|
|
| المناطق العربية إسهامات محدودة
|
انتشرت في الدول العربية ما يُعرف بالمناطق الحرة، وذلك انطلاقاً من أهداف تنموية قطرية فى المقام الأول، ومع تطور تجربة هذه المناطق فى الدول العربية أفرزت بعض النتائج الهامة التى يجب الاستفادة منها لتطوير عمل هذه المناطق فى ضوء التجارب الدولية الأخرى، أما على صعيد تحرير التجارة بين الدول العربية فقد تبيّن أن هذه المناطق أصبحت بمثابة الرقع ذات الألوان المختلفة فى عباءة التجارة العربية؛ ولذلك تمّ استبعاد السلع المنتجة فى هذه المناطق من كل اتفاقات تحرير التجارة العربية؛ سواء الثنائية، أو الجماعية.
ورغم أن الدراسات الدولية عن المناطق الحرة تشير إلى أن البلاد العربية وإفريقيا سجّلت أدنى مستويات النشاط فى مجال إستراتيجيات التطور والتنمية المعتمدة على المناطق الحرة، فإن المناطق الحرة أصبحت منتشرة بشكل كبير فى العديد من الدول العربية، وفي طريقها إلى التزايد والتوسع؛ فقد اكتسبت مدينة بورسعيد المصرية، باعتبارها منطقة حرة صفة "الميناء الحر" منذ فترة طويلة، كما اكتسبت جيبوتي الصفة نفسها أيضًا، واكتسبت بعض المناطق الحرة فى الدول العربية شهرة عالمية، مثل: المناطق الحرة فى تونس، وجبل علي بالإمارات العربية، والمنطقة الحرة المصرفية فى البحرين. وهناك الكثير من الأمثلة فى هذا المجال، والجدول التالي يوضح خريطة المناطق الحرة فى الوطن العربي.
مناطق التجارة الحرة العربية (1998)
|
الدولة
|
المنطقة
|
المساحة بالألف متر مربع
|
سنة الإنشاء
|
|
مصر
|
الإسكندرية
|
472.75
|
1973
|
|
مدينة نصر
|
70.5632
|
1973
|
|
السويس
|
32.28
|
1975
|
|
بورسعيد
|
49.42
|
1975
|
|
دمياط
|
80.00
|
1992
|
|
العريش
|
مخططة
|
مخططة
|
|
الإسماعيلية
|
340.00
|
1979
|
|
سفاجا
|
50,443
|
1992
|
|
سوريا
|
دمشق
|
2.5
|
1952
|
|
مطار دمشق
|
9.2
|
1976
|
|
عدرا
|
68.4
|
1977
|
|
طرطوس
|
43.6
|
1974
|
|
اللازقية
|
28.2
|
1974
|
|
حلب
|
32.00
|
1974
|
|
الأردن
|
ميناء العقبة
|
100.00
|
1973
|
|
الزرقاء
|
550
|
1978
|
|
صيهاب
|
مخططة
|
مخططة
|
|
الحدود السورية الأردنية
|
400.00
|
1976
|
|
لبنان
|
ميناء بيروت
|
5.68
|
1954
|
|
ميناء طرابلس
|
مخططة
|
مخططة
|
|
المغرب
|
طنجة
|
--
|
--
|
|
اليمن
|
عدن
|
20.00
|
1970
|
|
الإمارات
|
جبل علي
|
10
|
1985
|
|
أبو ظبي
|
تحت الإنشاء
|
--
|
|
تونس
|
بيزيرت
|
30
|
1972
|
|
جارزيس
|
--
|
--
|
|
جيبوتي
|
جيبوتي
|
--
|
--
|
|
الكويت
|
ميناء الشويخ
|
--
|
--
|
|
قطر
|
الدوحة
|
--
|
--
|
|
البحرين
|
الجنوبي الشرقي
|
تحت الإنشاء
|
1971
|
|
السودان
|
منطقة البحر الأحمر
|
تحت الإنشاء
|
--
|
|
الجيلي
|
تحت الإنشاء
|
--
|
وتشير المعلومات المتوافرة أن هذه المناطق تقدم مجموعة من الامتيازات والإعفاءات التى تتمثل في الآتي:
- تُعفَى المشروعات العاملة من الضرائب طول مدة المشروع، وفي الغالب لا تخضع هذه المشروعات إلا لرسم سنوي في حدود 1% من قيمة السلع الداخلة إلى المنطقة أو الخارجة منها لحساب المشروع، وفي حالة المشروعات الخدمية يصل هذا الرسم إلي 3% من القيمة المضافة التي يحققها المشروع، وإلى جانب ذلك فإن العاملين الأجانب بمشروعات المناطق الحرة يتم إعفاؤهم من الضرائب على كسب العمل والرواتب.
- تسمح للمشروعات العاملة بتحويل أرباحها وإعادة خروج رأس المال الأصلي للمشروع دون قيود.
- في الغالب لا تخضع صادرات وواردات المشروعات للقيود المعروفة على الصادرات والواردات.
- تحمي القوانين المشروعات العاملة من التأميم أو المصادرة أو الحجز على أموالها أو تجميدها دون سند قانوني.
- إلى جانب هذه المزايا، فإن بعض المناطق العربية تتمتع ببعض المزايا الإضافية، كما في حالة تونس التي تسمح للبنوك الوطنية أن تقدم قروضًا للمشروعات والأجانب العاملين فيها.
تباين بين العربية والدولية
وبإجراء مقارنة سريعة بين التجارب العربية والدولية في هذا المجال يمكن إثارة العديد من النقاط أهمها:
- التجارب الدولية تشير إلى أن المناطق الحرة ظهرت دوليًا كجزء من سياسة اقتصادية كلية، تهدف في الأساس إلى تشجيع النمو الصناعي والصادرات، أما العربية فالملاحظ أنها لم تخضع في الغالب لتوجه إنمائي عربي معين، ولكنها كانت - في معظم الأحوال - استجابة لظروف، مثل: محاولة تجنب اختناقات اقتصادية معينة، أو رغبة في حل بعض المشاكل الاقتصادية القائمة، أو لتحقيق بعض الفوائد من التعامل مع الشركاء الاقتصاديين الأجانب، فعلى سبيل المثال تم التركيز على استخدام المنطقة الحرة في بور سعيد؛ لتأكيد فكر الانفتاح الاقتصادي، رغم أنها تحولت إلى منطقة استهلاكية، ومنفذ لتهريب السلع الأجنبية إلى الأسواق المصرية. أما في سوريا فكان الدافع الرئيسي هو جذب رؤوس الأموال السورية والأجنبية الهاربة منذ أوائل الستينيات، ومنع هروب أي أموال أخرى إلى الخارج.
- ركّزت التجارب الدولية على ضمان نمو هذه المناطق وازدهارها من خلال توفير عدد من الضمانات، مثل: توفير المناخ الاستثماري الجيد القائم على الشفافية، وتبسيط الإجراءات، وتقديم الحوافز، والاستقرار، وتحقيق كفاءة المرافق والخدمات الأساسية كالنقل والشحن والتفريغ وغيرها، ولكن فى التجربة العربية يُلاحظ أن معظم الدول لم توفر هذه التوليفة من الضمانات، ولكنها - في الغالب - ركّزت على جانب الحوافز، دون أن تحقق الكفاءة للخدمات والمرافق والبنية الأساسية أو المناخ المستقر، وهو ما جعل تلك الحوافز لا تؤتي ثمارها المطلوبة.
يُلاحظ أن المناطق الحرة العالمية، خاصة في الدول الآسيوية، تطورت بطريقة واكبت التطور الاقتصادي العالمي؛ حيث تطور اهتمام هذه المناطق بالأنشطة المتصلة بثورة المعلومات والطفرة التكنولوجية فيما يُعرف بالاقتصاد الجديد، وأصبح الطابع الغالب عليها هو الاستثمار الصناعي والخدمات المالية والمعلومات.
أما العربية، فنجد أن قطاع الصناعات التحويلية وقطاع المؤسسات المالية المتخصصة يحتل مكانة هامشية في معظمها، باستثناء حالتي تونس ومنطقة جبل علي بدبي، ويغلب على معظم المناطق أنشطة التخزين والتجارة، كما في حالة مصر وسوريا وغيرها.
ورغم أن نشاط الصناعات التحويلية احتل مساحة كبيرة في تونس ومنطقة جبل علي، فإن هذه الصناعات تركّزت في صناعة الجلود والملابس والمنسوجات والصناعات الميكانيكية والكهربائية وصناعات مواد البناء والخزف، وهي في الغالب الأعم صناعات خفيفة وكثيفة الاستخدام للعمالة، وبالتالي فإنها لم تصل إلي التعمق التكنولوجي الذي وصلت إليه صناعات المناطق الحرة في دول شرق آسيا التي ركّزت على الصناعات التحويلية كثيفة رأس المال وكثيفة التكنولوجيا.
- اعتمدت المناطق الدولية على المصادر الأجنبية لتمويل المشروعات بالدرجة الأولى، فعلى سبيل المثال بلغ المكون الأجنبي فى رأسمال المنطقة الحرة في سريلانكا 67%، أما العربية فيلاحظ عليها غلبة المكون المحلي؛ ففي مصر مثلاً تُمثل الاستثمارات من أصل محلي 70%، و20% من مصادر عربية، وحوالي 10% فقط من مصادر أجنبية، أما في سوريا، فإن نسبة المكون المحلي أكثر من 90%، وتونس 60% من استثمارات، والباقي من مصادر عربية وأجنبية، وهذا يعني أن المناطق الحرة العربية لم تنجح بالدرجة الكافية فى جذب رؤوس الأموال الأجنبية، رغم أنه أهم الأهداف الذي نشأت من أجل تحقيقه.
المناطق الحرة ومأزق تحرير التجارة
رغم أن المناطق الحرة قامت انطلاقاً من فلسفة زيادة الانفتاح الاقتصادي وتنشيط حركة التجارة ورؤوس الأموال بين دول العالم، فإن هذه المناطق أصبحت تمثل تحديًا للعمل العربي المشترك، وخاصة على صعيد تحرير مبادلات التجارة؛ وذلك لأن الدول العربية فى سعيها لتحرير التجارة؛ سواء على المستوى الثنائي، أو المستوى العربي الشامل، قامت باستبعاد السلع المنتجة فى هذه المناطق من قائمة السلع التي تحصل على مزايا هذه الاتفاقيات من إعفاءات الرسوم الجمركية والقيود غير التعريفية، وذلك لتخوف الدول العربية من استخدام البعض لهذه المناطق كمعبر للسلع غير العربية إلى الأسواق العربية، وهو ما يعني منع استفادة أطراف غير عربية من مزايا الاتفاقيات الثنائية والجماعية العربية.
ورغم أن هذا التخوف العربي له ما يبرره، فإن هذه المناطق تساهم - وبطريق غير مباشر - في الحد من نمو التجارة العربية البينية، قياسًا بنمو إجمالي التجارة العربية للخارج، فالملاحظ أن صادرات هذه المناطق في تزايد مستمر، وأصبحت تشكل نسبًا لا يستهان بها في صادرات بعض الدول العربية، (في مصر حوالي 5% من إجمالي الصادرات)، وهذا يعني استبعاد هذه النسب، والتي تُحسب ضمن بند الصادرات العربية للعالم من الدخول في التجارة العربية البينية، وهذا يؤثر على فرص زيادة هذه التجارة البينية كلما نمت نسب صادرات المناطق للخارج.
ورغم أن الدول العربية فشلت في معالجة وضع المناطق الحرة في اتفاقية إنشاء منطقة التجارة الحرة الكبرى، فإنه كان من المأمول أن تتوصل إلى معالجة وضع هذه السلع في إطار الاتفاقيات الثنائية لتحرير التجارة، لكن هذا لم يحدث؛ ولذلك فإن الدول العربية مطالبة بصورة ملحة بالتوصل فيما بينها إلى صيغة لمعالجة وضع السلع المنتجة في هذه المناطق، وقد يكون من المناسب استخدام بعض قواعد المنشأ التي تحدد موطن السلعة بناء على البند الجمركي أو القيمة المضافة، كما يجب الاستفادة من تجارب التكتلات الاقتصادية الأخرى فى هذا المجال.
باحث اقتصادي
|