7 مليار دولار؛ حيث تضاعفت قيمة إنتاجه من 345 مليون دولار عام 1975 إلى 700 مليون عام 1980؛ ثم ارتفع هذا الرقم عام 1987 إلى 815 مليونًا، ثم 1.7 مليار عام 1996.
عقبات وتحديات!!
مع قرب تطبيق اتفاقية حماية حقوق الملكية الفكرية "التريبس" في يناير 2005 فإن الصناعة العربية عمومًا؛ وصناعة الدواء خصوصًا؛ سوف تواجه عددًا من التحديات ذات الآثار الخطيرة في المستقبل لعل أهمها:
أولاً: قيّدت الاتفاقية من إمكانات التصنيع في العالم العربي من خلال اشتمالها على بنود غير عادلة أبرزها ـ فيما يتعلق بصناعة الدواء ـ حماية براءات اختراع الأدوية لمدة 20 عامًا، مما يحرم صناعة الدواء العربية من جزء مهم من التصنيع ويقلص الإنتاج بصورة كبيرة، ويعرضها للتخلف وفقدان المزايا النسبية وبالتالي خسائر كبرى.
ويعطي هذا البند لأصحاب براءات الاختراع (الشركات متعددة الجنسيات) حماية احتكارية مفرطة في المغالاة تدخل في خانة تعظيم الأرباح على حساب البشر، ومن ضمن هذه البنود أيضًا، تعطيل تسجيل الدواء في أية دولة نامية لمدة 30 شهرًا، وفي حال اعتراض شركة عالمية على هذا التسجيل بدعوى أنه يتعارض مع دواء لديها، فإن على الشركة المتقدمة بالتسجيل إثبات أنه لا يمثل اعتداء على براءة تسجيل الشركة العالمية!!.
ثانيًا: تتعرض صناعة الدواء العربية لمنافسة خارجية شديدة؛ إذ تنفرد الشركات متعددة الجنسيات بالأسواق العربية، كما تتأثر هذه الصناعة بالسياسات الإغراقية التي تقوم بها الدول الصناعية، الأمر الذي سيؤدي إلى تراجعها وخسارتها على المدى البعيد مع الارتفاع في أسعار المنتجات الدوائية بالنظر إلى ما تؤكده الإحصائيات من أن العالم العربي يمتلك براءات اختراع 5% من إجمالي أدويته، في حين تشكل نسبة التصنيع بامتياز 40% من الإنتاج المحلي العربي، والباقي يتم استيراده كاملاً؛ حيث تبلغ نسبة الأدوية المُصنَّعة بامتياز التصنيع المحلي في مصر 40%، وسوريا 50%، والسعودية 60%، والمغرب 90%، واليمن 29%، وتونس 39%، والأردن 2%.
ثالثًا: تحرم الاتفاقية الدول النامية من الحصول على الابتكارات الجديدة نتيجة إطلاق يد صاحب براءة الاختراع في رفع أسعار التكنولوجيا، بما سيؤدي إلى احتكارات تشمل جميع أوجه التصنيع، وتبرز هذه القضية بصورة واضحة في قطاع الدواء؛ فلم تتمكن الدول النامية خلال عقد التسعينيات إلا من الحصول على 6% فقط من بين 3.5 ملايين براءة اختراع، في حين حصلت الشركات متعددة الجنسيات على أكثر من 80% من تلك البراءات.
لذا تقدمت 72 دولة من دول العالم الثالث بطلبات لمنظمة التجارة العالمية تدعو فيها إلى إعادة النظر في أحكام اتفاقية "التريبس".
وفي هذا الصدد تؤكد المؤشرات أن شركات الدواء العالمية تحقق أرباحًا ضخمة بما يخرج عن المألوف؛ فهي تحقق عائدات على نشاطها ترتفع بمقدار ثلاث مرات ونصف بالمقارنة بعائدات الأنشطة الأخرى على الرغم من طبيعة الدواء كسلعة حيوية ترتبط بحق الإنسان في الحياة.
رابعًا: تراجع الاهتمام بالأبحاث والتطوير في شركات الدواء العربية، وهو ما يؤكده خلو ميزانيات معظم هذه الشركات من أي إنفاق في هذا المجال، في حين تنفق الولايات المتحدة 14% على أبحاث الدواء من إجمالي مبيعاتها، وبريطانيا 12%؛ فضلاً عن ذلك فإن معظم البلدان العربية تعاني من هجرة الكفاءات باتجاه الدول الكبرى.
وفي هذا الإطار كشف تقرير أعدته جامعة الدول العربية مؤخرًا؛ عن السباق العلمي والتكنولوجي مع إسرائيل أن البلدان العربية خسرت 200 مليار دولار بسبب هجرة العقول العلمية العربية إلى الدول الأوروبية التي تحتضن أكثر من 450 ألف عربي من حملة الشهادات والمؤهلات العليا.
سبل حماية صناعة الدواء
الواقع أنه لا مفر أمام الدول العربية من قبول اتفاقية "الجات" في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية المتلاحقة شرط الاستفادة من إيجابياتها وتقليص سلبياتها قدر الإمكان، وإعادة النظر في الهياكل الاقتصادية العربية عمومًا عن طريق خفض تكاليف الإنتاج وتطويره بشكل يتماشى مع الواقع التنافسي العالمي.
وفيما يتعلق بصناعة الدواء العربية، فإن المطلوب الاستعداد الجاد لمواجهة الآثار السلبية لتطبيق اتفاقية "التريبس"، سواء على صعيد كل دولة على حدة أو على صعيد التعاون العربي الجماعي.
فعلى صعيد كل دولة يطرح بعض المهتمين بصناعة الدواء عددًا من المقترحات في هذا الشأن منها:
ا - إنشاء مجلس أعلى لمراقبة أسعار الدواء؛ يبحث في توفير الدواء للأمراض المتوطنة في كل بلد عربي طبقًا لطبيعة البلد نفسها، وهذا المجلس يكون له الحق والسلطة في تحديد أسعار الدواء طبقًا لما تقتضيه ظروف الدولة وبما يحقق العدالة في ذات الوقت للشركات المنتجة للدواء.
ب - إنشاء صندوق لدعم الخدمات الدوائية داخل كل دولة لمواجهة الارتفاع القادم في أسعار الدواء، في إطار مظلة تأمينية شاملة تتيح الاتفاق على أسعار دواء متوازنة مع الشركات الكبرى المنتجة للدواء، بالإضافة إلى ذلك، من الضروري تغيير نمط استهلاك الدواء في الدول العربية، ذلك من شأنه تخفيض أسعاره بنسبة 30%.
أما على الصعيد الجماعي، فإن المطلوب وضع إستراتيجية عربية موحدة لمواجهة اتفاقية التريبس، وفي هذا الإطار يقترح الخبراء العرب حزمة من السياسات الواجب اتباعها مستقبلاً لحماية هذه الصناعة الإستراتيجية، وهي:
أولاً: ضرورة إحداث تكامل دوائي عربي وإنشاء سوق دوائية موحدة على مراحل منها إقامة مشروعات مشتركة بين شركات الدواء لتحقيق التكامل؛ وللاستفادة من وفرة الإنتاج الكبير، مع تشجيع الشركات الدوائية على التعاون والاندماج كلما أمكن؛ لتعظيم رؤوس أموالها.
ثانيًا: الاستفادة من عمليات التصنيع بعقود امتياز لمواجهة المنافسة الحادة في الأسواق العالمية؛ من خلال البدء في التفاوض بشأن ذلك مع عدد من شركات الأدوية العالمية.
ثالثًا: تدريب الكوادر العربية في مجالات الإنتاج والرقابة والتسويق الدوائي، واعتبار الدواء المُسجَّل في أحد الأقطار العربية مسجلاً أيضًا في البلد الآخر، وفي هذا الخصوص يمكن تعميم القرار الذي اتخذه مجلس وزراء الصحة في دول مجلس التعاون الخليجي منذ فترة بالشراء الموحد للدواء على باقي الدول العربية؛ وهو ما يخفف حدة استغلال الشركات الكبرى في مجال الدواء.
إن العالم العربي الذي يضم نحو 265 مليون نسمة يعد سوقًا كبرى يسيل إليها لعاب شركات الأدوية العملاقة التي تتحفز استعدادًا لاقتحام هذا السوق مطلع العالم 2005، مستفيدة من اتفاقية "التريبس"؛ لذا فإن البلدان العربية مدعوة لوضع المقترحات السابقة موضع التنفيذ كي تضمن استمرار وصول الدواء وبالسعر المناسب لمواطنيها؛ لأن حق العلاج والرعاية الصحية أحد حقوق الإنسان الأساسية في كل زمان ومكان.
كاتب مهتم بالشأن الاقتصادي، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للنطاق namaa@iolteam.com
|