English

 

الأربعاء. يونيو. 27, 2001

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عربية عامة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

عرب الغد: "النفط مقابل التكنولوجيا"

حسين النديم

نفط مقابل تكنولوجيا‍‍‍

السويد- شاع مصطلح "النفط مقابل الغذاء" في السنوات الأخيرة وتحديدا منذ أن فُرض على العراق قبول هذه الطريقة التي أدت لكارثة معيشية وصحية حلت بالعراق وشعبه منذ عام 1990.

لكن الغريب هو أن المتفحص لصيغة التبادل التجاري بين الدول العربية المصدرة للنفط مع الدول المستهلكة له في العالم الصناعي خصوصًا، سيجد أن هذا المصطلح كان معمولاً به وإن لم يكن متداولاً؛ فمعظم واردات الدول العربية هي سلع استهلاكية، وإن زادت عن مجرد الغذاء والدواء لا تتجاوزه إلا إلى السيارات الحديثة والأجهزة الإلكترونية والمنزلية والطبية وغيرها من الضروريات لتوفير مستوى معيشي لا بأس به للسكان.

لكن هذا التبادل يتم دون رؤية وإستراتيجية مستقبلية للتخلص من الاعتماد الكلي على تصدير المواد الأولية والاتجاه إلى التحول إلى دول صناعية ـ زراعية منافسة في العالم، وبالرغم من أن بعض هذه الدول قد بدأت بالفعل تطبيق برامج تنمية ضرورية فإن وتيرة وسرعة التغيير لا تتجاوب مع التغيرات الكبرى في الاقتصاد العالمي.

وبالنسبة للنفط الذي تعتمد عليه العديد من الدول العربية، فما زال الهبوط الشديد لسعره عامي 97 و 98 يلقي بظلاله على اقتصاد المنطقة، أما الارتفاع الكبير في العامين الأخيرين فقد خلق أزمة طاقة وعدم استقرار في الدول المستهلكة.

انهيار النفط فرصة للعرب!!

العديد من المسؤولين والمراقبين في دول الأوبك يدركون أن انهيار الأسعار مجددا ليس بالأمر المستبعد تماما؛ لأن أسعار النفط العالمية لم تعد مرتبطة بميزان العرض والطلب، وإنما تحددها مجموعة عوامل مالية وسياسية "غير اقتصادية"، من أهمها المضاربات في سوقي "لندن" و"وول ستريت" وتلاعب الشركات الغربية الكبرى ذات النفوذ السياسي الهائل بأسعار الطاقة في بلدانها.

ويوفر هذا الوضع فرصة ذهبية لخلق إستراتيجية جديدة ونمط جديد للعلاقات بين دول الأوبك والدول المستهلكة، ومما يسهل خلق مثل هذه الإستراتيجية عاملان برزا في الشهور الأخيرة وهما:

1ـ الهزات الشديدة التي شهدتها الأسواق المالية العالمية خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية واليابان والهبوط المفاجئ لقيم أسهم ما سمي بالاقتصاد الجديد وتهديده مجمل النشاط المالي بالانهيار التام في الفترة القادمة، وقد رافقت هذا الانهيار ظاهرتان:

أولاهما: الارتفاع الشديد للدولار مقابل معظم العملات العالمية وخاصة اليورو بسبب هروب الأموال من أوروبا وآسيا إلى سوق المال الأمريكية.

والأخيرة: الارتفاع الشديد في أسعار النفط، وقد أدى ارتفاع سعر النفط إلى مضاعفة أزمة العملات العالمية نتيجة الحاجة إلى الدولار لمشتريات النفط وبالتالي استمرار ارتفاع سعر الدولار مقابل هذه العملات؛ وهو ما وضع الدول الأوروبية في مأزق كبير.

يضاف إلى ذلك انكماش السوق الأمريكية التي كانت تستوعب كميات هائلة من السلع المصدرة من أمريكا اللاتينية وآسيا وأوروبا (تزايد عجز الميزان التجاري الأمريكي مع بقية دول العالم في السنين الأربع الأخيرة حتى بلغ 430 مليار دولار عام 2000 حسب الإحصاءات الرسمية الأمريكية، ويتوقع بعض الخبراء أن هذا الرقم غير صحيح، بل يتجاوزه الى 500 أو 600 مليار دولار في الواقع)، وأدى هذا الوضع إلى تراجع صادرات هذه الدول إلى أمريكا بدءا من الربع الأخير من عام 2000، وسجلت انخفاضا حادا في الربع الأول من هذا العام.

2ـ تزعزع الوضع السياسي والاقتصادي الأمريكي منذ تولي جورج بوش الابن الإدارة الأمريكية، وقد أدى ذلك الوضع بالإضافة إلى التوتر الإستراتيجي بين أمريكا والصين من جهة، وأمريكا وروسيا والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، وازدياد النقمة العربية والإسلامية الناتجة عن التحيز الأمريكي المطلق إلى جانب إسرائيل في الفترة الأخيرة إلى حالة من التحدي للسيطرة السياسية والعسكرية والاقتصادية الأمريكية في العالم.

وما يهم الدول العربية في هذه الحالة أمران:

أولهما: أن يؤدي الركود الاقتصادي في أمريكا وأوروبا واليابان إلى انخفاض الطلب على الطاقة وهبوط الأسعار.

وثانيهما: أن يؤدي هبوط الأسواق المالية الأمريكية إلى هروب الاستثمارات الأوروبية واليابانية وغيرها من منطقة الدولار إلى مناطق أخرى وهبوط قيمة الدولار.

ومن الأسرار الشائعة في الغرب هو أن الدولار الأمريكي لا يزال يحافظ على الصدارة العالمية ليس بفضل قوة الاقتصاد الأمريكي، بل بقوى السلاح ليس إلا، وقد بدأ العديد من المراقبين الحكوميين يرون حقيقة هذا الوضع في الشهور القليلة الماضية.

أوروبا وروسيا السابقون .. والعرب…؟

برزت في الاتحاد الأوروبي سياسة جديدة هدفها البحث عن إستراتيجيات تضمن استقرار اقتصادياتها في فترة "ما بعد الانهيار". فجاءت القمة الروسية الأوروبية في الثلاثين من شهر أكتوبر الماضي والقمة الروسية الألمانية في شهر أبريل تتويجاً لسلسلة من التحركات الدبلوماسية الحثيثة.

وقد خرجت القمة بقضية مهمة جداً، وهي اتفاق الطرفين على صفقة طاقة تمتد لمدة عشرين سنة تحصل فيها روسيا على الاستثمارات في قطاعات الصناعة والتكنولوجيا الحديثة وتطوير صناعة الطاقة الروسية التي أصبحت بحاجة شديدة إلى التطوير والصيانة، وبالمقابل ستزود روسيا الاتحاد الأوروبي بالنفط والغاز الطبيعي بصورة ثابتة ومستقرة في العشرين سنة المقبلة.

بهذا تكون أوروبا وروسيا قد ضربتا عدة عصافير بحجر واحد؛ فالاتحاد الأوروبي سيتمكن من الالتفاف حول قضية ارتباط واردات الطاقة بالدولار، وستضمن تدفق النفط والغاز بشكل مستمر وبسعر مستقر؛ لأن الجانبيين سيتبعان نظامًا أشبه بالمقايضة في واقع الأمر، أما روسيا فإنها ستحصل على قروض واستثمارات أجنبية في قطاعات الصناعة التي هي في أمس الحاجة إليها دون التعرض للضغوط والابتزازات المهينة من صندوق النقد الدولي وأمريكا، بالإضافة إلى تكنولوجيات صناعية متطورة من الغرب.

كما سيفرض هذا التعاون الوجودي نوعا من التنسيق بين كل من روسيا والاتحاد الأوروبي في القضايا الأمنية والإستراتيجية العسكرية، وقد بدأت بالفعل دراسة بناء أنابيب نفط وغاز طبيعي جديدة من شبه جزيرة "يامال" في أقصى الشمال الروسي إلى وسط أوروبا ولا يزال التفاوض جاريا مع بولندا وأوكرانيا حول الطريق الذي ستسلكه هذه الخطوط.

من جهة أخرى عزز الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" التعاون الإستراتيجي مع الصين وكوريا الشمالية مؤخراً، وبدأ نقاش مماثل مع اليابان؛ لتزويد اليابان بالطاقة مقابل تعاون اليابان مع روسيا في مجال التكنولوجيا الصناعية المتقدمة، على شاكلة ما اتفق عليه مع دول الاتحاد الأوروبي.

ومعلوم تاريخيا بأن الصين واليابان تنظران إلى المنطقة الجغرافية الهائلة في شمال وشرق روسيا الممتدة من سيبيريا إلى المحيط الهادي في الشرق والغنية بالثروات الطبيعية ومصادر الطاقة باعتبارها المصدر المستقبلي لاحتياجاتهما التنموية التي تزداد اتساعا، في ذات الوقت يعتبر الخبراء الاقتصاديون والعلماء الروس منذ أكثر من قرن هذه المناطق غير المأهولة باعتبارها التحدي العلمي المستقبلي لجعل هذه المناطق مراكز سكانية وتنموية مستقبلية للشعب الروسي.

ويُعد هذا المثال نموذجا توضيحيًّا لطبيعة النهج الذي يفترض اتخاذه من قِبل الدول العربية في هذه الفترة الحساسة.

تحدٍ آخر يواجه بلادنا العربية، وهو تحدٍ علمي ـ اقتصادي، يتمثل بالمناطق القاحلة والصحارى العربية الواسعة التي تشكل معظم مساحة الوطن العربي؛ لأن هذه الأراضي يفترض أن تكون الامتداد الطبيعي لاستيعاب النمو السكاني العربي؛ فمعظم سكان الدول العربية لا يحتل سوى جزء بسيط من أراضيه، إذ تتوزع المدن العربية على شريط ضيق يمتد من الساحل الشرقي للبحر الأحمر والساحل الغربي للخليج صعودا إلى منطقة وادي الرافدين على جانبي دجلة والفرات، ثم الهلال الخصيب وعلى جانبي نهر النيل والساحل الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط، ويمثل هذا التوزيع خللاً كبيرًا بكل المعايير الإستراتيجية والاقتصادية، لذا فإن الاتجاه المصري نحو تحويل المياه إلى بعض هذه المناطق هو تفكير منطقي نحو حل هذه المعضلة.

بنك عربي "تحت أرضي"

قد بدأت إيران في السنين الأخيرة تعاونا ملحوظا مع الاتحاد الأوروبي واليابان في اتجاه "النفط مقابل التكنولوجيا" وحصلت على اعتمادات أو ضمانات استيراد صناعية كبيرة. ومن المرجح أن تفرز الدبلوماسية العربية المحمومة تجاه الصين وآسيا مثل هذا التوجه، حيث تريد الدول العربية توسيع وتنويع شراكاتها الاقتصادية نحو الشرق أيضا تحسباً لتغير المناخ السياسي العالمي.

وهكذا يفرض الواقع على الدول المنتجة للنفط التخلي فوراً عن السياسة القديمة لبيع النفط مقابل الدولار وتكديس هذه الدولارات واستثمارها في بنوك بريطانيا وأمريكا، ولا أعني هنا تحويل التجارة إلى عملة أخرى، فالمطلوب هو تحويل هذه التجارة إلى عقود صفقات تبادل تجاري طويلة الأمد في "السلع والتكنولوجيا" وليس في "العملات"، وذلك باستخدام الثروة النفطية الكامنة تحت الأرض العربية كرصيد أو بنك اعتمادات "تحت أرضي".

والمقصود بالسلع هنا مقومات النهوض بعملية تصنيع شاملة تبدأ من تكنولوجيا تحلية مياه البحر وري الصحراء بالدرجة الأولى، إلى تشييد البنى التحتية المتطورة والمكثفة داخل الدول العربية وبين الدول العربية، مثل سكك الحديد وخطوط النقل السريعة وأنابيب المياه، في إطار إستراتيجية طريق الحرير الجديد وربط قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا عن طريق الجزيرة العربية والهلال الخصيب، والتحول تدريجيا إلى بناء صناعات محلية تُمَكّنها من تصنيع هذه التقنيات محلياً.

ولا يمكن القيام بذلك بشكل فعال إلا بتكوين كوادر ذات كفاءة عالية وعلى مستوى دولي في مجالات الهندسة الحديثة وتصميم المكائن والآلات والطب والبحوث في مجال الكيمياء العضوية والزراعة وتكنولوجيا المعادن والطاقة والتكنولوجيا النووية كذلك، ويمكننا تبادل النفط مع كل هذه الوسائل الكفيلة بتحويل المنطقة العربية إلى مركز مهم للتنمية في العالم والصحاري العربية إلى مزارع وجنان تسد حاجة الشعوب العربية إلى الغذاء.

وفي ظل الركود الاقتصادي الحالي في الغرب سيكون من المستبعد وانعدام الحكمة أن ترفض أية دولة صناعية مستهلكة للنفط مثل هذا العرض السخي وإلا سيكون للعرب خيار التوجه إلى دول صناعية أخرى لتعطيهم هذه التكنولوجيا بكل امتنان، وسنجد العديد من الدول الغربية تتنافس من أجل الفوز بحصة من السوق العربية هذه، وقد بدأنا نرى عدة دول أوروبية تتحدى العقوبات الأمريكية للاستثمار والتعاون مع إيران مثلاً.

ومن المرجح أن تصبح هذه هي طبيعة العلاقات الدولية في مواجهة الركود الشامل في الاقتصاد العالمي وتزايد التوتر الإستراتيجي بين إدارة بوش وبقية دول العالم، إلا إذا لجأت أمريكا إلى التهديد تحت مظلة السلاح النووي للإبقاء على النظام الحالي، ولكل حادث حديث.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم