English

 

الاثنين. سبتمبر. 3, 2001

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عربية عامة

 

ماذا سيحدث بعد الفشل أو النجاح؟

إسلام أون لاين - علي الدين عبدالرحمن

في سياتل.. مطالبة بإغلاق منظمة التجارة

أسئلة ستظل مطروحة بقوة حتى مساء يوم الثالث عشر من نوفمبر موعد انتهاء مؤتمر الدوحة:هل سيفشل المؤتمر في تحقيق أهدافه ليلحق بمؤتمر سياتل؟ أم أن الأمور ستكون مختلفة هذه المرة؟ وما هي طبيعة هذه الاختلافات؟ وما هي العوامل التي تدفع المؤتمر نحو النجاح أو نحو الفشل؟ وأيهما أرجح في الحدوث؟ وماذا لو نجح أو فشل المؤتمر؟

 السطور التالية تحاول الإجابة على هذه الأسئلة، وفي البداية لا بد من تحديد المقصود بالنجاح أو الفشل حتى لا تختلط الأمور على البعض، فالحديث عن نجاح أو فشل المؤتمر يشغل مختلف الأوساط الدولية المهتمة بالعولمة ومستقبل النظام التجاري العالمي، ولكن المقصود هنا بنجاح أو فشل المؤتمر هو النجاح أو الفشل في تحقيق الأهداف التي يعقد من أجلها المؤتمر، والتي تتجسد في غاية أساسية هي الإعلان عن بدء جولة جديدة من المفاوضات حول تحرير التجارة الدولية متعددة الأطراف.

سيختلف مفهوم ومعنى النجاح أو الفشل من وجهة نظر كل دولة ومن وجهة نظر التكتلات الاقتصادية والجماعات المختلفة المهتمة بالمؤتمر، وذلك حسب اختلاف الأهداف والمصالح لهذه الدول والتكتلات والجماعات، والتي تسعى إلى تحقيقها من وراء عقد هذا المؤتمر، وبغض النظر عن النتائج النهائية لمؤتمر الدوحة فهي قد تعني نجاحًا للمؤتمر من وجهة نظر إحدى الدول أو التكتلات أو الجماعات في نفس الوقت الذي تعني فيه فشلا من وجهة نظر دولة أخرى أو تكتل أو جماعة أخرى؛ لذلك وجب التنويه على أن محل الاهتمام في هذا المقال هو احتمال الفشل أو النجاح لمؤتمر الدوحة من حيث تحقيق الأهداف التي يسعى المؤتمر إلى تحقيقها، والتي تتبناها منظمة التجارة العالمية رغم الاختلاف العالمي الواسع حول هذه الأهداف وسبل تحقيقها.

مع التأكيد على أن هذا لا يعني بالضرورة التحيز لبعض الدول أو الموافقة المطلقة على هذه الأهداف أو سبل تحقيقها، وكذلك لا يمكن الجزم مسبقًا بحدوث النجاح أو الفشل قبل بدء جلسات المؤتمر في التاسع من نوفمبر، وقد لا يكون ذلك ممكنًا أيضًا حتى قبل انتهاء يوم الثالث عشر من نفس الشهر.

المؤتمر يحمل بذور فشله

المتابع لما يدور في العالم حتى الآن وقبل انعقاد مؤتمر الدوحة يلحظ بما لا يدع مجالا للشك أن بعض العوامل التي أدت إلى فشل مؤتمر سياتل ما زالت موجودة على الساحة الدولية وبقوة، وهذا يعني أن سيناريو سياتل مرشح للتكرار مرة أخرى في الدوحة. ويمكن تلخيص أهم العوامل التي تدفع نحو فشل المؤتمر في الآتي:

1- استمرار الخلافات بين الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية، سواء كانت هذه الخلافات:

  •   بين الدول المتقدمة وبعضها أو بين الدول المتقدمة والدول النامية.
  •   تتركز حول أجندة المؤتمر أو الموضوعات التي من المقرر أن تتناولها جولة المفاوضات الجديدة.
  •   تأخذ شكل معارضة مطلقة أو مشروطة للمؤتمر.

والمؤكد أن هذه الخلافات ستقلل من فرص نجاح مؤتمر الدوحة، وستدفع أكثر نحو فشل المؤتمر، ورغم أن حدة الخلافات قد تكون مرشحة للتراجع خلال الفترة القادمة التي تسبق انعقاد المؤتمر أو أثناء انعقاد المؤتمر نفسه بسبب الجهود التي تبذل في هذا المجال من جانب منظمة التجارة العالمية أو من جانب بعض الدول خاصة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي - فإنه لا يمكن القطع بأن هذه الخلافات ستزول تمامًا.

2- زيادة النزعة الثنائية والإقليمية بين دول العالم في مجال تحرير التجارة، حيث أدى فشل مؤتمر سياتل في إطلاق جولة جديدة للمفاوضات متعددة الأطراف لتحرير التجارة إلى خلق اتجاه متزايد بين دول العالم لتأسيس اتفاقيات تجارية ثنائية وإقليمية بسبب اقتناع الدولة المشاركة بأن هذه الاتفاقيات أكثر فاعلية وعدالة، وأسرع في خلق أسواق أوسع لمنتجاتها من النظام التجاري الدولي متعدد الأطراف الذي تتبناه منظمة التجارة العالمية وبعض الدول الكبرى، وتسعى إلى تحقيقه من خلال المؤتمرات الوزارية للمنظمة ومنها مؤتمر الدوحة.

3-  قرب انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية، وهو الأمر الذي دعمه الموقف الأمريكي من الصين بعد انتهاء حادث طائرة التجسس، وتأييد اليابان لهذا الانضمام إلى جانب موافقة العديد من الدول عليه، ويرى العديد من الاقتصاديين أن انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية قد يقود إلى تفجير نزاعات تجارية جديدة في المنظمة مع العديد من دول العالم، وذلك بسبب انخفاض أسعار البضائع الصينية، وهو ما يعني زيادة دعاوى الإغراق المرفوعة ضد الصين بمجرد انضمامها إلى المنظمة، حيث ستفتح أمامها أسواق العالم بشكل أوسع.

ويؤكد الخبراء أن النزاعات المحتمل أن يخلقها انضمام الصين للمنظمة ستكون مع الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية (إلى جانب نزاعاتها الحالية مع اليابان) بسبب كون الصين من أهم الدول المنتجة للسلع التي لها مثيل أمريكي، وخاصة الصلب الذي تفرض عليه الولايات المتحدة الأمريكية قيودًا جمركية لحماية صناعاتها المحلية.

كما ستكون هذه النزاعات مع الدول الفقيرة التي لا تستطيع منافسة الصين المتمتعة برخص الأيدي العاملة التي لم تزد أجورها منذ حوالي 10 سنوات، وكذلك بسبب نفوذ الشركات متعددة الجنسية التي تركز جهودها خلال الفترة الراهنة لإقامة مراكز تصدير ضخمة لها في الصين، ويرجح الخبراء أيضًا أن تكون هذه الخلافات بين الصين وجيرانها في جنوب شرق آسيا الذين تتشابه اقتصادياتهم مع الاقتصاد الصيني.

بذور النجاح

في مقابل بذور الفشل التي يحملها مؤتمر الدوحة هناك عوامل تدفع نحو نجاح المؤتمر من خلال منع هذه البذور من الإنبات أو النمو في البيئة الدولية التي تسبق أو تصاحب انعقاد المؤتمر، وتتمثل أهم هذه العوامل في الآتي:

1- الإصرار الأمريكي على نجاح المؤتمر هذه المرة، بسبب الأضرار التي لحقت بالدور الأمريكي بعد فشل مؤتمر سياتل، وزيادة العداء للعولمة التجارية على الطريقة الأمريكية، وفي هذا السياق يحذر الممثل التجاري للولايات المتحدة الأمريكية "روبرت زوليك" من أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تفقد فرصتها الفريدة والذهبية في وضع قواعد التجارة الدولية إذا لم ينجح مؤتمر الدوحة؛ ولذلك يطالب الكونجرس الأمريكي بالتحرك السريع لمنح إدارة التجارة الأمريكية سلطة ما يعرف باسم "الطريق السريع للتفاوض في مجال الاتفاقات التجارية" ويحذر من أن عدم حدوث ذلك سوف يعد من الأخطاء التاريخية التي ترتكبها الولايات المتحدة الأمريكية.

2- إصرار وحرص منظمة التجارة العالمية على نجاح المؤتمر هذه المرة بسبب تراجع مكانة ومصداقية المنظمة في أعقاب فشل مؤتمر سياتل، وفي هذا السياق يؤكد المدير العام للمنظمة " مايك مور" على أن المنظمة ستدخل في فترة من السبات إذا لم ينجح مؤتمر الدوحة في إطلاق جولة جديدة من المفاوضات، وأن فشل المؤتمر سيدعم ويزيد من العداء لسياسة المنظمة ودورها في الإشراف على النظام التجاري العالمي.

3- الاتجاه نحو تسوية الخلافات بين الكبار قبل بدء المؤتمر؛ حيث تركز كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي على التفاوض الثنائي لتسوية خلافاتهم قبل المؤتمر والظهور بموقف موحد وقوي أمام الدول النامية لإعطائها رسالة بأن عملية تحرير التجارة سوف تمضي في طريقها رغم المعارضين، وعلى الجميع أن يوفقوا أوضاعهم، ولذلك من المنتظر ألا يتكرر ما حدث في سياتل بشأن التفاوض الجانبي للكبار في جلسات المؤتمر، وعزل الدول النامية خارج قاعات المناقشات، ومن المرجح أن يأتي الكبار هذه المرة ولديهم على الأقل أدنى مستوى من الاتفاق، وهو ما يدفع بقوة نحو نجاح المؤتمر.

ماذا لو فشل المؤتمر؟

ويظل احتمال الفشل قائمًا وإن تفاوتت الآراء حول نسبة تحقيق هذا الاحتمال، ولكن الأمر الذي لا جدال فيه هو أن فشل مؤتمر الدوحة إذا تحقق سيكون له آثار واسعة النظام على مستقبل النظام التجاري العالمي وعلى مستقبل الدور الأمريكي في صياغة هذا النظام، وكذلك على مستقبل منظمة التجارة العالمية ومصداقيتها، ويمكن إيجاز هذه الآثار في الآتي:

1- حدوث تحول في مسار ومنهجية النظام التجاري العالمي، حيث سيحدث اندفاع نحو اتباع المسارات الثنائية والإقليمية في تحرير التجارة، وذلك مقابل تراجع المساعد متعدد الأطراف الذي تتبناه منظمة التجارة العالمية.

2- تزايد السياسات التجارية العدوانية وغير المشروعة من جانب الدول الكبرى مثل سياسات الإغراق، والدعم، والاحتكار، وتحطيم الشركات المنافسة، وذلك لضمان حصة أكبر لمنتجاتها في أسواق الدول النامية.

3- قد يحدث تحلل جماعي لمعظم دول العالم من الالتزامات السابقة تجاه النظام التجاري العالمي، وهو ما يعني حدوث ردة على هذا النظام تجعل القوانين التجارية الدولية بيد كل دولة تطبقها بالطريقة التي تحقق مصالحها بغض النظر عن مصالح الآخرين، وربما يؤدي ذلك إلى حدوث موجة جديدة من السياسات التجارية الحمائية المؤدية إلى تراجع حجم التجارة الدولية وتحويل اتجاهاتها.

4- تراجع دور ومصداقية منظمة التجارة العالمية في رسم ملامح النظام التجاري العالمي، حيث سيتم تهميش المنظمة وتراجع فاعليتها وأنشطتها.

5- تراجع الدور الأمريكي الرائد في صياغة نظام التجارة العالمي؛ وذلك لصالح الدور الذي تلعبه بعض التكتلات الاقتصادية الدولية مثل الاتحاد الأوروبي، والآبيك، والآسيان وغيرها من تكتلات الدول النامية مثل الكوميسا ومجموعة الـ 15 والدول العربية وغيرها.

ماذا لو نجح المؤتمر؟

يظل أيضا احتمال نجاح مؤتمر الدوحة قائمًا، ويتوقف ذلك على تغلب العوامل التي تدفع نحو النجاح على تلك التي تدفع نحو الفشل، وسيكون لحدوث هذا النجاح الآثار التالية:

1- استمرار مسيرة النظام التجاري العالمي الراهنة في مجال تحرير التجارة وتغلبها على المسارات الأخرى الثنائية والإقليمية، وإن كان من غير المؤكد أن تتحرك مسيرة هذا النظام بنفس السرعة التي كانت تتحرك بها في الماضي وبالتحديد قبل سياتل.

2- استعادة منظمة التجارة العالمية لمكانتها ومصداقيتها ودورها في النظام التجاري العالمي، ولجوءها لممارسة ضغوط أكبر على الدول النامية التي لا تتوافق أوضاعها مع هذا النظام.

3- تعاظم الدور الأمريكي في صياغة قواعد النظام التجاري العالمي، وتزايد الإصرار الأمريكي على استمرار مسيرة العولمة بملامحها الأمريكية، وتراجع اهتماماتها الحالية بالمعارضين خاصة من الدول النامية.

4- تزايد الالتزامات والأعباء الملقاة على عاتق الدول النامية خاصة أنها لم توفق أوضاعها بعد اتفاقات أورجواي، في نفس الوقت الذي ستكون ملزمة فيه بتوفيق أوضاعها مع التزامات الجولة الجديدة التي سيعلن عنها مؤتمر الدوحة في حالة نجاحه.

فشل أم نجاح؟

في ظل المؤشرات المتوفرة حتى الآن لا يمكن لمدقق بصير أن يرجح احتمال الفشل على النجاح أو العكس؛ لأن ذلك سيكون مصادرة على المطلوب، ولأن كلا الاحتمالين واردان وبقوة خاصة في ظل وجود عوامل تدفع بقوة نحو الفشل وأخرى تدفع بقوة نحو النجاح، وذلك وارد في ظل وجود فسحة من الوقت قبل انعقاد المؤتمر، قد تتغلب فيها أحد العوامل على الآخر، وتحسم الجولة لصالح الاحتمال الذي يدفع نحوه.

لكن الأمر الذي لا يقبل التسطيح هو أن الكبار سيبذلون قصارى جهدهم لإنجاح المؤتمر هذه المرة؛ حفاظًا على أدوارهم ومصالحهم، وحفاظًا على ماء وجوههم حتى ولو كان هذا النجاح نجاحًا محدودًا أو شكليًا أو حتى مرحليا، المهم لدى هذه الدول أن يوصف بأنه نجاح، أي أن يعلن المؤتمر في النهاية عن بدء جولة جديدة من المفاوضات رغم المعارضة والاختلافات، وفي هذه الحالة سيكون هذا النجاح محدودًا ومرحليًا، وسوف يعقبه صراع طويل بين مؤيدي ومعارضي العولمة التجارية، وسوف يكون هذا الصراع أشبه بحرب الاستنزاف التي لا يعلن عن منتصر فيها؛ لأن إعلان جولة جديدة من المفاوضات ليس نهاية المطاف.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم